37/05/25


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

كان الكلام في المقام الثاني: ونتعرّض فيه إلى مسألة التنافي والتدافع الموجودة في متون هذه الأخبار التي تتعرّض لهذه القاعدة. نستذكر ما تقدّم سابقاً من أننا إذا بنينا على التواتر الإجمالي والاطمئنان بصدور هذا المضمون في الجملة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله سلّم) فلا مجال للبحث عن مسألة التنافي والتدافع؛ لأنّه عندما يكون هناك تواتر إجمالي يؤخذ بالمتيقن، فإذا دار الأمر بين مطلق ومقيّد بين رواية فيها (لا ضرر ولا ضرار) فقط من دون قيد (على الإسلام)، وبين رواية أخرى فيها (لا ضرر ولا ضرار) بقيد(على الإسلام) أو(على مؤمن) مقتضى التواتر الإجمالي هو عدم ثبوت هذا القيد، أصل المطلق يكون ثابت، وأمّا ما زاد على ذلك، فلا يكون ثابتاً بالتواتر الإجمالي؛ ولذا لا نواجه مشكلة التهافت والتنافي بلحاظ المتن، كما أنّه بناءً على عدم ثبوت التواتر الإجمالي وتطبيق قواعد تصحيح السند على هذه الروايات أيضاً تبيّن مما تقدّم أنّه لا يثبت عندنا إلاّ رواية واحدة تامّة السند وهي رواية زرارة التي يرويها عنه ابن بكير، أمّا باقي الروايات فليست تامة سنداً، وبناءً على هذا أيضاً لا توجد مشكلة التهافت في المتون؛ لأنّه لا يثبت عندنا إلاّ متن واحد، فلابد أن تُجعل هي المعيار في البحوث الآتية ولا يوجد تهافت أصلاً.
نعم، في خصوص الرواية الأولى من الطائفة الأولى وهي صحيحة زرارة التي يرويها عنه ابن بكير والتي رواها المشايخ الثلاثة هذه الرواية التامّة سنداً ــــــ بحسب الفرض ـــــ يوجد فيها تهافت وهو أنّ(فاء التفريع) موجودة في ما ينقله الشيخ الكليني والشيخ الطوسي(قدّس سرّهما) بينما في نقل الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) لهذه الرواية فلا يوجد(فاء التفريع)، فإذا قيل بوجود تهافت من هذه الجهة؛ فحينئذٍ يكون هذا التهافت ثابتاً؛ لأنّ المفروض أنّ هذه الرواية تامّة سنداً. كما أنّه لو بنينا على بعض المباني الرجالية التي تلتزم بصحة الكثير من الأخبار استناداً إلى بعض المباني الرجالية التي قد لا نقول بها من قبيل أن يُلتزم بأنّ جميع ما في الكتب الأربعة تام السند وصحيح، أو يُلتزم بأنّ كل الروايات الموجودة في الكتب المعتبرة والمشهورة صحيح ويُتعامل معه معاملة الرواية الصحيحة والحجّة، أو يُلتزم ببعض المسالك التي توسّع من مسألة التوثيق وبالتالي إثبات صحّة الرواية من قبيل أن يُبنى على أنّ شيخ الإجازة يكون ثقة وأمثال هذه المباني. بناءً على هذه المباني قد تثبت عندنا حجّية أكثر من رواية من الروايات السابقة؛ وحينئذٍ يقع التهافت بلحاظ بعض الموارد التي ذكرناها سابقاً.
إذاً: الكلام في المقام الثاني هو كلام مبني على بعض المباني التي قد يقال بها في إثبات حجّية الخبر، بناءً على تلك المباني سوف يقع التهافت في المتن في هذه الروايات التي تتعرّض لهذه القاعدة؛ بل على بعض المباني الأخرى أيضاً قد نحتاج إلى استئناف هذا البحث فيما إذا قلنا بصحة الرواية الأولى كما قلنا؛ لوجود الاختلاف في نقل هذه الحجّة المعتبرة بين الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) من جهة وبين الشيخين الكليني والطوسي(قدّس سرّهما) من جهةٍ أخرى، فلابد من بحث كيفية علاج هذا التهافت، ومن هنا يقع البحث إمّا حقيقياً، أو افتراضياً في أنّه لو تمّت هذه الروايات الدالّة على هذه القاعدة، فيوجد بينها تهافت، فكيف يمكن علاجه ؟
في الدرس السابق بيّنا موارد للتهافت، قد يُدّعى وجود تهافت بين هذه الأخبار بلحاظ تلك الموارد، وقد بيّنا هناك ثلاثة موارد ونضيف هنا:
المورد الرابع: إنّ رواية ابن مسكان، عن زرارة التي ينفرد بروايتها الشيخ الكليني(قدّس سرّه) المُخاطب بعبارة(لا ضرر ولا ضرار) في فقرة الاستدلال هو سَمُرة بن جندب هو الذي خوطب بهذه العبارة بعد أن قال له الرسول(صلّى الله عليه وآله سلّم) أنّك رجل مضار، بينما المُخاطَب بهذه العبارة في باقي الروايات هو الأنصاري بعد أن أُمر بقلع الشجرة والرمي بها عليه، وقيل(لا ضرر ولا ضرار) ومن هنا قد يقع التهافت حينئذٍ؛ لأنّ الروايتين تنقلان قصة واحدة وهي قصة سَمُرة بن جندب مع الأنصاري. بناءً على أنّ المحاطب هو سَمُرة بن جندب؛ فحينئذٍ تكون هذه الفقرة لا علاقة لها بمسألة قلع الشجرة؛ فحينئذٍ تكون أشبه بالتعليل للحكم التكليفي المذكور في صدر الرواية حينما أُمر سَمُرة بأن يستأذن عندما يدخل إلى عذقه؛ لأنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله سلّم) أمره أن يستأذن وهو أبى، فكأنما هذه لتعليل هذا الحكم التكليفي ولا علاقة لها يقلع الشجرة وجوازه؛ لأنها وردت في روايات أخرى المخاطب بها هو نفس الأنصاري عندما أُمر بقلع الشجرة وأن يرميها إليه وعُللّ ذلك بأنّه(لا ضرر ولا ضرار)، فهذه الروايات تختلف من هذه الجهة.
المورد الخامس: قيد(في الإسلام) ورد في مرسلة الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) لهذه القاعدة، ورد في ذيلها قيد(في الإسلام) بينما لم يرِد قيد(في الإسلام) في باقي الروايات التي قرأناها. نعم، سيأتي أنّ هذا القيد ورد في روايات أخرى عامّية، لكن في الروايات المتقدّمة من طرقنا لم يرِد هذا القيد، هنا أيضاً قد يقال بوقوع التهافت بين رواية فيه هذا القيد وبين سائر الروايات الخالية عنه؛ لأنّ قيد(في الإسلام) قد يُستفاد منها معنىً لا يُستفاد من الفقرة إذا كانت خالية عنه.
الآن نأتي للكلام عن هذه الموارد الخمسة، بالنسبة إلى المورد الأول، فكان يقول في رواية الحذاء المتقدّمة التي يرويها الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) في الفقيه، عن الحسن الصيقل، والتي قلنا أنّها غير تامة سنداً، التهافت يقول أنّ هذه الرواية التي تنقل القصة لا يوجد فيها فقرة(لا ضرر ولا ضرار) أصلاً، في حين أنّ سائر الروايات التي تنقل هذه القصة يوجد فيها هذه الفقرة، ومن هنا قد يقال يقع تهافت وتدافع بين المتون التي تنقل هذه القصة الواحدة، فرواية تقول أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله سلّم)قال: (لا ضرر ولا ضرار)، بينما رواية الحذّاء تنقل نفس القصة ولكنها لا تقول أنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله سلّم) قال هذه الفقرة، فيُدّعى وجود تهافت من هذه الجهة.
ويُجاب عن هذه الدعوى بأنّها واضحة الوهم وعدم التمامية؛ وذلك باعتبار عدم وجود التهافت والتدافع بين الروايات التي تنقل هذه الفقرة وبين الرواية التي لا تنقلها، ولا يوجد ما ينافي هذه الفقرة الموجودة في سائر الروايات؛ لأنّ رواية الحذّاء وإن كانت ساكتة عن هذه الفقرة، لكن لا يُفهم منها أنّها تشهد بنفي فقرة(لا ضرر ولا ضرار)، ونحتمل أنّ الحذاء عندما روى هذه الرواية كان غرضه يتعلق بنقل هذا المقدار الذي نقله في نفس الرواية وأهمل الباقي، فعندما سكت عن نقل هذه الفقرة فهو ليس شهادة منه بنفي صدور هذه الفقرة من الرسول(صلّى الله عليه وآله سلّم)؛ فحينئذٍ لا موجب لوقوع التنافي والتدافع.
وبعبارةٍ أخرى: لو كان هذا المحذوف يؤثّر في المعنى الذي ينقله الحذّاء؛ حينئذٍ يكون عدم ذكره شهادة منه بعدم وجود هذه الفقرة، لكنّ هذه الفقرة لا تؤثّر في ما نقله الحذاء، وما دام أنّ تلك الزيادة الموجودة في سائر الروايات والمفقودة في هذه الرواية لا تؤثّر في المعنى الذي يُراد إثباته في هذه الرواية؛ حينئذٍ لا يكون لكلام الحذّاء ظهور في نفي تلك الزيادة وعدم وجود تلك الفقرة، ومن هنا لا يكون هناك تهافت بين هذه الرواية وبين سائر الروايات، وما أكثر الوقائع التي ينقلها شخصان، يكتفي شخص منهما بنقل أجزاء من هذه الواقعة؛ لأنّ غرضه يتعلق بذلك، بينما الآخر يكون حريصاً على نقل جميع ما حدث في تلك الواقعة، ومحل الكلام هو من هذا القبيل.
المورد الثاني: هو دعوى وجود التهافت بلحاظ(فاء التفريع) الموجودة في الرواية التامّة سنداً بحسب نقل الشيخين الكليني والطوسي(قدّس سرّهما) وعدم وجود(فاء التفريع) في نقل نفس الرواية من قِبل الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) فقد يقال بوجود تهافت، فالشيخ الكليني والشيخ الطوسي(قدّس سرّهما) نقلا الرواية بهذا اللفظ(أذهب فاقلعها، وأرمِ بها إليه فأنّه لا ضرر ولا ضرار) بينما الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) ينقل نفس الرواية بدون (فاء التفريع) يقول:(فأمر رسول الله "صلّى الله عليه وآله سلّم" الأنصاري فيلقيها إليه، وقال: لا ضرر ولا ضرار). بلا فاء التفريع؛ فحينئذٍ قد يقال أنّ النقل الي الذي يحتوي على فاء التفريع ظاهر؛ بل لعلّه صريح في تعليل الأمر بقلع الشجرة، فتكون مرتبطة بمسألة القلع وتعليله. وأمّا بحسب نقل الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) فليس فيه هذا الظهور في التعليل، ومن هنا يختلفان من هذه الجهة، وإنّما لعلّها تعليل للحكم التكليفي الذي أُمر به سَمُرة في بداية الرواية من وجوب الاستئذان عندما يدخل إلى عذقه، أو تكون جملة مستقلة لا علاقة لها بما قبلها، فيختلفان من حيث النتيجة ويقال بوجود التهافت والتدافع بلحاظ ذلك.
لكن، الصحيح هو أنّه أيضاً لا يوجد تهافت من هذه الجهة، وذلك باعتبار أنّ ما ذكره الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) عندما ذكر هذه الرواية هو وإن لم يذكر فاء التفريع، لكن التعليل والتفريع ليس دائماً مرتبطاً بوجود الفاء بحيث إذا لم توجد الفاء لا يكون تفريعاً ولا تعليلاً. نعم، قد يكون كلام الشيخ الكليني والشيخ الطوسي(قدّس سرّهما) أظهر في التعليل من كلام الشيخ الصدوق(قدّس سرّه)، لكن هذا لا ينفي ظهور كلامه أيضاً في التفريع، والتفريع والتعليل واضح في كلام الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) حيث قال(فأمر الأنصاري أن يقلع النخلة ويلقيها إليه، وقال لا ضرر ولا ضرار) خصوصاً إذا التفتنا إلى نكتة يمكن أن توضح لماذا لم يذكر الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) فاء التفريع، وهي أنّه ليس بصدد نقل لفظ الرواية كما هو الحال بالنسبة للشيخين الكليني والطوسي(قدّس سرّهما)، فأنّهما يريدان نقل لفظ الرواية، بينما ظاهر عبارة الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) هو أنّه في مقام نقل فعل الرسول(صلّى الله عليه وآله سلّم)؛ ولذا قال في عبارته(فأمر رسول الله "صلّى الله عليه وآله سلّم" الأنصاري أن يقلع النخلة، فيلقيها إليه، ولم يقل:(قال رسول الله "صلّى الله عليه وآله سلّم" أذهب فاقلعها) كما في نقل الشيخين الكليني والطوسي(قدّس سرّهما)، وإنّما هو يريد أن يحكي فعل الرسول(صلّى الله عليه وآله سلّم)؛ وحينئذٍ لا يمكنه أن يقول(فلا ضرر ولا ضرار)؛ لأنّ فاء التفريع تناسب نقل الرواية لفظاً. على كل حال العبارة فيها ظهور في التعليل، ومن هنا لا تكون منافية لفاء التفريع الموجودة بحسب نقل الشيخ الكليني والشيخ الطوسي(قدّس سرّهما).
قد يُناقش في ظهورها في التعليل، لكن مع ذلك، لو سلّمنا وقلنا ليس فيها ظهور في التعليل، لكن ليس فيها ظهور في نفي التعليل، وإذا لم يكن فيها ظهور في نفي التعليل؛ فحينئذٍ لا تهافت؛ لأنّ التهافت إنّما ينشأ عندما يكون الكلام الثاني ظاهراً في نفي ما يثبته الكلام الأول.
المورد الثالث: هو ما ذكرناه اليوم وهو أنّ المخاطب بفقرة (لا ضرر ولا ضرار)في رواية ابن مسكان هو سَمُرة بن جندب بعد أن قال له الرسول(صلّى الله عليه وآله سلّم): (أنّك رجل مضار) ومن هنا يقال هذه الرواية ليس لها ربط بمسألة قلع الشجرة، وليست تعليلاً لها؛ ولذا مسألة قلع الشجرة ذُكرت بعدها في رواية اين مسكان في الكافي وهي غير تامّة سنداً، قال:
(.....فأرسل إليه رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلّم" فأتاه فقال له: إّن فلاناً قد شكاك وزعم أنك تمر عليه وعلى أهله بغير إذنه، فاستأذن عليه إذا أردت أن تدخل، فقال: يا رسول الله أستأذن في طريقي إلى عذقي ؟ فقال له رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلّم": خل عنه ولك مكانه عذق في مكان كذا وكذا، فقال: لا، قال: فلك اثنان، قال: لا أريد فلم يزل يزيده حتى بلغ عشرة أعذاق، فقال: لا، قال: فلك عشرة في مكان كذا وكذا فأبى، فقال: خل عنه ولك مكانه عذق في الجنة، قال: لا أريد، فقال له رسول الله "صلى الله عليه وآله": إنك رجل مضار ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن....).[1]
المخاطب في الحديث هو سَمُرة بن جندب وليس الأنصاري، وجاءت فقرة الاستدلال بعد قول رسول الله(صلّى الله عليه وآله سلّم) له أنّك رجل مضار، بعد ذلك قال: ثمّ أمر بها رسول الله(صلّى الله عليه وآله سلّم) فقُلعت، ثمّ رُمي بها إليه، فقد يقال أنّ هذه الرواية ليس لها علاقة بمسألة القلع، وإنّما هي خطاب لسَمُرة بن جندب، وهذا يجعلها ليس لها ظهور في كون الفقرة تعليلاً للقلع كما هو ظاهر باقي الروايات التي تأتي بهذه الفقرة في مقام تعليل القلع، خصوصاً رواية زرارة الصحيحة سنداً، فلعله تعليل للحكم التكليفي المتوجّه إلى سَمُرة بن جندب.
قد يُجاب عن هذا التهافت بأنّ من المحتمل أن تكون الفقرة صادرة مرتين منه(صلّى الله عليه وآله سلّم)، مرّة خوطب بها سَمُرة بن جندب، ومرّة أخرى خوطب بها الأنصاري، وعندما خوطب بها الأنصاري جُعلت تعليلاً لقلع الشجرة، لكنّها لم تُجعل تعليلاً لقلع الشجرة عندما خوطب بها سَمُرة بن جندب، وإنّما هي تكون تعليلاً لوجوب الاستئذان عندما يدخل إلى عذقه، فيُطرح احتمال أن تكون الفقرة صادرة مرتين في تلك الواقعة، ومن هنا لا يقع التهافت بين كون الفقرة خوطب بها الأنصاري في سائر الروايات وبين كون الفقرة خوطب بها سَمُرة بن جندب في رواية ابن مسكان، وفقرة(لا ضرر ولا ضرار) قابلة لأن تكون علّة في كلا المقامين، أي تكون علّة للحكم التكليفي الذي هو وجوب الاستئذان، وقابلة لأن تكون علّة للحكم الوضعي وهو جواز قلع الشجرة وأن يرمي بها إليه.