37/05/08


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية


قبل أن نكمل البحث الذي شرعنا به، نرجع قليلاً للبحث السابق حيث نسينا أن نذكر رأياً للسيد الخوئي (قدّس سرّه) يرتبط بالبحث السابق، الإشكال الذي أُثير في البحث السابق هو أنّ المشهور جمع بين الحكم بالصحة واستحقاق العقاب على تفويت صلاة القصر، فكيف يمكن الجمع بينهما ؟ وقد تقدّمت بعض الوجوه لدفع هذا الإشكال.
السيد الخوئي (قدّس سرّه) له كلام في المقام،[1] يقول: ليس واضحاً الجمع بينهما، الشيء الذي يمكن الالتزام به هو الحكم بصحة صلاة التمام وعدم وجوب الإعادة لو ارتفع الجهل حتى في داخل الوقت. أمّا استحقاقه للعقاب، فليس ثابتاً؛ ولذا مجرّد الحكم بصحة ما جاء به ليس فيه مشكلة، وإنّما المشكلة هي في الجمع بين الحكم بالصحة وبين استحقاق العقاب؛ لأنّ إن كان ما جاء به صحيحاً وواجباً في حال الجهل؛ فحينئذٍ لا وجه لاستحقاق العقاب، وإن كان ما جاء به ليس صحيحاً؛ فحينئذٍ لا وجه للحكم بالصحة، فكيف يمكن الجمع بينهما ؟ هو يقول لا نجمع بينهما وإنّما نلتزم بصحة ما جاء به وعدم وجوب الإعادة، لكن لا نلتزم باستحقاقه للعقاب، وذكر بأنّ ما نُسب إلى المشهور من الجمع بين هذين الأمرين لا يمكن الالتزام به؛ بل الصحيح أننا ننكر استحقاق العقاب في هذه الموارد. والوجه في ذلك كما ذكر: لو فرضنا أنّ الجاهل بوجوب القصر صلّى قصراً، وفرضنا أنّه تأتّى منه قصد القربة، فهل يُحكم بصحة صلاته، أو لا ؟ إذا حكمنا بصحة صلاته وعدم وجوب الإعادة عليه لو ارتفع جهله بعد ذلك؛ فحينئذٍ لابدّ من الالتزام بأنّ الحكم الواقعي في حالة الجهل بوجوب القصر هو التخيير بين القصر والتمام؛ لأننا فرضنا أنّ المكلف في حالة الجهل بوجوب القصر صلّى قصراً مع تأتّي قصد القربة منه وحكمنا بصحة هذه الصلاة وعدم وجوب الإعادة بعد ارتفاع الجهل وانكشاف الحال، وهذا معناه أنّه جاء بما يجب عليه؛ ولذا حكمنا بصحة هذه الصلاة وعدم وجوب الإعادة، وفي نفس الوقت هو لو صلّى تماماً في هذا الحال أيضاً تصح منه الصلاة.
إذاً: هوفي حالة الجهل بوجوب القصر إذا جاء بالتمام يجزيه التمام عملاً بالروايات الدالة على إجزاء الصلاة التمام وأنّه قد صحّت صلاته، كما أنّه لو جاء بصلاة القصر في حالة الجهل بوجوب القصر أيضاً يجزيه ما جاء به حسب ما فرضنا. إذاً: كلٌ منهما يكون مجزياً في حالة الجهل بوجوب القصر، وهذا معناه أنّ المكلف مخيّر بينهما، فيثبت حينئذٍ التخيير الواقعي، وأنّ المكلف مخيّر واقعاً في حالة الجهل بوجوب القصر بين صلاة القصر وصلاة التمام؛ وحينئذٍ بناءً على هذا لا موجب للعقاب؛ لأنّه قد جاء بصلاة القصر ــــــ بحسب الفرض ــــــ والمفروض أنّ صلاة القصر هي أحد طرفيي التخيير، كما أنّه لو صلّى التمام أيضاً لا موجب للعقاب؛ لأنّه جاء بأحد طرفيي التخيير الواقعي.
نعم، قد يكون هو عندما يأتي بالتمام غير ملتفت إلى هذا التخيير، لكن هذا لا يؤثر بالنتيجة حكمه الواقعي هو التخيير. هذا إذا حكمنا بصحة صلاة القصر مع فرض تأتي قصد القربة منه.
وأمّا إذا حكمنا بفساد الصلاة الصادر منه في حالة الجهل بوجوب القصر، في هذه الحالة لابدّ أن نفترض أنّ الواجب الواقعي هو عبارة عن صلاة التمام على التعيين في حال الجهل، فإذا كان الواجب الواقعي في حال الجهل تعييناً هو صلاة التمام، فلماذا يستحق العقاب على ترك صلاة القصر ؟! مع أنّ الواجب الواقعي عليه في حالة الجهل بوجوب القصر هو عبارة عن صلاة التمام وقد جاء بها، فلا وجه لاستحقاقه العقاب على ترك صلاة القصر، وبالنتيجة لا وجه لاستحقاقه العقاب، لا على تقدير الحكم بصحة صلاة القصر الصادرة منه في حالة الجهل بوجوبها، ولا على تقدير الحكم بفسادها، فيرتفع الإشكال.
ثمّ ذكر أنّ الصحيح هو الأول، وهو الحكم بصحة صلاة القصر الصادرة منه في حالة الجهل بوجوب القصر مع افتراض تأتّي قصد القربة منه، والنتيجة هي أنّه يلتزم بأنّ المكلف في حالة الجهل بوجوب القصر مخيّر ولقعاً بين القصر والتمام، وأيّ منهما جاء به يكون صحيحاً ويُحكم بصحته ولا تجب عليه الإعادة. صحة التمام في حالة الجهل بوجوب القصر تدل عليه الروايات الدالة على أنّه قد صحّت صلاته، وأمّا صحة القصر في حالة الجهل بوجوب القصر، فيمكن التمسك لإثبات صحّتها بإطلاقات الأدلة الدالة على وجوب القصر في السفر؛ لأنّ مقتضى إطلاقات هذه الأدلة هي أنّها تشمل هذا المكلف وتدل على أنّ القصر واجب عليه. غاية الأمر نرفع اليد عن ظهور هذه الأدلة في الوجوب التعييني للقصر ونلتزم بالتخيير بين القصر والتمام للمسافر، لكن في حالة الجهل بوجوب القصر. وظاهره(قدّس سرّه) أنه يلتزم بالتخيير واقعاً بين القصر والتمام في حالة الجهل بوجوب القصر.
ويمكن أن يقال: أنّ الغرض من ذكر هذا المطلب أنّه أيضاً يريد أن يذكر وجهاً ثبوتياً لدفع الإشكال بأن يُلتزم بصحة الصلاة، لكن لا نلتزم بصحة العقاب، فيكون وجهاً من وجوه دفع الإشكال، ولو من دون الالتزام بالصحة واستحقاق العقاب كما كانت الوجوه السابقة تحاول دفع الإشكال مع الالتزام بكلا الأمرين، بينما هو يحاول أن ينكر أحد الأمرين ويعترف بالأمر الثاني.
يُلاحظ على ما ذكره:
الملاحظة الأولى: أنّ لازمه أنّ المسافر الذي يجهل وجوب القصر والذي يقول هو بأنّ حكمه الواقعي هو التخيير بين القصر والتمام، لو فرضنا أنّ هذا المسافر ترك الصلاة رأساً، لو أراد أن يقضي هذه الصلاة، هل يقضيها قصراً، أو هو مخيّر بأن يقضيها تماماً أو قصراً ؟ الفتوى تقول أنّه يقضيها قصراً، وحتى السيد الخوئي (قدّس سرّه) يقول أنّه يقضيها قصراً، بينما هذا الكلام يعني أنّه غير ملزم بأن يقضيها قصراً؛ لأنّ حكمه الواقعي هو التخيير بين القصر والتمام؛ وحينئذٍ يمكنه أن يقضيها قصراً، ويمكنه أن يقضيها تماماً، وهذا مما لا يُلتزم به؛ بل حتى السيد الخوئي (قدّس سرّه) نفسه لا يلتزم بكفاية القضاء تماماً.
يمكن أن يقال: بأنّ هذه الملاحظة ليست تامّة، باعتبار عدم وجود ملازمة بين كون الحكم هو التخيير بين القصر والتمام وبين أنّه إذا فاتته الصلاة لابدّ أن يكون مخيراً في القضاء بين التمام والقصر، وذلك من خلال الموارد التي ذكروها، من قبيل ما لو فاتته الصلاة في أماكن التخيير بين القصر والتمام، لا إشكال في أنّه يجب عليه قضاؤها قصراً لا أنّه يخيّر في قضائها بين القصر والتمام، مع أنّ هناك تخييراً واقعياً بين القصر والتمام، فليكن المقام من هذا القبيل، فلا يشكل نقضاً على السيد الخوئي (قدّس سرّه).
الملاحظة الثانية: أنّ الحكم بصحة صلاة القصر من المسافر الجاهل بوجوب القصر مع فرض تأتّي قصد القربة منه لا يلازم التخيير الواقعي الذي ذكره؛ إذ يمكن أن يُلتزم بصحة صلاة القصر من المسافر الجاهل إذا تأتّى منه قصد القربة، لكن لا يُلتزم بأنّ هناك وجوباً تخييرياً واقعياً بين صلاة القصر وصلاة التمام، وذلك بإنكار أن يكون التمام أحد طرفي التخيير، أصلاً لا يوجد تخيير، هذا المسافر إنما تجب عليه صلاة القصر، وهو غير مخيّر بين صلاة القصر وصلاة التمام، والحكم بصحّة صلاة التمام منه لا يعني أنّ الواجب مردد بين القصر والتمام واقعاً؛ بل يمكن تخريج صحة صلاة التمام لو صدرت منه على أساس أحد الوجوه المتقدّمة كالأمر الترتبّي، أو بما يقوله صاحب الكفاية(قدّس سرّه) من كفاية الملاك والمصلحة، أو بالأمر بالجامع بناءً على الوجه الرابع المتقدّم. المقصود هو أنّ مجرّد أننا نحكم بأنّ صلاة القصر صحيحة في حالة الجهل بوجوب القصر وافتراض تأتّي قصد القربة منه، هذا مع الحكم بصحة التمام لا يعني بالضرورة أنّ المكلف مخيّر واقعاً بينهما، يمكن أن نلتزم بصحة صلاة القصر، باعتبارها هي الواجبة عليه، فإن قلت: كيف تصح منه صلاة التمام ؟ قلنا: يمكن تصحيح صلاة التمام بأحد الوجوه المتقدّمة، نكتفي بالتصحيح على اساس الملاك، لكن ليس معناه أنّها واجبة وتكون طرف للتخيير، وأنّ هناك تخييراً واقعياً بين صلاة القصر وصلاة التمام، وإنّما تصح منه إذا جاء بها باعتبار الملاك، أو باعتبار الأمر الترتبي. لا ينحصر توجيه ذلك بما ذكره من أنّ هناك تخييراً بين صلاة القصر وصلاة التمام بحيث أنّ المكلف الجاهل بوجوب القصر مخير واقعاً بينهما حتى نقول إذا صلّى القصر؛ فحينئذٍ لماذا يعاقب ؟ وإذا صلّى التمام لماذا يُعاقب ؟ لأنّه قد جاء بأحد طرفي التخيير الواقعي، فلم يترك واجباً واقعياً حتى يعاقب على تركه؛ بل يقال في المقام يمكن تخريج ذلك على اساس أحد الوجوه السابقة، فيُلتزم بما التزم به المشهور من أنّ الحكم الواقعي لهذا المكلف هو وجوب صلاة القصر، إن جاء بصلاة التمام في حالة الجهل بوجوب القصر، فهذا يمكن تخريجه على أساس الوجوه السابقة.
فإذا كان مقصوده بيان وجه ثبوتي لحل المشكلة، فحَلّ المشكلة لا ينحصر بذلك، وإنّما يمكن الالتزام بما ذكره المشهور من أنّ الواجب هو صلاة القصر وتصح منه صلاة التمام والروايات تدل على صحة صلاة التمام، وتخريجه الثبوتي هو ما تقدم من الوجوه السابقة، وفي نفس الوقت يُعاقب على تركه الواجب الواقعي؛ لأنّ الواجب الواقعي عليه هو صلاة القصر .
الملاحظة الثالثة: هو ما ذكره والذي يرجع إلى ملاحظة الروايات ومقام الإثبات، ويقول غاية الأمر نرفع اليد عن ظهور أدلة وجوب القصر على المسافر في التعيين، فنقول بالرغم من كون المكلف مسافر، لكن عندما يكون جاهلاً بوجوب القصر ليس هناك تعيين لصلاة القصر، وإنّما هو مخيّر بين صلاة القصر وصلاة التمام. هذا ما ذكره.
يمكن أن يقال: أنّ رفع اليد عن هذا الظهور هي قضية إثباتية وراجعة إلى الدليل، ومن الممكن إذا كنّا نتكلم في مقام الثبوت أن لا نرفع اليد عن هذا الظهور ويبقى على حاله ولا داعي لرفع اليد عنه ما دام يمكن حلّ الإشكال بطريق آخر.
نرجع إلى ما ذكرناه في البحث السابق، وقلنا أنّ الكلام يقع في أنّ وجوب التعلم هل يختص بصورة العلم وما يشبهه بالابتلاء، أو يثبت حتى في صورة احتمال الابتلاء ؟ قد يُستدل على عدم وجوب التعلم والفحص حتى مع احتمال عدم الابتلاء باستصحاب عدم الابتلاء. وذكرنا أنّه أشكل عليه بإشكالين وأجاب عنهما. وقلنا أيضاً أنّ كلامنا هو في صورة الاحتمال، وأنّ العلم بالابتلاء والعلم بعدم الابتلاء خارجان عن محل الكلام، كما أنّه يخرج عن محل الكلام صورة ما إذا كان المكلف يعلم ببقاء شكه إلى آخره، يعني لا يحتمل أن يعلم بابتلائه بتلك الواقعة في المستقبل، وإنّما هو سيبقى شاكاً إلى أن تحدث الواقعة؛ لأنّ مثل هذا المكلف تركه للتعلم لا يوقعه في مخالفة التكليف إطلاقاً؛ بل حتى إذا فرضنا أنّه تعلم حكم صلاة الآيات وكيفيتها ـــــ مثلاً ــــــ يبقى لا يجب عليه أداؤها؛ لأنّ المفروض أنّه شاك في تحقق هذا الموضوع، ومع الشك لا تجب عليه صلاة الآيات حتى لو تعلّم حكمها، هذه الصورة أيضاً ينبغي أن تخرج عن محل الكلام. وإنّما الكلام يقع في ما إذا احتمل أنّه سيعلم بتحقق الموضوع. الكلام هو في أنّه هل يجب عليه أن يتعلّم، أو لا يجب عليه أن يتعلّم ؟ المُدّعى هو عدم وجوب التعلم عليه، لاستصحاب عدم الابتلاء.