37/04/21


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية


انتهينا في الدرس السابق إلى أنّه يمكن فرض كون وجوب التعلم في محل الكلام وجوباً طريقياً؛ لأننا لا نشترط ما ذكره المحقق العراقي(قدّس سرّه) من أنّه يجب أن يكون الأمر الطريقي هو عين الأمر الذي ينجزه، يعني عين الأمر الواقعي، وأن يكون امتثاله هو عين امتثال الأمر الواقعي، لكنّه بالرغم من هذا قد يُستشكل في الالتزام بالوجوب الطريقي للتعلم في محل الكلام، وذلك على ضوء ما تقدّم من أنّ أدلة وجوب التعلم لا يُستفاد منها أنّ وجوب التعلم وجوب نفسي أو وجوب شرطي أو وجوب تهيؤي؛ للنكتة المتقدّمة وحاصلها كان: أنّ سياق أدلة وجوب التعلم هو سياق إرشاد وليس فيها إعمال مولوية وإعمال تعبّد بحيث تكون نتيجة إعمال المولوية والتعبّد هو الوجوب النفسي أو الوجوب التهيؤي أو الوجوب الشرطي، الوجوب النفسي فيه إعمال تعبّد وإعمال مولوية وهكذا الوجوب الشرطي والوجوب التهيؤي فهو وجوب شرعي على غرار سائر الوجوبات الشرعية والأوامر الشرعية فيه إعمال تعبّد وإعمال مولوية وهي أمور لا يدركها الإنسان من دون أن تصل إليه؛ إذ ليس بإمكان عقل الإنسان أن يدرك أنّ هذا واجب نفسي، وأنّ هذا وجوب شرطي وأنّ هذا وجوب تهيؤي، هذه كلّها أمور شرعية مولوية ترتبط بالشارع، والعبد لا مجال إليه لإدراكها لولا أن تصل إليه؛ لأنّها أمور تعبّدية لا مسرح للعقل فيها، وإنّما هي تصل إلى العبد، فإذا وصلت إلى العبد؛ حينئذٍ يؤمن بها، وإلا هو لا يدركها.
قلنا على هذا الأساس أنّ أخبار وجوب التعلم وخصوصاً معتبرة مسعدة بن زياد لا يُستفاد منها كون وجوب التعلم وجوب نفسي، أو تهيؤي أو شرطي؛ لأنّه تقدّم أنّ ظاهر معتبرة مسعدة بن زياد هو أنّ التعلم أمر مركوز في ذهن العبد ومسلّم عنده وواضح لديه بحيث أنّه حينما قيل له(هلّا تعلمت) أُفحم وسكت وكان هذا ملزماً له، بينما لو كان وجوب التعلم وجوباً مولوياً تعبّدياً لا يدركه العبد بعقله، وإنّما يتوقف على وصوله إليه، لكان حاله حال التكاليف الأخرى التي تقدّم في نفس الرواية أنّه أنكر علمه بها، حينما قيل له(هل علمت ؟) أحد الجوابين كان هو نعم، فقيل له(هلاّ عملت ؟) لكن في الجواب الآخر قال: لا، فقيل له(هلاّ تعلمت ؟) فسكت ولم يقل أني لم أعلم بوجوب التعلم مع أنّ وجوب التعلم لو كان وجوباً على حدّ سائر التكاليف الأخرى، يعني وجوب شرعي، مولوي، تعبّدي لا يدركه العبد بعقله، لكان بإمكانه أن يقول(أني لم أعلم بوجوب التعلم) ويعتذر بذلك كما اعتذر قبل ذلك بعدم علمه بسائر التكاليف، هذا معناه أنّه عندما قيل له:(هلاّ تعلمت ؟) كان هذا مُفحماً ومُسكتاً له ولا يستطيع أن يجيب؛ لأنّه بعقله يدرك وجوب التعلم.
إذاً: لابدّ من فرض أنّ وجوب التعلم الذي تدل عليه الرواية هو وجوب مرتكز في ذهن العبد وواضح لديه ومسلّم عنده بقطع النظر عن الشارع وعن الأوامر الشرعية، وهذا لا يناسب حمل الرواية على الوجوب النفسي أو الوجوب التهيؤي، أو الوجوب الشرطي. نفس هذا الكلام يُدّعى في المقام، بأن يقال: أنّ الوجوب الطريقي أيضاً من هذا القبيل، فهو أيضاً فيه إعمال مولوية وفيه تعبّد واعتبار؛ سواء قلنا أنّ مرجع الأمر الطريقي إلى إنشاء الأمر بداعي تنجيز الواقع، أو الأمر بالطريق بداعي إبراز الاهتمام بالواقع على تقدير ثبوته، على كلا التقديرين الأمر الطريقي أمر أعمل الشارع فيه مولويته، اعتبر هذا طريقاً منجزاً للواقع، أبرز من خلال الأمر الطريقي اهتمامه بالواقع على تقدير وجوده، هذا كلّه فيه إعمال مولوية وفيه اعتبار ونوع من التعبّد، عقل العبد لا يدرك ذلك بقطع النظر عن هذه الأوامر، لو لم يصله الأمر بالتعلم إذا كان وجوبه وجوباً طريقياً بداعي تنجيز الواقع، أو بداعي إبراز اهتمام الشارع بالواقع على تقدير وجوده، لو لم يصله هذا هو لا يدرك ذلك.
إذاً: الوجوب الطريقي للتعلّم؛ بل الوجوب الطريقي حتى لغير التعلم، الوجوب الطريقي للأمر بتصديق الثقة، لا إشكال عندهم في أنّ الأمر بتصديق الثقة هو أمر طريقي، العبد لا يدرك وجوب تصديق الثقة بقطع النظر عن الأمر الشرعي، الشارع أعمل مولويته واعتبر خبر الثقة طريقاً موصلاً إلى الواقع ومنجزاً له، فيه نوع من الاعتبار ومن المولوية، وما دام هذا الوجوب الطريقي فيه إعمال مولوية؛ حينئذٍ يرِد نفس الإشكال السابق وهو أنّ استفادته من موثقة مسعدة بن زياد تكون مشكلة، يعني خلاف الظاهر؛ لأنّ الظاهر على ما ذكرنا من الموثقة أنّ وجوب التعلم كان أمراً واضحاً عند العبد ومركوزاً في ذهنه بقطع النظر عن الشرع والشارع، هو أمر مما يدركه الإنسان بعقله، الوجوب الطريقي ليس هكذا، الوجوب الطريقي هو أمر فيه إعمال مولوية وفيه إعمال تعبّد وفيه نوع من الاعتبار، فإذا كان فيه نوع من الاعتبار لا يمكن أن يُستفاد من هذه الموثّقة، كان بإمكان العبد حينما يقال له(هلاّ تعلمت ؟) أن يقول(أنا لم أعلم بوجوب التعلم) وجوب التعلم وجوب تعبّدي مولوي، أنا لا أعلم بذلك، كما هو الحال في سائر التكاليف الشرعية المولوية التعبدية، عندما قال بأني لا أعلم بها، بينما هذا كان ملزماً له. إذاً: لابدّ من فرض أنّ وجوب التعلم أمر مركوز في ذهن العبد بقطع النظر عن الشارع والأوامر الشرعية، وأمر واضح لديه، وحينما قيل له(هلاّ تعلمت ؟) أُفحم وسكت، وهذا لا يناسب الوجوب الطريقي، وإنّما يناسب الوجوب الإرشادي؛ لأنّه نفترض في الوجوب الإرشادي أنّه إرشاد إلى ما يحكم به العقل من عدم جواز إجراء البراءة قبل الفحص، أو فلنعبّر بتعبير، ولو فيه شيء من المسامحة، إرشاد إلى حكم العقل وجوب الفحص في الشبهات الحكمية الذي مرجعه إلى عدم جواز إجراء البراءة قبل الفحص في الشبهات الحكمية، العقل يدرك هذا، لما تقدّم مراراً، إمّا للعلم الإجمالي، فأنّ وجود علم إجمالي يمنع من إجراء البراءة قبل الفحص بحكم العقل، وإمّا لكون احتمال التكليف في الشبهات الحكمية قبل الفحص يكون بنظر العقل منجزاً بلا حاجة إلى علم إجمالي، ومانعاً من إجراء البراءة قبل الفحص، وأخبار التعلم ترشد إلى هذا الشيء الذي يدركه العقل، وهذا ينسجم مع ظاهر هذه الأخبار، أي أن يُلتزم بالوجوب الإرشادي.
ومن هنا يظهر أنّ الوجوب الطريقي لا محذور فيه وإنّما الالتزام به فيه هذه المشكلة من جهة الإثبات، بمعنى أنّ حمل أخبار التعلّم وخصوصاً موثقة مسعدة بن زياد، على الوجوب الطريقي فيه نوع من المخالفة لظاهرها، فإذا فرضنا تجاوز هذه المشكلة الإثباتية؛ فحينئذٍ نلتزم بالوجوب الطريقي، أمّا إذا لم نتجاوز هذه المشكلة ولم نستطع أن نفهم الوجوب الطريقي من هذه الأخبار؛ حينئذٍ يتعيّن الالتزام بالوجوب الإرشادي، فتكون أخبار التعلم مجرّد إرشاد إلى ما يحكم به العقل.
وهنا أمر ننبّه عليه، وهو أنّه على كلا التقديرين، سواء كان الوجوب إرشادي، أو كان الوجوب طريقي، على كل حال العقاب ليس على ترك التعلم، بمعنى أنّ المكلف إذا ترك التعلم وخالف الواقع يكون العقاب على مخالفة الواقع، باعتبار أنّ الوجوب إن كان طريقياً، فهو ينجز الواقع، فإذا خالف الواقع يستحق العقاب على مخالفة الواقع لا على مخالفة وجوب التعلم، وإن كان الوجوب إرشادياً أيضاً هو إرشاد إلى حكم العقل، فيكون الواقع منجزاً بحكم العقل في مرحلة سابقة عن أخبار التعلم؛ لأنّ أخبار التعلم هي ترشد فقط إلى ما يحكم به العقل من عدم جواز إجراء البراءة قبل الفحص، فالتنجيز ثابت بحكم العقل بقطع النظر عن أخبار التعلم، فإذا خالف الواقع المنجز يستحق العقاب على مخالفة الواقع المنجّز لا على ترك التعلم. فإذاً: على كل تقدير إذا ترك التعلم وخالف الواقع يستحق العقاب على مخالفة الواقع فقط.
بعد ذلك يقع الكلام في مطلب تعرّضوا له وحاصله: بعد الفراغ عن أنّ المكلّف يستحق العقاب على مخالفة الواقع إذا ترك التعلم وخالف الواقع. الكلام يقع في أنّه هل أنّ استحقاق العقاب على مخالفة الواقع ثابت فقط في صورة وفرض وجود إمارة لو فحص عنها لعثر عليها ووصل إلى الواقع، أو أنّ العقاب على مخالفة الواقع ثابت مطلقاً ؟ سواء كانت هناك إمارة لو فحص عنها لعثر عليها ووصل إلى الواقع، أو لم تكن هناك إمارة موجودة لو فحص عنها لعثر عليها ووصل إلى الواقع.
الثمرة بين القولين تظهر فيما لو ترك التعلم وخالف الواقع وفرضنا أنّ الواقع لم تكن عليه إمارة أو طريق موصل إليه بحيث لو فحص لعثر عليه ووصل إلى الواقع، الواقع موجود لكن ليس هناك طريق موصل إلى هذا الواقع، المكلف ترك التعلم وخالف الواقع الذي ليس عليه طريق موصل إليه، هنا تظهر الثمرة بين القولين، على الرأي الأول لا يستحق العقاب على مخالفة الواقع؛ لأنّ الرأي الأول يقول إنما يستحق العقاب على مخالفة الواقع في حالة إمكان الوصول إلى الواقع، أي في حالة وجود طريق موصل إلى الواقع، أمّا إذا فرضنا عدم وجود طريق موصل إلى الواقع، فلا تكون مخالفته موجبة لاستحقاق العقاب، بينما على الرأي الثاني يستحق العقاب؛ لأنّ الرأي الثاني يقول أنّ مخالفة الواقع توجب استحقاق العقاب مطلقاً، سواء كانت هناك إمارة موصلة إلى الواقع لو فحص عنها لعثر عليها ووصل إلى الواقع، أو لم يكن هناك طريق أصلاً. وبعبارة أخرى: أنّ مخالفة الواقع توجب استحقاق العقاب، سواء أمكن الوصول إليه، أو لم يمكن الوصول إليه.
هذا البحث طُرح في كلماتهم، هذا البحث معناه أنّه في حالة ما إذا فرضنا أنّ الواقع كان يمكن الوصول إليه، بأن كان هناك طريق موصل إلى الواقع لو فحص عنه لعثر عليه، في هذه الحالة لا إشكال عندهم ولا خلاف في أنّه إذا خالف الواقع فأنّه يستحق العقاب على مخالفة الواقع، وإنّما يختلفون في الصورة الثانية وهي صورة ما إذا لم يكن على الواقع طريق موصل إليه. أو كان المكلف لا يمكنه الوصول إلى الواقع، مخالفة مثل هذا الواقع الذي لا يمكن الوصول إليه، والذي ليس عليه طريق موصل إليه في الواقع، هل أيضاً توجب استحقاق العقاب، أو لا ؟
ينبغي الالتفات هنا إلى أننا لا نبحث عن استحقاق العقاب إلاّ عن مخالفة الواقع ولا نبحث عن استحقاق العقاب من جهة التجري، هذا بحث آخر، هذا البحث مطروح للبحث عن استحقاق العقاب على مخالفة الواقع في حالة عدم إمكان الوصول إلى الواقع وعدم وجود طريق موصل إلى الواقع، في هذه الحالة هل يستحق المكلّف العقاب على مخالفة الواقع بالرغم من عدم إمكان الوصول إليه، أو لا ؟ هذا هو محل البحث .
المحقق النائيني(قدّس سرّه) يرى استحقاق العقاب على مخالفة الواقع مطلقاً، يعني سواء كان الواقع مما يمكن الوصول إليه، أو كان مما لا يمكن الوصول إليه. أو بعبارة أخرى: سواء كان الواقع عليه طريق موصل إليه، أو لم يكن عليه طريق موصل إليه، على كلا التقديرين هو يستحق العقاب على مخالفة الواقع.
يمكن تقريب رأي المحقق النائيني(قدّس سرّه) بأنّه يرى أنّ مخالفة الواقع هي دائماً توجب استحقاق العقاب، إلاّ في حالة واحدة وهي فيما إذا كان هناك مؤمّن؛ فأنّ مخالفة الواقع حينئذٍ لا توجب استحقاق العقاب، أمّا إذا لم يكن هناك مؤمّن لا عقلي ولا شرعي؛ فمخالفة الواقع حينئذٍ توجب استحقاق العقاب، وما نحن فيه من هذا القبيل، باعتبار أنّه في محل الكلام لا يوجد مؤمّن شرعي ولا مؤمّن عقلي؛ لاختصاص أدلة البراءة الشرعية واختصاص قاعدة قبح العقاب بلا بيان بما بعد الفحص، فكل منهما لا يجري قبل الفحص، إذاً: قبل الفحص إذا ترك التعلم وخالف الواقع، فهي مخالفة للواقع لا يوجد عليها مؤمّن لا شرعي ولا عقلي؛ فحينئذٍ تكون موجبة لاستحقاق العقاب من دون فرقٍ بين أن يكون الواقع عليه طريق في الواقع موصل إليه، أو ليس عليه طريق كذلك.
هذا التقريب لرأي المحقق النائيني(قدّس سرّه) مذكور في تقريرات السيد الخوئي(قدّس سرّه)[1] يمكن بيانه بتقريب آخر ينتهي إلى هذا التقريب، وهو : أنّه يظهر من المحقق النائيني(قدّس سرّه) في التقريرات أنّه يقول بأنّ المسألة ترتبط بالدليل الدال على وجوب الفحص ووجوب التعلم، إذا كان الدليل الذي نستدل به على وجوب الفحص والتعلّم هو العلم الإجمالي، فالصحيح في محل الكلام هو القول الأول، بمعنى أنّ المكلف يستحق العقاب على مخالفة الواقع مطلقاً، باعتبار أنّ الواقع تنجز على المكلف بالعلم الإجمالي، فيستحق العقاب على مخالفته، حتى لو فرضنا أنّ المكلف لا يمكنه الوصول إليه لعدم وجود طريق موصل إلى الواقع، لكن بالنتيجة هو خالف الواقع المنجز عليه بالعلم الإجمالي، وهذا يكون موجباً لاستحقاق العقاب، فلابدّ أن نلتزم باستحقاق العقاب على مخالفة الواقع مطلقاً.
وأمّا إذا كان الوجه في وجوب التعلم والفحص ليس هو العلم الإجمالي، وإنّما هو عبارة عن الأخبار الشرعية الدالة على وجوب التعلم ووجوب الفحص، كأخبار وجوب التعلم وأخبار وجوب التوقف التي استدل بها السيد الخوئي(قدّس سرّه) على وجوب التعلم والفحص كما تقدّم سابقاً، بالنتيجة الوجوب شرعي مستفاد من أدلةٍ شرعية، يقول: إذا كان الدليل الدال على وجوب التعلم هي أخبار وجوب التعلم، والدليل الشرعي الدال على وجوب الفحص والتعلم، فالحق هو القول الثاني، بمعنى أنّ استحقاق العقاب على مخالفة الواقع يختص بصورة وجود طريق في الواقع موصل إلى الواقع لو فحص عنه المكلف لعثر عليه ولوصل إلى الواقع، في هذه الحالة فقط هو يستحق العقاب على مخالفة الواقع. وأمّا في حالة عدم وجود مثل هذا الطريق الموصل إلى الواقع؛ فحينئذٍ لا يمكن إثبات استحقاق العقاب على مخالفة الواقع؛ لأنّ المفروض أننا نثبت وجوب الفحص استناداً إلى هذه الأخبار، في حالة عدم إمكان التعلّم وفي حالة عدم إمكان الفحص؛ لأنّه ـــــــ بحسب الفرض ــــــ لا يوجد طريق أصلاً في الواقع موصل إلى الواقع، فإذاً هو لا يمكنه الفحص والتعلّم، في حالة عدم إمكان الفحص والتعلم لا يكون هذا الفرض مشمولاً لأدلة وجوب التعلم ووجوب الفحص؛ بل يكون خارجاً عنها، أدلة وجوب التعلم ووجوب الفحص توجب التعلم في حالة التمكن منه، في حالة وجود شيء لو فحص عنه لعثر عليه، أمّا في حالة عدم وجود هذا الشيء وعدم إمكان التعلم والفحص، هذا لا يكون مشمولاً لهذه الأدلة، وبالتالي لا يمكننا أن نستفيد من هذه الأدلة وجوب الفحص في هذه الحالة حتى نقول أنّه لو خالف الواقع يكون معاقباً على ترك الواقع. ذكر هذا التفصيل.
هذا التفصيل الذي ذكره اختاره أيضاً السيد الخوئي(قدّس سرّه) بعد أن كان هو يقول: في الدورة السابقة كنّا نلتزم بعدم استحقاق العقاب على مخالفة الواقع في هذه الصورة التي نتكلّم عنها، خلافاً للمحقق النائيني(قدّس سرّه)، يعني كان يلتزم بأنّ مخالفة الواقع لا توجب استحقاق العقاب مطلقاً، وإنّما توجبه في حالة وجود طريق موصل إلى الواقع، أمّا إذا لم يكن هناك طريق موصل إلى الواقع، فلا استحقاق للعقاب، هذا كان الرأي الأول للسيد الخوئي(قدّس سرّه)؛ ويعلله بجريان البراءة العقلية في المقام؛ لأنّ المقصود بالبيان في البراءة العقلية هو البيان في معرض الوصول، وعدم البيان الذي هو موضوع القاعدة متحقق في فرض المسألة؛ لأنّ المفروض عدم وجود طريق موصل إلى الواقع أصلاً، فلا يوجد بيان في معرض الوصول، فيتم موضوع القاعدة؛ وحينئذٍ تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان ويكون هذا هو المؤمّن من ناحية الواقع، فلا يستحق العقاب على مخالفة الواقع في هذا الفرض. ثمّ أختار(قدّس سرّه) ما اختار المحقق النائيني(قدّس سرّه) من هذا التفصيل الذي نقلناه عنه.[2]