37/04/02


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية

الكلام يقع في جواز إجراء البراءة العقلية في الشبهات الموضوعية قبل الفحص، لكن قلنا بأنّ هذا يتوقف على الفراغ عن تسليم أصل القاعدة في مقابل انكارها، ويتوقف على الفراغ عن جريان القاعدة بعد تسليمها في الشبهات الموضوعية، فإذا سلمنا هذين الأمرين؛ حينئذٍ نقول أنّ هذه البراءة العقلية التي فرغنا عن ثبوتها وعن جريانها في الشبهات الموضوعية، هل يشترط جريانها في الشبهات الموضوعية بالفحص أو لا يشترط ؟
المعروف بين القائلين بالبراءة العقلية عدم اشتراط جريانها بالفحص في الشبهة الموضوعية، تماماً عكس الشبهة الحكمية، فهم فرقوا بين الشبهتين بلحاظ البراءة العقلية، ففي الشبهة الحكمية اشترطوا الفحص في جريانها، وفي الشبهة الموضوعية لم يشترطوا ذلك وجوّزوا جريانها قبل الفحص، ومن هنا يقع هذا التساؤل: ما هو الفرق بين الشبهتين مع كون البراءة واحدة ؟ فلماذا يشترط جريانها في الشبهة الحكمية بالفحص ولا يشترط ذلك في الشبهة الموضوعية ؟
ما يُستدل به على وجوب الفحص في الشبهة الحكمية بلحاظ البراءة العقلية سنذكره لنرى أنّه هل يجري في الشبهة الموضوعية أو لا ؟
وبعبارة أخرى: ما هو الذي استندوا إليه في إثبات وجوب الفحص في الشبهة الحكمية ؟ نذكر هذا الدليل لنرى أنّ هذا هل يجري في الشبهة الموضوعية، أو لا ؟ الدليل الذي ذكروه وتقدّم ذكره حاصله: أنّ المراد بالبيان الذي أُخذ عدمه في موضوع القاعدة هو البيان الأعم من البيان الواصل أو البيان الذي هو في معرض الوصول، أو نقول أنّ البيان في القاعدة يُراد به البيان في معرض الوصول لا البيان الواصل، والسر في هذا قالوا: أنّ ديدن الشارع وطريقته في بيان أحكامه وتبليغها أن يجعل أحكامه في معرض الوصول وليس بناءه على إيصال الأحكام إلى كل مكلّف مكلف، وإنما طريقته في بيان أحكامه هي أن يجعلها في معرض الوصول، ولو جعل هذه الأحكام عند جماعة مخصوصين، ثمّ عن طريق النقل والرواية تصل إلى المكلفين. إذا فرضنا أنّ طريقة الشارع هي هذه؛ حينئذٍ يقال: لا تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان قبل الفحص؛ لأنّ المكلف قبل الفحص لا يحرز موضوع هذه القاعدة؛ لأنّ موضوعها هو عدم البيان الذي هو في معرض الوصول، وإنما يحرز المكلّف أنّ البيان في معرض الوصول إذا فحص، أمّا قبل الفحص فهو لا يحرز عدم وجود بيان في معرض الوصول، القاعدة لا تجري في الشبهة الحكمية قبل الفحص لعدم إحراز موضوعها. نعم، لو كان المراد من البيان في القاعدة هو البيان الواصل ؛ حينئذٍ يحرز المكلّف قبل الفحص موضوع القاعدة؛ لأنّه قبل الفحص يستطيع أن يقول لا يوجد بيان واصل ولم يصلني بيان؛ ولذا فُرض أنّه جاهل، لأنّه لم يتم عنده البيان، فهو يحرز قبل الفحص موضوع القاعدة وهو عدم البيان الواصل، فيمكن أن يقال بجريان القاعدة قبل الفحص إذا كان المراد من البيان في القاعدة هو البيان الواصل، لكن الصحيح أنّ المراد من البيان في القاعدة ليس هو البيان الواصل، وإنّما هو البيان الذي يكون في معرض الوصول؛ وحينئذٍ لا تجري القاعدة قبل الفحص لعدم إحراز موضوعها، فلا تجري القاعدة قبل الفحص. إذن: لا يجوز إجراء البراءة العقلية قبل الفحص في الشبهات الحكمية. هذا هو الدليل الذي يُذكر لإثبات وجوب الفحص في الشبهة الحكمية. وهذا الدليل لا يجري في الشبهة الموضوعية لسبب بسيط وهو أنّ المفروض في الشبهة الموضوعية وصول الحكم إلى المكلف وأنّ البيان تمّ على الحكم الشرعي؛ وحينئذٍ لا يتأتى هذا الطرز من الاستدلال لإثبات وجوب الفحص في الشبهة الموضوعية، يعني لا معنى له؛ لأنه عندما نفترض أن المكلف عالم بالحكم الشرعي لا معنى لأن نقول إذا كان المراد بالبيان البيان الواصل، فتجري القاعدة لأنّه يُحرز موضوعه الذي هو عدم وصول البيان، وإذا كان المراد من البيان هو البيان في معرض الوصول؛ حينئذٍ لا تجري القاعدة لعدم إحراز موضوعها، سواء قلنا أنّ المراد من البيان هو البيان في معرض الوصول، أو قلنا أنّه البيان الواصل، سواء كانت طريقة الشارع هي أن يجعل أحكامه في معرض الوصول أو كانت طريقته أن يوصل أحكامه إلى كل مكلف مكلف، بالنتيجة هذا المكلف وصله الحكم الشرعي وتم عنده البيان على الحكم الشرعي ومشكلته في الموضوع وليست في الحكم الشرعي، فلا معنى للاستدلال على وجوب الفحص في محل كلامنا بهذا البيان، هذا البيان يختص بالشبهة الحكمية؛ لأنّ المفروض في الشبهة الحكمية الجهل بالحكم الشرعي، فنسأل ما هي طريقة الشارع في إيصال أحكامه إلى المكلفين وعلى ضوء الطريقة نحدد ما هو المراد من البيان في القاعدة، هل يراد به البيان الواصل ؟ أو يراد به البيان في معرض الوصول ؟ لكن هذا كله عندما يكون المكلف جاهلاً بالحكم الشرعي، أما عندما يكون عالماً بالحكم الشرعي، يعني وصله الحكم الشرعي؛ حينئذٍ لا معنى لكل هذا الكلام وليس له موضوع في الشبهة الموضوعية.
ومن هنا يُستدل على وجوب الفحص في الشبهة الموضوعية بما أشرنا إليه في الدرس السابق، وكأنه وجه مستقل غير ما استدل به على وجوب الفحص في الشبهة الحكمية، وجه آخر يختص بالشبهة الموضوعية يُستدل به على وجوب الفحص في الشبهة الموضوعية، وهو الذي نقلناه في الدرس السابق وقلنا أنّ الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) أشار إليه في الرسائل، وحاصله: أنّ المفروض في الشبهة الموضوعية هو العلم بالحكم الشرعي الكلي، يعلم أنّ الخمر حرام، فيقال أنّ علم المكلف بالحكم الشرعي ينجز عليه الحكم الشرعي، فتدخل الحرمة في عهدته وتشتغل بها ذمته؛ حينئذٍ يجب عليه تفريغ الذمة مما اشتغلت به يقيناً، وهذا يتوقف على ترك كل ما يُحتمل كونه خمراً؛ لأنه إذا اقتصر في مقام الامتثال على ترك ما يعلم كونه خمراً وارتكب ما يحتمل كونه خمراً، فأنه لم يفرّغ ذمته يقيناً مما اشتغلت به، تفريغ الذمة يقيناً مما اشتغلت به يتوقف على ترك ما يحتمل كونه من أفراد الحرام، فإذن: إذا شك في أن هذا خمر أو لا، فهذه هي الشبهة الموضوعية التي نتكلم عنها، وهذا الوجه يقول يجب عليه أن يتركه من باب المقدمة العلمية كما ذكر الشيخ، يعني لا يجوز له إجراء البراءة إلى أن يفحص ويتبين أنه ليس من أفراد الحرام؛ حينئذٍ يجوز له ارتكابه، أما قبل ذلك فلا يجوز، بحكم العقل يجب عليه ترك كل ما يحتمل كونه من أفراد الحرام، فلا مجال لإجراء البراءة قبل الفحص، وبهذا نصل إلى نفس النتيجة الثابتة في الشبهة الحكمية، في كلٍ منهما لا تجري البراءة العقلية قبل الفحص؛ بل يجب على المكلف الفحص. هذا هو ما يستدل به على وجوب الفحص في الشبهة الموضوعية.
وتقدم في الدرس السابق جواب هذا الوجه: أنّ الذي يتنجز على المكلف ويدخل في عهدته وتشتغل به ذمته ويجب عليه تفريغ الذمة يقيناً منه هو الحكم الفعلي المنجز وليس هو الحكم الكلي الذي عبّرنا عنه بالجعل، العلم بالجعل لا ينجز شيئاً على المكلف، وإنّما العلم بالحكم الفعلي هو الذي يكون منجّزاً ويكون موجباً لاستحقاق العقاب على المخالفة، الحكم إنما يصير منجزاً على المكلف إذا كان عالماً بالكبرى والصغرى، أي إذا كان عالماً بالجعل والموضوع يتنجز هذا الحكم عليه ويصبح فعلياً، هذا الحكم الفعلي هو الذي يدخل في عهدة المكلف وتشتغل به ذمته، فإذا علم بالحكم الكلي(أنّ الخمر حرام في الشريعة) وعلم بأنّ هذا خمر يصبح الحكم فعلياً ومنجزاً على المكلف نتيجة هذين العلمين؛ حينئذٍ يجب عليه تفريغ ذمته يقيناً مما اشتغلت به، وهذا غير متحقق في محل الكلام، يعني في الشبهة الموضوعية، إذ في الشبهة الموضوعية هو وإن كان عالماً بالحكم الكلي، لكن المفروض أنّه ليس عالماً بالموضوع، وإنما هو شاك بالموضوع ولا يعلم أنّ هذا خمر أو خل ؟ فلا يستطيع أن يقول تنجزت عليّ حرمة هذا، هذه الحرمة ليست منجزة عليه بمجرّد علمه بأنّ الخمر حرام، وبهذا يتضح الجواب عن هذا الوجه. فالحكم الكلي لا يتنجز على المكلف بمجرد علمه به، يعلم المكلف بأنّ الحج واجب على المستطيع وكلّنا نعلم بذلك، لكن هذا لا ينجز شيئاً على المكلف، إلاّ إذا قرن بهذا العلم العلم بتحقق الاستطاعة؛ حينئذٍ يصبح هذا الوجوب فعلياً، أمّا مجرّد العلم بالجعل الذي هو الموجود في الشبهة الموضوعية حسب الفرض، فهذا لا يُدخل شيئاً في عهدة المكلف ولا ينجز شيئاً على المكلف حتى نقول هذا التكليف تنجز على المكلف، فيجب عليه الخروج من عهدته يقيناً وهذا لا يكون إلاّ بترك ما يحتمل كونه من أفراده، فإذن: يجب التوقف والاحتياط في الشبهات الموضوعية ولا يجوز إجراء البراءة. هذا الكلام ليس صحيحاً.
وبناءً على هذا؛ حينئذٍ يقال: لا يوجد ما يمنع من إجراء البراءة في الشبهات الموضوعية لتحقق موضوعها وهو أنّ المكلّف لم يتم عنده البيان على حكم منجز، قاعدة قبح العقاب بلا بيان تقول: يقبح العقاب عندما لا يتم البيان على حكم فعلي منجز، وهذا المكلف في الشبهة الموضوعية لم يتم عنده البيان على حكم فعلي منجز وإن كان عالماً بالجعل؛ لأنّ المفروض أنّه يجهل الموضوع ويشك في أنّ هذا خمر أو خل، فالبراءة تجري في الشبهة الموضوعية قبل الفحص لتمامية موضوعها؛ لأنّ موضوعها هو عدم البيان على الحكم الفعلي المنجز وهذا المكلف لم يتم عنده البيان.
لا يقال: أنّ نفس هذا الكلام يمكن قوله في الشبهة الحكمية، غاية الأمر تبديل الجهل بالموضوع في محل كلامنا بالجهل بالحكم الكلي، وبالنتيجة في كل منهما يكون موضوع القاعدة متحقق، في الشبهة الموضوعية قلنا أنّ المكلّف الجاهل بالموضوع لم يتم عنده البيان على الحكم الفعلي، لجهله بالموضوع وعدم علمه بالصغرى، فيتحقق موضوع القاعدة، فتجري البراءة قبل الفحص في الشبهة الموضوعية، ننقل نفس هذا الكلام إلى الشبهة الحكمية، فنقول أنّ الجاهل بالحكم الشرعي حتى لو كان عالماً بالموضوع ويعلم أنّ هذا خمر، لكن لا يعلم أنه حرام، هذا أيضاً لم يتم عنده البيان على الحكم الفعلي؛ لأنّ الحكم الفعلي كما ذكرنا يتوقف على العلم بالجعل والعلم بالموضوع، في الشبهة الموضوعية هو جاهل بالموضوع وفي الشبهة الحكمية هو جاهل بالحكم الكلي، بالنتيجة هو لم يتم عنده البيان على الحكم الفعلي، فأيضاً يتحقق موضوع القاعدة، فينبغي أن تجري البراءة قبل الفحص حتى في الشبهات الحكمية لتحقق موضوعها ونفس العلة التي ذكرت في الشبهة الموضوعية ينبغي ان تُذكر هنا
فأنّه يقال في جوابه: هناك قالوا أنه في الشبهة الحكمية حيث أن الجهل متعلق بالتكليف والحكم الشرعي الكلي، هناك يأتي الدليل الذي ذكروه على مسألة وجوب الفحص وهو أنّ هذا الحكم الشرعي الذي يجهله المكلف؛ بل جميع الأحكام الشرعية ما هي طريقة الشارع في بيانها؛ حينئذٍ يأتي هذا الكلام الذي قلنا أنّه لا معنى له في الشبهة الموضوعية؛ لأنّ المكلّف يجهل بالحكم الشرعي ويكون معذوراً لو أجرى البراءة وخالف هذا الحكم الشرعي، العقل يقول لابدّ من معرفة طريقة الشارع في بيان الحكم الشرعي ما هي ؟ وعلى ضوئها نحدد أنّ البيان في القاعدة ماذا يُراد به، فإن كانت طريقة الشارع في بيان أحكامه هي إيصال الأحكام إلى كل مكلف مكلف؛ حينئذٍ المكلّف قبل الفحص يقول لم يصلني الحكم الشرعي؛ حينئذٍ يكون المراد من البيان في القاعدة هو البيان الواصل؛ فحينئذٍ تجري القاعدة في حقّه. أمّا إذا قلنا أنّ طريقة الشارع في بيان أحكامه هي جعل الحكم في معرض الوصول وليس من شأن الشارع أن يوصل الحكم إلى كل مكلف، العقل هنا يتدخل ويقول أنّ هذا المكلّف الذي يترك الفحص مع كون طريقة الشارع هي هذه لا يكون معذوراً، وإنّما يجب عليه الفحص؛ لأنّ طريقة الشارع ـــــــ بحسب الفرض ــــــ هي جعل الحكم في معرض الوصول، فيكون البيان في القاعدة هو أنّ العقل يقول للمكلف إذا أحرزت عدم وجود بيان في معرض الوصول فأنت معذور يقبح عقابك، أمّا إذا لم تحرز أنّ هذا لا وجود له في معرض الوصول؛ حينئذ تستحق العقاب ويصح عقابك، فإذن: العقل إنما يقول بقبح العقاب عند عدم وجود البيان في معرض الوصول، والمكلف قبل الفحص لا يحرز عدم وجود بيان على الحكم الشرعي في معرض الوصول، وإنّما يحرزه بالفحص، أمّا قبل الفحص فهو لا يحرز عدم وجود البيان حتى نقول أنّ موضوع القاعدة متحقق وتجري في حقه البراءة العقلية قبل الفحص. هذا هو الفرق بين الشبهة الموضوعية والشبهة الحكمية. ومن هنا يظهر أنّ البراءة تجري في الشبهة الموضوعية قبل الفحص، حتى أنّ الشيخ(قدّس سرّه) ادّعى الإجماع، ولو في بعض الموارد على جريان البراءة في الشبهة الموضوعية قبل الفحص، فالقضية مسلّمة وبلحاظ الأدلة أيضاً مسلّمة، وإذا كان هناك نقاش فهو في الشبهة الحكمية، هناك يوجد كلام في وجوب الفحص في الشبهة الحكمية وعدم جريان البراءة العقلية قبل الفحص، المحقق العراقي(قدّس سرّه) لديه مناقشة ويقول أنّ البراءة العقلية تجري في الشبهة الحكمية قبل الفحص. والظاهر أنّ جريان البراءة العقلية في الشبهة الموضوعية مسلّم من قِبل الجميع.
نعم، بعد أن فرغنا عن عدم وجوب الفحص تبقى هنا مسألة وهي أنّه هل البراءة تجري في الشبهة الموضوعية قبل الفحص في كل الأحوال ؟ المحقق النائيني(قدّس سرّه) عنده كلام معروف حيث ذكر أنّ الفحص في الشبهة الموضوعية يكون واجب في حالتين:[1]
الحالة الأولى: ما إذا توقّف امتثال التكليف غالباً على الفحص، حيث في بعض الأحيان يتوقف امتثال التكليف على الفحص بحيث إذا لم يفحص لا يكون هناك امتثال للتكليف، كما إذا كان موضوع التكليف من الموضوعات التي لا يحصل العلم بها إلاّ بالفحص عنه، فإذا لم يفحص عن الموضوع لا يعلم به، وعدم العلم به يؤدي إلى عدم امتثال التكليف، ويُمثّل لذلك بالاستطاعة في الحج والنصاب في الزكاة، يقول عادة العلم بالاستطاعة في باب الحج والعلم بالنصاب في باب الزكاة لا يكون إلاّ بالفحص، فإذا كان العلم بالموضوع يتوقف على الفحص؛ فحينئذٍ ترك الفحص يؤدي إلى عدم العلم بالموضوع، وبالتالي يؤدي إلى عدم امتثال التكليف، هو عنونه بهذا العنوان(ما إذا توقف امتثال التكليف على الفحص في الشبهة الموضوعية كما إذا كان موضوع التكليف لا يُعلم به إلاّ بالفحص، في هذه الحالة يجب على المكلف الفحص) واستدل على هذا بدليل وهو أنّ ترك الفحص يلزم منه مخالفة التكليف كثيراً؛ لأنّ المفروض العلم بالاستطاعة غالباً يتوقف على الفحص، فإذا ترك المكلف الفحص سوف لا يعلم بالاستطاعة، وهذا يؤدي إلى عدم امتثال التكليف غالباً. هو يقول: هذا في الحقيقة يوجب أن تكون هناك ملازمة عرفية بين تشريع حكم من هذا القبيل مرتب على موضوع ولا يحصل العلم بموضوعه إلاّ بعد الفحص غالباً، وإلاّ يلزم لغوية تشريع هذا الحكم، فأنّ الشارع شرّع هذا الحكم حتى يُمتثل، بينما عدم إيجاب الفحص والحال هذه يؤدي إلى لغوية تشريع هذا الحكم، فتكون هناك ملازمة بين تشريع حكم من هذا القبيل وبين إيجاب الفحص، فالتزم بوجوب الفحص في مثل هذه الحالة اعتماداً على هذا الدليل.
الحالة الثانية: ما إذا كانت مقدمات العلم بالموضوع حاصلة بحيث لا يحتاج العلم بالموضوع من المكلف إلاّ أن ينظر، ويمثّل لذلك بما إذا توقف العلم بطلوع الفجر على مجرّد النظر، أو الشمس أو أي شيءٍ من هذا القبيل، مقدمات العلم بالموضوع حاصلة، الأفق واضح وليس هناك غيم، ولا يتوقف العلم بالموضوع على فحص وسؤال وذهاب وإياب، وإنّما يتوقف فقط على أن يفتح المكلف عينه ليرى الفجر، في هذه الحالة لا يجوز للمكلف إجراء البراءة بدعوى أنّه غير عالم بطلوع الفجر؛ بل يجب عليه الاحتياط والفحص. واستدل على هذه الحالة بأنّ الفحص لا يصدق على مجرد فتح العين، عرفاً لا يقال له فحص حتى نتكلم بأنّ الفحص ليس واجباً، هذا ليس فحصاً أصلاً، وإنّما الفحص العرفي هو الذي يكون بتمهيد مقدمات وعنايات وسؤال....الخ، هذا هو الفحص الذي نقول أنّه لا يجب في الشبهة الموضوعية، أمّا هذا فليس هو فحص لا يجب، فالدليل دلّ على أنّ الفحص لا يجب، وهو ما قلنا أنّه الذي يكون بتمهيد مقدّمات وعنايات....الخ.