37/05/11


تحمیل

الموضوع:- تقسيمات الواجب - مقدمة الواجب.

قبول مراحل الحكم للتقييد:-

ولزيادة التوضيح نقول:- إن الحكم يشتمل على مرحلتين أو ثلاث مراحل ، الأولى مرحلة الملاك أو بتعبير آخر المصلحة والمفسدة ، والثانية مرحلة الارادة ، والثالثة مرحلة الاعتبار ، وذكرنا فيما سبق أنّ هذا التقسيم يتم على غير رأي الشيخ العراقي(قده) وأما هو فيرى أن الحكم إرادة ، يعني هناك مصلحة ثم إرادة والارادة هي الحكم وأما اعتبار فليس بموجود ، وفرّع ما تقدم ولا نكرر.

إذن على غير رأي الشيخ النائيني(قده) توجد عندنا مرحلة ثالثة وهي الاعتبار ، أما على رأي الشيخ النائيني(قده) توجد عندنا مرحلتان ولا يوجد اعتبار.

وإذا عرفنا هذا نقول:- لكي يكون اشتراط الحكم وجيهاً ومقبولاً وممكناً لابد وان نفترض أن كلّ واحد من هذه المراحل الثلاث هي قابلة للاشتراط ، فالمصلحة يمكن أن تكون مشروطة ، والارادة يمكن أن تكون مشروطة ، والاعتبار يمكن أن يكون مشروطاً ، فإذا قبلت هذه الثلاثة الاشتراط فالحكم المشروط يصير ممكناً لأنه يمرّ بهذه المراحل وكلّها قابل للاشتراط ، فلأجل إثبات إمكان الحكم المشروط - في مقابل الشيخ الأنصاري - لابد وأن نثبت أن الحكم يمكن أن يكون مشروطاً في مرحلته الأولى - أي المصلحة - وفي مرحلة الثاني - أي الارادة - وفي مرحله الثالثة - أي الاعتبار - ، فإذا قبل الاشتراط في هذه المراحل فإذن الحكم المشروط يكون شيئاً وجيهاً خلافاً للشيخ الأعظم(قده).

والآن نقول:-

أما المرحلة الاولى - يعني المصلحة -:- فهل يمكن أن تكون مشروطة ؟

والجواب:- نعم ، فإنه قد تكون المصلحة ثابتة في الشيء بشكل مطلق من دون أي اشتراط ، وقد تكون ثابتة بنحوٍ مشروط ، فشراء الدار قد تكون مصلحته مشروطة بشرط أن لا يكون شراؤها مولداً للمشاكل لي ، أو مصلحة الذرية فإن الله تعالى يعطي الانسان الذرية ولكن المصلحة قد تكون ليست مطلقة وإنما هي مشروطة بأن لا يكون الأولاد يوجبون إيذاء الولدين أو غير ذلك.

إذن المصلحة في الشي قد تكون مطلقة وقد تكون مشروطة ، فالدواء مثلاً توجد مصلحة في تناوله ولكن بشرط المرض ، أما إذا لم يكن المرض موجوداً فشربه ليس فيه مصلحة ، فإذن المصلحة المشروطة شيء معقول.

وفي المرحلة الثانية - أي مرحلة الارادة -:- فأيضاً الأمر كذلك ، فالإرادة يمكن أن تكون مشروطة ، فانا أريد تناول الدواء بشرط المرض أمّا من دونه فلا أريده ، فهذه إرادة مشروطة ، وهذا نشعر به بوجداننا ، فكما أن المصلحة باستعمال الدواء مشروطة بالمرض أيضاً إرادة استعمال الدواء مشروطة بالمرض.

وفي المرحلة الثالثة - وهي الاعتبار -:- فهو ايضا ً يمكن أن يكون مشروطاً ، فالطبيب يقول للمريض عليك أن تستعمل هذا الدواء عند الحاجة - وهذا اعتبار - ، فهو يعتبر عليه استعمال الدواء ويلزمه بذلك عند الحاجة وهذا الاعتبار واللزوم مقيد بــ ( عند طروّ الحاجة ) ، فهذا اعتبار مقيد بشرطٍ.

إذن اتضح من خلال هذا أنّ كلّ لمراحل الثلاث للحكم قابلة للاشتراط ، ومادامت قابلة للاشتراط نخرج بنتيجة وهي أن الحكم المشروط شيء وجيه وممكن ومعقول ، بل هو واقع في حياتنا العقلائية كما مثلنا بالأمثلة المتقدمة.

ثم نلفت النظر إلى شيء:- وهو أنه في المرحلة الأولى قد يكون الشرط شرطاً لثبوت المصلحة وقد يكون شرطاً لترتبها وليس لثبوتها ، فالمرض مثلاً شرط لثبوت أصل المصلحة ، فمن دون المرض لا توجد مصلحة في استعمال الدواء ، وهذا بخلاف تناول الدواء بعد وجبة الطعام فإنه شرطٌ لترتب المصلحة فالمصلحة موجودة من بداية المرض في استعمال الدواء ولكن هذه المصلحة تترتب فيما إذا فرض أن استعمال الدواء كان بعد وجبة الطعام.

ويترتب على هذا أنه كلما فرض أنّ شرط المصلحة كان من القبيل الأوّل - أي من قبيل شوط ثبوت المصلحة - فالمولى يأخذه شرطاً في الوجوب فيقول يجب عليك استعمال الدواء عند حدوث المرض ، فالوجوب يصير مشروطاً بالمرض ، وكلّ ما كان من القبيل الثاني - أي شرط لترتب المصلحة - يأخذه شرطاً للواجب - المأمور به - وليس شرطاً للوجوب فيقول له يجب عليك تناول الدواء بعد وجبة الطعام ، فالواجب هو تناول الدواء بعد وجبة الطعام ، فهو شرط للمأمور به.

وهذا مطلب قد أفاده الشيخ العراقي(قده) ، يعني أنه قسّم شرط المصلحة إلى قسمين شرطٌ لأصل المصلحة وشرطٌ لترتب المصلحة وهو من الأشياء الظريفة. فالمولى لا يأخذ هذا شرطاً للوجوب وذاك شرطاً للواجب عبثاً وكيفما اتفق ، بل هو طبق ضوابط ، فما كان شرطا لأصل المصلحة يأخذه قيداً في الوجوب وما كان قيداً لترتب المصلحة يأخذه شرطاً للواجب - أي المأمور به - ، وقد اشار إليه في بدائع الأفكار[1] .

ونتمكن أن نقول:- إنّ ورح هذه الفكرة وجذورها بألفاظ قريبة أو غير قريبة في كلمات الشيخ النائيني(قده) أيضاً[2] .

إذن لحد الآن عرفنا أن أخذ القيد قيداً للوجوب أو قيداً للواجب ليس مطلباً ناشئاً عن عبثٍ وبلا أساس بل هو ناشئ على أسس.

واستدرك وأقول:- إن ما كان شرطاً لترتب المصلحة يأخذه قيداً في الواجب شريطة أن يكون أمراً اختيارياً ، وأما إذا لم يكن أمراً اختيارياً فيلزم أن يأخذه قيداً في الوجوب مثل البلوغ والعقل ، فلو فرضنا أن البلوغ والعقل شرطاً لترتب المصلحة وليس لأصل المصلحة ففي مثل هذه الحالة يأخذ المولى هذين القيدين كقيدين لأصل الوجوب وليس للواجب باعتبار أنهما غير اختياريين ، وهذه قضية ينبغي أن تكون واضحة.

ومن خلال هذا يتضح الردّ على السيد الخميني(قده):- فإنه أشكل في تهذيب الأصول[3] بثلاثة إشكالات على هذا الضابط الذي ذكره الشيخ العراقي(قده) والاشكالات هي:-

الاشكال الأول:- إن انقاذ الغريق لا إشكال في أنه توجد فيه مصلحة ، والمصلحة ثابتة حتى في حقّ غير البالغ وغير العاقل ، فهي ثابتة حتى في حقّ غير البالغ وغير العاقل ، وعلى هذا الأساس إذا كانت المصلحة ثابتة وليست مقيدة فيلزم أن يكون البلوغ والعقل شرطين في الواجب وليسا شرطين في الوجوب لأن المصلحة ثابتة حتى في حقهما ، ومن الواضح أنه لا وجوب في حقّ المجنون وغير البالغ - يعني الوجوب مشروط بالبلوغ والعقل - فبطل الضابط الذي أفدته أيها الشيخ العراقي.

وفيه ما أشرنا إليه حيث نقول:- نسلم أنّ مصلحة انقاذ الغريق ليست مقيدة بالبلوغ والعقل ومادامت ليست مقيدة فيلزم أن يؤخذ شرطاً في الواجب دون الوجوب ولكن بشرط أن يكون القيد اختيارياً ، والمفروض أن البلوغ والعقل ليس اختياريا ، فلا يمكن أحذهما قيدين في الواجب دون الوجوب ، بل يلزم أخذهما قيدين في أصل الوجوب باعتبار أنهما من القيود غير الاختيارية والقيود غير الاختيارية يلزم دائماً اخذها قيوداً في الوجوب ولا يمكن أخذها في الواجب وإلا يلزم تحصيلها - لأنها قيدٌ في الواجب - والمفروض أنها غير اختيارية فكيف يجب تحصيلها ؟!!


[1] بدائع الافكار، الرشتي، ص335.
[2] فوائد الاصول، النائيني، ج1، 184. أجود التقريرات، الخوئي، ج1، ص134.
[3] تهذيب الاصول، الخميني، ج1، ص174.