37/05/06


تحمیل
الموضوع:-الشرط المتأخر للمأمور به ( أي الواجب ) - مقدّمة الواجب.
الاشكال الثاني:- ومحصله:- إن الاستحباب النفسي كيف يبقى بعد طرو الوجوب الغيري ؟ وهل يمكن أن يكون الواجب مستحباً أو المستحب واجباً ؟ إنه لا يمكن ذلك، فحتما حينما طرأ الوجوب الغيري انعدم وزال الاستحباب النفسي وإذا زال فلا يمكن أن تقصده إذ هو قد زال، فلا يمكن اجتماع الوجوب والاستحباب، فالوجوب فصله عدم جواز الترك بينما الاستحباب فصله جواز الترك فكيف يجتمعان إنه لا يمكن فبطرّو الوجوب الغيري يزول الاستحباب النفسي وبزواله لا يمكن قصده.
وفيه:- نحن نسلّم أن الاستحباب يزول بطروّ الوجوب الغيري ولكنه يزول بحدّه لا بذاته، يعني يزول حدّه وهو جواز الترك أما ذاته وهو الرحجان الذاتي فهو لا يزول والوجدان قاضٍ بذلك، فلو فرضنا أنه كان هناك شخص محترم يرحج إكرامه وبعد ذلك طرأ وجوب إكرامه فهل يزول ذلك الرجحان السابق أو أنه يضاف إلى جنبه شيء ؟ إنّه يضاف إلى جنبه شيء لا أنّ ذلك الرجحان والمحبوبية السابقة تزول، نعم تزول تلك المحبوبية بفصلها - يعني بنحو جواز الترك - أما ذات المحبوبية فلا تزول بل تبقى وتتأكد بالوجوب الطارئ، ومقامنا من هذا القبيل، فالوجوب الغيري يؤكد هذا الرجحان لا أنه يعدمه، فعلى هذا الأساس لا يرد إشكال الشيخ النائيني(قده).
الاشكال الثالث:- هو أنه إذا انحلّت المشكلة في الوضوء وفي الغسل لكنها تبقى ثابتة بالنسبة إلى التيمم، فمن قال إنه يوجد استحباب نفسي في التيمم إذ الذي ثبت بالدليل أنه مستحب بالاستحباب النفسي هو الوضوء أو الغسل أما التيمم فثبوت اسحبابه النفسي أوّل الكلام، فتبقى المشكلة بلحاظ التيمم على حالها فإنّه ليس فيه استحباب نفسي، فإذن جوابك أيها الشيخ الخراساني وهو إن نفع فهو ينفع في الوضوء والغسل دون التيمم.
وربما أجاب غير واحد عن ذلك:- بأنه يمكن أن نثبت الاستحباب النفس يللتيمم من خلال مقدّمتين:-
الأولى:- قوله عليه السلام:-( التيمم أحد الطهورين )[1]، ولعلّه توجد أكثر من رواية بهذا المعنى، فإذن هو طهور بمقتضى هذه الرواية.
الثانية:- قال تعالى:- ﴿ إنَّ الله يحبّ التوابين ويحبّ المتطهرين ﴾[2].
فإذن المتطهّر يحبه الله عزّ وجلّ وأحد مصاديق المتطهّر المتيمم لأن التيمم طهور، فإذا تيمّمت فأنا متطهّر فتشملني الآية الكريمة،وحبّ الله تعالى للمتطهّر عبارة أخرى عن استحبابه النفسي وإلا إذا لم يكن مستحباً في نفسه كيف يحبّ الله عزّ وجلّ الطهارة، فحيمنا يحبّ الطهارة والمتطهّر فذلك يعني أنّ هناك استحباباً نفسياً للطهارة، فإذن يندفع إشكال الشيخ النائني(قده).
وفي مقام التعلق نقول:- إنّ أصل إشكاله ليس بوارد من الأساس بلا حاجة إلى هذا الرّد، وذلك بأن يقال:- إنّ التيمم هل يحتمل أن يكون مستحباً نفسياً – كأحتمال واقعي - ؟ نعم هو محتملٌ ولا يستطيع فقيه أنه يقول هو ليس بمحتمل، وإذا كان يحتمل أنه مستحب واقعاً بالاستحباب النفسي فإذن اندفع الاشكال وارتفع فنقول لعله اعتبرت القربة في التيمم من باب أنه مستحب نفسي، فإذا كان الأمر كذلك فالاشكال لا يرد من الأساس.
وبكلمة أخرى:- إنه حينما تريد أن تشكل فلابد أن يكون الأساس الذي يبتني عليها الاشكال جزمياً، فحينما تشكل وتقول كيف اعتبرت القربة في الطهارات الثلاث والحال أنّ أمرها غيري لابد وأن تجزم بأنها ليست مستحبّة نفسيّة، إذ لو احتمل أنها مستحبّة نفسيّة نقول لعلّ اعتبار قصد القربة في الطهارات الثلاث هو من باب كونها مستحبّ نفسي وليس من باب الوجوب الغيري فلا يرد الاشكال من الأساس من دون حاجة إلى إثبات الاستحباب النفسي بالآيات والروايات، فمادام يحتمل واقعاً - فقهياً - أنّ الطهارات الثلات مستحبّة نفساً فحينئذٍ يقال لعلّ اعتبار القربة فيها لأجل الاستحباب النفسي وليس من جهة الوجوب الغيري فيرتفع الاشكال.
ونفس هذا الكلام نقوله في اليتمم، فنقول للشيخ النائني(قده) أوليس يحتمل أن التيمم مستحباً نفسياً ؟ إنه يحتمل ذلك، ومادام يحتمل فلعلّ قصد القربة اعتبر من باب استحبابه النفسي لا من باب الوجوب الغيري ولا نحتاج إلى إثبات استحبابه النفسي بآية أو رواية، نعم ما قمت به شيء جيّد ولكن كان من المنسب إلى أن تنبّه وتقول إني لا احتاج إلى إثبات كون التيمم مستحباً نفسياً بل مجرد احتمال كونه كذلك يكفي في دفع الاشكال، ثم تقول:- ولكني أتمكن أن أثبت لك أنّ هذا الاستحباب النفسي ثابت وواقع فيصير جواباً ثانياً، أمّا الجواب الأساسي فهو أنه مادام يحتمل ثبوت الاستحباب النفسي فالاحتمال وحده يكفي لدفع الاشكال، وهذه قضيّة فنّية مهمّة جداً ويجدر الالتفات إليها.
وبهذا أنهينا كلامنا عن جواب الشيخ الخراساني(قده) عن إشكال قصد القربة في الطهارات الثلاث مع الإشكالات الثلاث للشيخ النائيني(قده) والتعليق عليها.
جواب الشيخ النائني(قده) عن إشكال الطهار الثلاث:-
وأمّا الشيخ النائيني(قده) فقد أجاب عن إشكال اعتبار القربة في الطهارات الثلاث[3] بما محصّله:- إنّ القربة اعتبرت في الوضوء مثلاً لا من باب الاستحباب النفسي كما قال الشيخ الخراساني - إذ يرد عليه الإشكالات الثلاثة كما قلنا - ولا من ناحية أنّ نفس الوجوب الغيري يقتضي ذلك فإنّه توصلي وهو لا يقتضي اعتبار قصد القربة، بل جاء اعتبار قصد القربة من منشأ ثالث وهو نفس الأمر المتعلّق بالصلاة - أي الأمر النفسي الوجوبي - فهذا الأمر النفسي المتعلّق بالصلاة هو يقول ( صلِّ ) ويقتضي أن نأتي بكلّ جزءٍ بقصد القربة، وهو أيضاً يقتضي أنّ يؤتى ببعض الشرائط بقصد القربة من قبيل الوضوء أو الغسل أو التيمم، فمنشأ اعتبار قصد القربة في الوضوء هو هذا - يعني أمر ( أقيموا الصلاة ) - إذ هو الذي اقتضى ذلك، فكما أنه اقتضى أن يكون كلّ جزءٍ من أجزاء الصلاة قربية كذلك اقتضى أن تكون بعض الشرائط قربية من قبيل الوضوء واللتيمم والغسل، نعم ذاك الأمر لا يقتضي أن تكون البعض الآخر من الشرائط قربية مثل غسل الثوب وستر البدن وطهارة الملبس فهذه الشرئط لا يعتبر فيها القربة.
أما لماذا أنّ ذلك الأمر المتعلق بالصلاة يقتضي أن تصير بعض الشرائط قربية وبعضها الآخر لا يقتضي أن تصير قربية مع أنه أمر واحد فكيف الأمر الواحد مرّة يقتضي هكذا ومرة يقتضي هكذا ؟
قال:- ذلك بسبب اختلاف الغرض، فإنّ الغرض من الصلاة الذي يعرفه الله عزّ وجلّ اقتضى أنه بالنسبة إلى الوضوء والتيمم والغسل أن يكون قربياً، أما بالنسبة إلى بقيّة الشروط فلا يلزم أن تكون قربية.
إذن منشأ القربية ليس هو الاستحباب النفسي ولا الوجوب الغيري وإنما هو أمر الصلاة، فكما اقتضى في الأجزاء أن تكون قربية اقتضى أن تكون بعض الشرائط قربية.