37/03/02


تحمیل

الموضوع:- حكم ارتفاع العذر بعد انتهاء الوقت - أي حكم القضاء - مبحث الإجـــزاء.

اتضح مما تقدم:-

إنّه قد اتضح مما تقدّم أنّ المكلّف لو تغيّر تقليده فهناك رأيان في السألة ، رأي يقول بعدم إجزاء التقليد الأوّل ، ورأي يقول - وهو الذي تبنيناه – بالإجزاء ، ولكن كِلا الرأيين اتفقا على أنّ باب الصلاة له خصوصيّة وذلك لحديث لا تعاد ، فحتى لو بنينا على عدم الإجزاء نحكم في باب الصلاة بالإجزاء لو كان الاختلال في غير الخمسة المذكورة في الحديث ، وهذا مطلب ينبغي أن يكون واضحاً.

بيد أنّ هناك قضية ترتبط بهذا الموضوع لابأس بالاشارة إليها:- وهي أنّ حديث لا تعاد هل يعمّ الجاهل أيضاً أو يختصّ بالناسي ؟

إنه إذا قلنا باختصاصه بالناسي فلا يمكن أن ننتفع به في مقامنا إذ المكلّف في مقامنا لم يأتِ بجلسة الاستراحة أو بالسورة مثلاً أو غير ذلك عدى الخمسة لا لنسيانٍ بل لجهلٍ وأتباعٍ للمجتهد الأوّل فلا يمكن التمسّك بحديث لا تعاد لاثبات الإجزاء مادام الذي صدر عن جهلٍ وليس عن نسيان.

وقد اختار الشيخ النائيني(قده) أنّ الحديث مختصّ بالناسي ، كما جاءت الإشارة إلى ذلك في تقرير بحثه في الصلاة[1] ، وحاصل ما ذكره:- هو أنّ الجاهل لم يمتثل التكليف الموجّه إليه ، فهو كان عنده تكليفٌ بجلسة الاستراحة أو بالسورة أو بما شاكل ذلك غير الخمسة وهو لم يمتثله فالمناسب في مقام التعبير أن يقال له ( إئت أو لا تأتِ ) لا أن يقال له ( أعد أو لا تعد ) ، فيقال له إئت إذا كان الاختلال بالخمسة ولا تأت إذا كان الاختلال بغير الخمسة ، نيظير الشخص الذي لم يصلّ صلاة الظهر مثلاً فماذا نقول له ؟ هل نقول له أعِد صلاة الظهر ؟ فإنّ هذا لا معنى له، بل نقول له إئت بصلاة الظهر ، وإذا خرج الوقت نقول له لا تأتِ بصلاة الظهر لا أن نقول له لا تُعِد صلاة الظهر.

وعلى هذا الأساس الجاهل لا يشمله الحديث لهذه القرينة ، وهذا بخلاف الناسي فإنّه لأجل نسيانه لا يصحّ توجيه التكليف له ، ومعه لا يتعيّن التعبير بصيغة إئت أو لا تأتِ.

إذن الحديث بقرينة التعبير بصيغة لا تعاد يفهم منه الاختصاص بالناسي لأنّ الجاهل يوجد تكليفٌ في حقّه ولم يمتثله فمن المناسب حينئذٍ التعبير بإئت أو لا تأتِ ، وهذ بخلاف الناسي فإنّه لا تكليف في حقّه فلا يتعيّن التعبير بصيغة إئت أو لا تأت.

وفيه:-

أوّلاً:- إنّ الاعادة لم تنسب إلى الجزء المتروك حتى يأتي ما ذكره ، وإنما نسبت الاعادة إلى الصلاة والمكلّف قد أتى بها لا أنّه لم يأتِ بها ، نعم هو لم يأتِ بالجزء ، فمن المناسب بلحاظ الجزء أن يغبّر ( إئت بذلك الجزء ) لكن المفروض أنّ الحديث ليس ناظراً إلى الجزء فهو لم يأخذ كلّ جزءٍ جزءٍ على حدةٍ وإنما نظر إلى الصلاة ، والطلاة هو قد أتى بها جزماً ، فالتعبير حينئذٍ بــ ( لا تعاد ) يكون وجيهاً حتى في حقّ الجاهل لأنّه قد أتى بالصلاة ، نعم هو لم يأتِ بالجزء ، ولكن الاعادة أو عدم الاعادة لم تنسب إلى الجزء بل نسبت إلى الصلاة.

ثانياً:- إنّه على ما أفاده لا يمكن أن يشمل الحديث حتى الناسي ، باعتبار أنّ الناسي لا يوجد تكليف في حقّه بالجزء المنسي ، ومادام لا يوجد تكليفٌ بالجزء المنسي فكيف يعبّر حينئذٍ بأنّه لا تعاد أو تعاد ؟!! فإنّه لا تكليف في حقّه وهو لم يأتِ به فكيف يعبّر بتعاد من الخمسة ولا تعاد من غيرها ، فتبقى حينئذٍ صيغة لا تعاد أو تعاد بلا مصداقٍ ، يعني ليس لها مصداقٌ حتى الناسي لأنّه حسب اعتراف الشيخ النائيني(قده) لا تكليف في حقّه بلحاظ الجزء المنسي ولم يأتِ به ، فالتعبير بتُعاد أو لا يعاد يكون باطلاً عرفاً ولا معنى له.

إذن الحديث بناءً على هذا شاملٌ للجاهل للنكتة التي أشرنا إليها ، وهي أنّ الاعادة منسوبة إلى الصلاة والصلاة يوجد فيها تكليفٌ في حقّ الجاهل والناسي وكلاهما قد أتى بها ، نعم هو لم يأتِ بالجزء ولكن الصلاة قد أتى بها والاعادة منسوبة إلى الصلاة فلا توجد أيّ مشكلة من هذه الناحية.

وبعد أن عرفنا أن الحديث يعمّ الجاهل فحينئذٍ يأتي كلامٌ ثانٍ:- وهو أنّه هل يعمّ الحديث الجاهل بكلا قسميه القاصر والمقصّر أو يختصّ بخصوص القاصر ؟

وثمرة هذا البحث ثمرة مهمّة أيضاً لأنه بناءً على شمول كِلا القسمين ، فأيّ مكلّفٍ كانت لديه مشكلة في صلاته ولم تكن في الخمسة فلا شيء عليه حتى لو كان جاهلاً مقصّراً ، كما هو الطابع العام في زماننا بعد وجود وسائل الإعلام الكثيرة ، فالكثير من الناس قد أصبح جاهلاً مقصّراً لا قاصراً ، نعم في ذلك الزمان أو في زماننا إذا كان هناك شخصٌ لديه إداراكات ضعيفة فهذا يكون قاصراً .

فهل الحديث يعم القاصر والمقصّر أو يختصّ بالقاصر ؟

والجواب:- قد يقال باختصاصه بالقاصر ، وذلك لوجوهٍ ثلاثة:-

الوجه الأوّل:- إنّ الحديث ناظر إلى من كان معذوراً قبل أن ينكشف له الخلاف ، فالشخص الذي قبل أن ينكشف له الخلاف إذا كان معذوراً فالحديث يشمله ، من قبيل الناسي فإنّ نسيانه عذرٌ له ، فإذا انكشف له الخلاف فالحديث سوف يأتي ويقول إذا كان الاختلال في الخمسة أعاد وإلا فلا.

وهكذا بالنسبة إلى الجاهل القاصر ، فهو معذورٌ لفرض أنّه قاصرٌ.

وهذا بخلاف المقصّر فإنّه لأجل كونه مقصّراً يحكم عليه العقل بلزم الاعادة وإحراز الواقع حتى قبل أن ينكشف الخلاف ، فالعقل يقول له أنت مقصّرٌ ولا يكفيفك الاتييان بالصلاة السابقة بل لابد وأن تحرز أنّ صلاتك صحيحة وحينئذٍ لابدّ من الاعادة.

فالحديث إذن يختصّ بمن كان معذوراً قبل انكشاف الخلاف والمقصّر ليس معذوراً عقلاً قبل انشكاف الخلاف بل يلزمه بالاعادة لأنّ ذلك لازم فرض كونه مقصّراً.

وقد تمسّك بهذا البيان السيد الخوئي(قده) في بعض كلماته[2] .

وفيه:- إنّه إذا فرضنا أنّ الجاهل كان جاهلاً مركّباً كما هي العادة والغالب ، أي كان يعتقد بأنّ صلاته تامّة وليس هو في حالة تردّد - أي جاهلاً بسيطاً - فحينئذٍ قبل انكشاف الخلاف يكون معذوراً حيث إنّه قاطعٌ بالعدم ولم ينكشف له الخلاف فالعقل لا يدفعه إلى الاعادة بعد فرض كونه قاطعاً وغير متردّد ولم ينكشف له الخلاف ، وإذا فرض أنّه انكشف الخلاف فحتى لو كان قاصراً فالعقل يدفعه إلى الاعادة من دون فرقٍ بين القاصر والمقصّر ، باعتبار أنه انكشف له الخلاف ولم يأتِ بالواقع فلابد وأن يأت بالواقع ، ولا يتحقق الواقع إلا بالاعادة ، هذا إذا كان النظر إلى الجاهل المركّب فلا نرى فرقاً بين حالة ما قبل انكشاف الخلاف وما بعدها ، فما قبل انكشاف الخلاف هو معذورٌ لأنّه قاطعٌ ولم ينكشف الخلاف ، وما بعد انشكاف الخلاف كلاهما - القاصر والمقصر - لا يكون معذوراً بل يلزمه الاعادة عقلاً لأنّه لم يأت بالواقع.

وإذا فرض أنّ الجاهل كان جاهلاً بسيطاً - أي كان ملتفتاً إل جهله ، يعني بالعبارة الأوضح كان متردّداً لا يدري أن جلسة الاستراحة هل هي واجبة أو ليست بواجبة - فحينئذٍ عقلاً لا يكون معذوراً لو أتى بالصلاة من دون جلسة الاستراحة حتى لو كان قاصراً ، فلا فرق إذن بين القاصر والمقصّر من هذه الناحية فكلاهما لا يكون معذوراً بل يلزمه الجزم بالامتثال.

نعم الفارق بينهما هو أنّ القاصر لا يلزمه التعلّم لفرض أنّه لا يتمكّن من التعلّم ، بينما المقصّر يلزمه التعلّم لأنّ ذلك لازم كونه مقصّراً ، إلا أنّ هذه قضية ثانية مرتبطة بمسألة لزوم التعلّم وعدمه ، وأمّا من ناحية أنّه معذورٌ أو ليبس بمعذورٍ فلا فرق.

الوجه الثاني:- أن يدّعى بأنّ لازم عموم الحديث للجاهل المقصّر أنّ الأحكام تكون مختصّة بالعالمين ولا تعم الجاهلين ، وهذ خلف قاعدة الاشتراك الابتة بالضرورة.

وقد جاءت الاشارة إلى هذا البيان في بعض كلمات السيد الخوئي(قده).

جوابه واضح:-

حيث يقال نقضاً:- إنّ الحديث يشمل الجاهل القاصر جزماً ، والسيد الخوئي(قده) نفسه يعترف بشموله له ، والحال أنّه سوف يلزم اختصاص الحكم الواقعي بالعالم ولا يعمّ الجاهل القاصر.

وإذا قلت:- إنَّ هذا استثناء في مساحة ضيقة قد دلّ عليه الدليل ولا محذور في ذلك.

قلت:- فليكن حديث لا تعاد شاملاً للجاهل المقصّر وبذلك تتسع المساحة قليلاً في خصوص باب الصلاة لا أنّه يلزم اختصاص الأحكام بالعالمين طرّاً وجميع الأحكام بعد ثبوت إطلاق الدليل ، والمقصود من إطلاق الدليل هو حديث لا تعاد فإنّه كما لا مانع من استثناء الجاهل القاصر لا مانع أيضاً من استثناء الجاهل المقصّر ، وهذا لا يتنافى مع تلك المسألة بل هو تخصيصٌ في مساحةٍ ضيّقةٍ ولا بأس بذلك.


[2] مستند العروة الوثقى، الخوئي، كتاب الصلاة، تسلسل18، ص14.