37/01/20


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / حكم مبطلية الزيادة في الواجب .

هناك توضيح يرتبط بالدرس السابق، حيث ذكرنا في البحث الذي قبل هذا البحث الذي دخلنا فيه بأنّ دليل بدلية التيمم عن الوضوء إذا كان موضوعه العجز عن المرتبة الكاملة من الوضوء، قلنا أنه سوف يقع تعارض بين دليل بدلية التيمم وبين قاعدة الميسور إذا تمّت، وذكرنا علاج التعارض. هنا قد يقال: لا داعي لعلاج التعارض بالتخيير أو الجمع على ما تقدّم؛ لأنّ النسبة بين الدليلين هي العموم والخصوص المطلق، باعتبار أنّ دليل بدلية التيمم يختص بالتيمم وهو أخصّ مطلقاً من قاعدة الميسور؛ لأن قاعدة الميسور مطلقة تشمل كل واجب مركب يتعذر الإتيان ببعض أجزائه، فهي تشمل الوضوء وتشمل غيره، بينما دليل البدلية في الوضوء مختص بالوضوء والتيمم، فيكون أخصّ مطلقاً من قاعدة الميسور، فيُقدّم بالأخصّية على قاعدة الميسور وتُحمل قاعدة الميسور على غيره، وبالتالي يكون أخصّ مطلقاً منها، والتقديم يكون لدليل بدلية التيمم ولا نصل إلى النتيجة التي وصلنا إليها سابقاً وهي أنّ الوضوء الناقص يتقدّم على التيمم؛ بل مقتضى الأخصّية هو تقدّم التيمم على الوضوء الناقص.
أقول: هذا الكلام يمكن دفعه إذا فرضنا أنّ دليل بدلية التيمم أيضاً فيه عموم من جهةٍ أخرى بحيث تكون النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه، وذلك إذا فرضنا أنّ دليل بدلية التيمم لا يختص بحالة التعذر التي هي محل الكلام، دليل بدلية التيمم فيه جهة عموم من جهة أنه لا يختص بحالة التعذر، وبهذا تكون النسبة بين الدليلين هي العموم والخصوص من وجه لا نسبة العموم والخصوص المطلق حتى يتقدّم دليل بدلية التيمم على قاعدة الميسور، وإنما النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق فيقع التعارض بينهما، فيأتي الكلام السابق. ولا يبعد تمامية هذا الكلام؛ لأنّ دليل بدلية التيمم لا يختص بحالة التعذر فقط؛ بل يشمل غيرها.
نرجع إلى ما انتهينا إليه من البحث الآخر،في بحث كيفية تصوير الزيادة في محل الكلام قبل الدخول في أصل البحث، قلنا أنّه يُطرح إشكال في كلماتهم وهو أنه لا يمكن تصوّر الزيادة في محل الكلام؛ لأنّ الجزء المعتبر في المركب لا يخلو: إمّا أن يؤخذ (بشرط لا) من جهة الزيادة بحيث يكون مقيّداً بعدم الزيادة، أي بعدم الوجود الثاني للجزء، أو أن يؤخذ(لا بشرط) من جهة الوحدة والتعدد، أي من جهة الزيادة وعدمها، وعلى كلا التقديرين لا يمكن تصوّر الزيادة.
قلنا: أنّ هذا الإشكال أُجيب عنه بالجواب السابق وهو أنّ الأمر لا يدور بين هاتين الحالتين، وإنما هناك حالة ثالثة يمكن تصوّرها في المقام وفيها يمكن تصوّر تحقق الزيادة، وهي حالة ما إذا كان الجزء معتبراً في المركب بنحو(لا بشرط) لكن لا بمعنى أنّ المأمور به والجزء هو عبارة عن الطبيعة المطلقة، وإنما بمعنى أنّ الجزء المعتبر في المركب هو صرف وجود الطبيعة، لا الطبيعة المطلقة، إذا كان الجزء هو الطبيعة المطلقة الشاملة للواحد والمتعدد؛ فحينئذٍ يرد الإشكال السابق وهو أنّ المتعدد هو المأمور به وهو الجزء، فلا زيادة. سواء جاء بالركوع مرة واحدة، أو جاء به مرتين، كلٌ منهما مصداق للمأمور به، ويكون جزءاً للمركب، فلا زيادة، لكن في الفرض الثالث نقول أنّ الدخيل في الواجب وما اُعتبر جزءاً من المركب هو الطبيعة بنحو صِرف الوجود الذي ينطبق على الوجود الأول للطبيعة، وبناءً على هذا يكون الوجود الثاني للطبيعة زائداً، فأمكن تصور الزيادة في هذا الفرض. وذكر بعضهم أنّه أصلاً أنّ محل الكلام من حيث أنّ الزيادة مبطلة، أو غير مبطلة هو هذا الفرض، وذلك باعتبار وضوح البطلان في الفرض الأول ووضوح عدم البطلان في الفرض الثاني، فلا كلام فيهما، وإنّما يقع الكلام في الفرض الثالث. أمّا وضوح البطلان في الفرض الأول، فباعتبار أنّ الجزء مأخوذٌ فيه عدم الزيادة، أي أنّه اُعتبر جزءاً بشرط عدم الوجود الثاني للجزء، فإذا جاء بالوجود الثاني للجزء يكون مبطلاً للعبادة؛ لأنه لم يأتِ بما هو جزء العبادة، أي جزء المركب؛ لأنّ جزء المركب ليس هو صرف وجود هذا الجزء، وإنما الجزء المقيّد بعدم الزيادة، فإذا زاد، كأنه لم يأتِ بالجزء، وهذا يوجب بطلان العبادة بلا إشكال. كما أنّ عدم البطلان في الفرض الثاني أيضاً واضح؛ لما ذكر سابقاً من أنّه في الفرض الثاني يكون الجزء المعتبر في المركب هو عبارة عن الطبيعة المطلقة للجزء الصادقة على الواحد والمتعدد. إذن: المتعدد الذي تتحقق به الزيادة هو جزء المركب. إذن: جاء بجزء المركب، فلابدّ أن يقع المركب صحيحاً، فوضوح البطلان في الفرض الأول ووضوح عدم البطلان في الفرض الثاني يُخرج هذين الفرضين عن محل الكلام ويقع الكلام في الفرض الثالث الذي ليس فيه وضوح بطلان ولا وضوح عدم بطلان، الفرض الثالث يقول: ما هو دخيلٌ في المركب هو صِرف وجود طبيعة الجزء، وهذا ينطبق على الوجود الأول، فإذا جاء بالوجود الثاني، ليس هناك وضوح في أنّ هذا الوجود الثاني يوجب البطلان، أو أنه لا يوجب البطلان؛ بل يُحتمل أن يكون مبطلاً، ويُحتمل أن لا يكون مبطلاً، فيقع التنافي، فالكلام في هذا الفرض. يمكن أن نعتبر هذا الجواب هو الجواب الأول عن الإشكال.
هذا الجواب عن الإشكال واضح أنه يعترف ويسلّم ورود الإشكال في الفرضين الأول والثاني، وإنما يتخلّص من الإشكال بافتراض فرض ثالث، ويقول في هذا الفرض الثالث يمكن تصور زيادة، فيجري الكلام في الفرض الثالث. اعتراف هذا الجواب بترتّب الإشكال في الفرض الأول صار مثاراً للكلام والمناقشة بأنه لماذا نعترف بترتب الإشكال في الفرض الأول ؟ يعني إذا ما أُخذ الجزء في المركب(بشرط لا) من حيث الزيادة، ما قالوه في مقام بيان ترتّب الإشكال وعدم تصوّر الزيادة هو هذا البيان المتقدّم، وهو أنهم قالوا بأنّ الجزء إذا كان مقيّداً بعدم الزيادة، فإذا زاد في الجزء كما لو جاء بالركوع مرتين، هذا معناه أنّه لم يأتِ بالقيد؛ لأنّ المفروض أنّ الركوع كجزء من المركب مقيد بعدم الزيادة، وهذا يعني انتفاء القيد؛ لأنه زاد وهو مقيد بعدم الزيادة، انتفاء القيد يستلزم انتفاء المقيد؛ لأنّ المقيد عدم عند عدم قيده، والمقيد هو نفس الجزء؛ لأنّ الجزء مقيد بعدم الزيادة، فإذا زاد في الجزء فهذا يعني انتفاء قيد الجزء، والمقيد عدم عند عدم قيده، فهذا يرجع في الحقيقة إلى كأنه لم يأتِ بالجزء؛ لأنّ ما جاء به ليس هو الجزء، الركوع الذي كرره مرتين ليس جزءاً من المركب؛ لأنّ جزء المركب هو الركوع المقيّد بعدم الزيادة، فإذا زاد، فكأنه لم يأتِ بالجزء؛ ولذا قالوا أنّ الزيادة هنا ترجع إلى النقيصة، بمعنى أنّه لم يأتِ بالجزء. هذا ما ذكروه في مقام بيان عدم تصوّر الزيادة في الفرض الأول.
هناك ملاحظتان على هذا الكلام:
الملاحظة الأولى: قيل أنّ هذا الكلام غير صحيح؛ بل في الفرض الأول ليس فقط يمكن تحقق الزيادة، وإنما لابدّ من افتراض تحقق الزيادة، باعتبار أنّ ما ذُكر في الإشكال من رجوع الزيادة إلى النقيصة في الفرض الأول بالبيان المتقدّم هو في الحقيقة باعتبار أنّ انتفاء القيد الذي هو عدم الزيادة، يستلزم انتفاء المقيّد الذي هو الجزء؛ فحينئذٍ يكون المقيّد مع انتفاء قيده كالمتروك ــــــــــ حسب تعبير الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) ـــــــــــ كأنه لم يأتِ بالجزء أصلاً؛ ولذا يعود إلى النقيصة. السؤال هو: كيف ينتفي الجزء المقيّد بعدم الزيادة ؟ إنما ينتفي الجزء المقيد بعدم الزيادة بالزيادة، عندما يزيد في الجزء، كأن يأتي بالركوع مرة ثانية؛ حينئذٍ ينتفي قيد الجزء؛ لأنّ الزيادة توجب انتفاء نقيضها الذي هو عدم الزيادة، عدم الزيادة الذي هو القيد للجزء ينتفي بالزيادة، عندما يزيد في الجزء؛ حينئذ ينتفي قيد الجزء، وبالتالي ينتفي الجزء المقيّد؛ لأنّ المقيّد ينتفي بانتفاء قيده، هذا في الحقيقة معناه أنّ انعدام الجزء المقيّد بعدم الزيادة إنّما يتحقق بالزيادة، وإلا إذا قلنا بأنّ الإتيان بالركوع مرة ثانية لا يحقق الزيادة؛ حينئذٍ لا داعي لافتراض انتفاء الجزء ولا موجب لانتفاء الجزء وذلك لتحقق شرطه؛ لأنّ شرط الجزء هو عدم الزيادة، المقيد إنّما ينتفي بالزيادة، فلابدّ من فرض تحقق الزيادة حتى يتم ما ذكروه من أنه إذا تحققت الزيادة ينتفي نقيضها الذي هو عدم الزيادة، وهذا معناه انتفاء قيد الجزء، وانتفاء القيد يستلزم انتفاء المقيد، فينتفي الجزء، فترجع الزيادة إلى النقيصة كما ذكروا، لكن هذا إنّما يكون بافتراض الزيادة. إذن: لابدّ من افتراض تحقق الزيادة بالإتيان بالجزء مرتين حتى يتم كلامهم وترجع الزيادة إلى النقيصة، وإلاّ إذا قنا بأنّ من غير الممكن تصوّر الزيادة في المقام، الركوع الثاني ليس زيادةً ولا يمكن تصوّر أنه زيادة؛ حينئذٍ هذا معناه أنّ قيد الجزء متحقق وهو عدم الزيادة، وإذا تحقق قيد الجزء فالجزء متحقق. فإذن: لا يكون منتفياً، وبالتالي لا ترجع الزيادة إلى النقيصة، فنفس افتراض رجوع الزيادة إلى النقيصة يستبطن في الواقع افتراض تحقق الزيادة، وإلاّ حينئذٍ لا مجال لافتراض رجوع الزيادة إلى النقيصة.
الملاحظة الثانية: أساساً لا يوجد تضاد وتقابل بين الزيادة والنقيصة، وإنما الزيادة تصدق والنقيصة تصدق حتى إذا فرضنا أنّ الإتيان بالوجود الثاني من الجزء يوجب انعدام الجزء لانتفاء شرطه وهو عدم الإتيان بالوجود الثاني، فإذا جاء بالوجود الثاني ينعدم قيد الجزء، لو سلّمنا ذلك تحصل النقيصة بهذا البيان، لكن هذا لا يمنع من حصول الزيادة ولا يوجد بينهما تضاد حتى يقال أنّ حصول النقيصة يستلزم عدم حصول الزيادة واستحالة حصول الزيادة، هذا مبني على فرض وجود تضاد بينهما، بينما الصحيح أنّه لا يوجد تقابل ولا تضاد بين حصول النقيصة وبين حصول الزيادة، وذلك باعتبار الخلاف في جهة صدق النقيصة وصدق الزيادة، النقيصة تحصل بلحاظ جهة والزيادة تحصل بلحاظ جهةٍ أخرى، فمن هنا لا مانع من الجمع بينهما ولا يكون حصول النقيصة موجباً لاستحالة حصول الزيادة. وذلك يكون باعتبار أنّ النقيصة تحصل في الواجب باعتبار أنّه لم يأتِ بالركوع الصلاتي الذي اعتُبر جزءاً من الصلاة؛ لأنّ الركوع الصلاتي بحسب الفرض هو الركوع بشرط أن يكون واحداً، أي بشرط عدم الزيادة، فإذا زاد، معناه لم يأتِ بالركوع الصلاتي؛ ولذا تتحقق النقيصة، لكن بلحاظ الواجب، أي النقيصة في الواجب، بمعنى أنّه لم يأتِ بالواجب؛ لأنّ الواجب هو عبارة عن الركوع الصلاتي، والذي هو جزء من الصلاة وهو عبارة عن الركوع بقيد عدم الزيادة، وهذا لم يأتِ به، فتحصل النقيصة في الواجب، لكن في نفس الوقت نقول تحصل الزيادة في مسمّى الصلاة؛ إذ لا إشكال في أنّ الركوع الثاني زيادة في الصلاة، خصوصاً مع كونه مسانخاً لأجزاء الصلاة، فمع المسانخة يكون الأمر واضحاً وهو أنّ هذا زيادة في مسمّى الصلاة؛ بل يقول أكثر من هذا، أنّ الركوع الأول أيضاً زيادة في الصلاة، فالركوع الأول بعد ثبوت عدم جزئيته بالزيادة؛ لأنه إنما يكون جزءاً بشرط عدم الزيادة، فإذا زاد يخرج عن كونه جزءاً، أيضاً يكون زيادةً في الصلاة، فلا مشكلة في أن تحصل نقيصة من جهة، وتحصل زيادة من جهةٍ أخرى، النقيصة تحصل بلحاظ الواجب، ما يجب على المكلّف هو أخلّ به؛ لأنّه يجب عليه أن يأتي بركوعٍ واحدٍ ولا يزيد عليه، وهو زاد عليه، وهذا أخلال بالواجب ونقيصة بلحاظ الواجب، لكنّ الركوع الثاني هو زيادة في مسمّى الصلاة، فتحصل الزيادة والنقيصة معاً، أصل الاستدلال في الإشكال هو أنّه إذا زاد في الصلاة معناه أنّه لم يأتِ بما يجب عليه؛ لأنّ الواجب عليه هو جزء المركب وهو الركوع بشرط عدم الزيادة، فإذا زاد انتفى القيد، وإذا انتفى القيد ينتفي المقيّد، وهذا يرجع إلى النقيصة. نقول أنه يرجع إلى النقيصة بلحاظ الواجب، وأمّا بلحاظ مسمّى الصلاة فهو لا يرجع إلى النقيصة؛ بل من الواضح أنه زيادة في الصلاة، فلا مانع من الجمع بينهما، ولا يكون تحقق النقيصة بلحاظ جهة موجباً لعدم تحقق الزيادة بلحاظ جهةٍ أخرى.
قبل أن نعلّق على هذه الكلمات نذكر أنّ السيد الخوئي(قدّس سرّه) أجاب عن الإشكال بجوابين آخرين يعتبران جواباً ثانياً وثالثاً بالإضافة إلى الجواب الأوّل:
الجواب الثاني: سلّمنا أنّ هذا يرجع إلى النقيصة في الفرض الأوّل، ولكن هذا أمر دقّي، لكن بالنظر العرفي يعتبر هذا الركوع زيادة في الجزء وفي الصلاة؛ وحينئذٍ يجري فيها الكلام.
الجواب الثالث: أنّ هذا الإشكال يختص بما إذا كان الزائد من سنخ أجزاء المركب، وأمّا إذا لم يكن من سنخ أجزاء المركب؛ فحينئذٍ يكون صدق الزيادة واضحاً، ولا إشكال في تحقق الزيادة، ويقع الكلام في أنّه مبطل، أو لا ؟ [1]
من مجموع كل هذا الكلام يظهر أنّ هناك نقطة مركزية لابدّ من بحثها، وهي مسألة أنّ الزيادة في محل الكلام ــــــــــ المركبات الاعتبارية ــــــــــ بمّ تتحقق ؟
هناك رأي يرى بأنّ الزيادة تتقوّم بقصد الجزئية، ومن دون قصد الجزئية لا تتحقق الزيادة، من دون فرق بين أن يكون الزائد من سنخ أجزاء المركب، أو يكون الزائد من غير سنخها، المناط في تحقق الزيادة في المركبات الاعتبارية هو قصد الزيادة، فإذا جاء بشيء وقصد به الزيادة؛ حينئذٍ يقال أنّه زاد في الجزء، سواء كان الزائد من سنخ أجزاء المركب، أو لا .
الرأي الآخر يقول: تحقق الجزئية لا يتقوّم بقصد الجزئية، صحيح أنّ قصد الجزئية يوجب صدق الجزئية، لكنّه لا ينحصر بذلك، وإنّما الإتيان بالجزء المسانخ لأجزاء المركب أيضاً يحقق الجزئية ولو لم يقصد به الجزئية.
وبعبارة أخرى: أنّ الجزئية تتحقق بأحد أمرين:
الأمر الأوّل: قصد الجزئية ولو لم يكن الجزء الزائد مسانخاً.
الأمر الثاني: المسانخة ولو مع عدم قصد الجزئية.