36/12/19


تحمیل
الموضوع:- مبحث الإجـــزاء.
مشكلة وحلّ:-
قد تقول:- إذا كان الإتيان بمتعلّق الأمر موجباً لسقوطه فلا يمكن إذن تبديل الامتثال بامتثالٍ آخر لأنّه بالإتيان بمتعلّق الأمر قد سقط الأمر فإذا لم يمكن تبديل الامتثال بالامتثال فما تصنع ازاء الروايات الدالة على أنّ من صلّى فردى ثم وجد جماعة فله أن يعيدها جماعةً ؟
إنّ هذه الروايات واضحة في جواز تبديل الامتثال بامتثالٍ آخر، فأنت ماذا تصنع بعدما بَنيتَ على أنّ الإتيان بمتعلّق الأمر كاملاً وافياً يوجب سقوط الأمر والمفروض أنّي حينما صلّيت فرادى كانت صلاتي كاملة وافية وهذا معناه أنّي أتيت بمتعلّق الأمر فيتحتّم سقوط الأمر، فإذا سقط الأمر كيف يصلّيها جماعة والله تعالى يختار أحبّهما إليه ؟!
وفي هذا المجال نقول:- إنّ روايات المسألة على طوائف ثلاث:-
الأولى:- ما كان بلسان أفضليّة الاعادة وأنّ الاعادة جماعة أفضل ومستحب، من قبيل ما رواه عمّار:- ( سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجلٍ يصلّي الفريضة ثم يجد قوماً يصلّون جماعةً أيجوز أن يعيد الصلاة معهم ؟ قال:- نعم وهو أفضل )[1]، فإنّ قوله عليه السلام ( وهو أفضل ) يدلّ على رجحان وأفضلية واستحباب الاعادة جماعة.
الثانية:- ما كان بلسان أنه يجعلها الفريضة - أي المكلّف -، كما رواه الصدوق(قده) بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام:- ( في الرجل يصلي الصلاة وحده ثم يجد جماعة، قال:- يصلّي معهم ويجعلها الفريضة إن شاء )[2].
الثالثة:- ما كان بلسان أنّ الله عزّ وجلّ يختار أحبّها إليه، من قبيل ما رواه أبو بصير:- ( قلت لأبي عبد الله عليه السلام:- أصلي ثم أدخل المسجد فتقام الصلاة وقد صليت، فقال:- صلّ معهم يختار الله أحبهما إليه )[3].
إذن هذه الطواف الثلاث اتفقت على مشروعيّة الاعادة - يعني تبديل الامتثال بامتثالٍ آخر - وإن اختلفت في لسان بيان هذا المطلب بأنّ الفرد الثاني أفضل أو أن المكلّف يجعل الثاني هو الفريضة أو أنّ الله عزّ وجلّ يختار أحبّهما إليه.
هذه هي المشكلة، فإذن كيف تجوز الاعادة جماعةً بعد فرض سقوط الأمر بالإتيان بالامتثال الأوّل ؟
قد تذكر بعض الأجوبة في هذا المجال:-
الجواب الأوّل:- ما ذكره الشيخ الطوسي(قده)[4] من أنّه إذا كان المكلّف يصلّي فرادى ثم في أثناء الصلاة وقبل أن يتمّها انعقدت جماعة فيجعلها جماعةً، فالركعة الثالثة مثلاً يأتي بها جماعة وإن وقعت الأولى والثانية فرادى.
إذن بناءً على رأي الشيخ الطوسي تكون المسألة أجنبية عن مسألة تبديل الامتثال بامتثالٍ آخر وإنما هي ناظرة إلى قضيّة أخرى.
إن قلت:- إنّ هذه الطريقة لم يقل بها فقيه - وهو أن المنفرد يقلب صلاته المنفردة إلى جماعة في الأثناء - فكيف يقول الشيخ الطوسي هكذا ؟!
قلت:- إنَّ المسألة ليست مسألة تقليد وأنّه ماذا يقول الفقهاء، وإنما بحثنا الآن هو بحثٌ اجتهاديٌّ وأنّ الرواية على ماذا تدلّ، إنّها تدلّ في نظر الشيخ الطوسي على هذا المطلب وهو أن من كان يصلّي فرادى يقلبها جماعة إذا حضرت الجماعة، أمّا أنّ هذا يلتزم به الأصحاب أو لا فهذه قضيّة ثانية، ككثيرٍ من الروايات التي جاءت وهي تدلّ على مداليل لا يلتزم بها الأصحاب، فما يُصنَع هناك يُصنَع هنا.
وعلى أيّ حال الرواية أجنبية عمّا نحن بصدده في نظر الشيخ الطوسي(قده).
وفيه:- إنّه ربما يساعد على ما ذكره(قده) التعبير بكلمة ( يصلّي )، فمثلاً الرواية الأولى ورد فيها:- ( سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلّي الفريضة ) فعبّر بــ(يصلي ) ولم يعبر بــ( صلّى ) وقد قرأنا في النحو أنّ ظاهر المضارع هو الحالية دون المضيّ فظاهر ( يصلّي ) هو الممارسة الفعليّة، فالتعبير بالفعل المضارع ربما يساعد على رأي الشيخ الطوسي.
ولكن بقيّة تعابير الرواية أو غير ذلك من الروايات لا يساعد على ذلك، فإنه مثلاً عبّر في رواية عمّار هكذا:- ( الرجل يصلّي الفريضة ثم يجد قوماً يصلّون جماعة أيجوز أن يعيد ) أي يعيد الصلاة، بينما المناسب على رأي الشيخ الطوسي أن يعبّر بتعبيرٍ آخر كـ ( يدخل ) أو ( يَعدِل ) أو غير ذلك لا أن يعبّر بكلمة ( يعيد ) فــ( يعيد ) بمعنى أنّه انتهى من الصلاة السابقة.
فإذا فرض أنّ في كلمة ( يصلي ) الذي هو فعل مضارع نحو ظهورٍ في أنّه مشغولٌ بالفعل لكن هذا الظهور لابدّ من رفع اليد عنه بقرينة الظهور الأقوى بعد ذلك وهو ( أيجوز أن يعيد الصلاة ... ؟ )، فهناك نفّسر ( يصلي الفريضة ) على ضوء ( أيجوز أن يعيد ) بــ ( صلّى )، وهذا استعمال لا بأس به في مقام السؤال، فالتعبير هو بالمضارع ولكن المقصود هو حالة المضيّ.
إذن بقيّة تعبير الرواية لا يساعد على ما ذكره الشيخ الطوسي(قده).
مضافاً إلى أنّه في الرواية الثالثة ورد هكذا:- ( قلت لأبي عبد الله عليه السلام:- أصلّي ثم أدخل المسجد ) وهذا واضحٌ في أنّه قد أكمل صلاته الفرادى وإلا فلا يحتمل أنّه كان يصلّي صلاة الفرادى في الطريق.
فإذن ما ذكره الشيخ الطوسي(قده) بعيد.
الجواب الثاني:- ما أفاده الشيخ العراقي(قده)[5] مبنياً على رأيه السابق، فإنه بناءً على أنّ الواجب هو خصوص المقدّمة الموصلة فيمكن أن تكون الموصلة هي الثانية دون الأولى باعتبار أنّ التي يختارها الله عزّ وجلّ هي الثانية فتصير الثانية هي الموصلة، فهي الواجبة دون الأولى، وهذا معناه أنّ الامتثال سوف يتحقّق بالثانية لأنّها هي التي يختارها الله تعالى والأولى ليست امتثالاً وإنما نعدها امتثالاً على مستوى الظاهر فإنّه قد أتى بالمتعلّق فنحن نقول كمتشرعةٍ إنّه امتثل الأمر تمسّكاً بالظواهر، ولكنه بالنظرة الإلهيّة الدقيّة هو لم يمتثل لأنّ الواجب هي الصلاة الموصلة وهي الثانية.
فحينئذٍ بناءً على هذا لا يوجد إشكالٌ على هذه الروايات إذ الامتثال يكون بالصلاة الثانية دون الأولى، والأولى إنّما نعدّها امتثالاً على المستوى الظاهري وبنظرتنا السطحيّة الظاهريّة.
وفيه ما أشرنا إليه سابقاً من بطلان المبنى:- فإنّا ناقشنا سابقاً بمناقشتين:-
الأولى:- إنّ الصلاة ليست من الواجبات المقدّميّة وإنّما هي من الواجبات النفسيّة، فربط مسألتنا بمسألة مقدّمة الواجب لا معنى له.
وإذا قلت:- أوليست الصلاة وجبت لتحصيل المصلحة ؟
قلت:- هذاصحيح، ولكن المصلحة لم تنشغل بها العهدة ولم تجب على المكلّف، فنحن لسنا مكلّفين بالمصالح والأغراض الإلهيّة، بل نحن مكلّفون بما أوجبه الله تعالى علينا، فحينما قال ( صلِّ ) فالصلاة واجبة أمّا تلك المصلحة فليست واجبة علينا ولم تنشغل بها ذمتنا، فلا يصدق على الصلاة أنّها مقدّمة الواجب.
الثانية:- لو سلّمنا أنّ الصلاة مقدّمة للواجب، فالواجب - الذي هو ذو المقدّمة - هو المصلحة، فالصلاة تكون مقدّمة للمصلحة لا أنها مقدّمة لاختيار الله عزّ وجلّ فإنّ اختياره ليس واجباً علينا فإنّ هذا لا يحتمله أحد.
إذن ما ذكره الشيخ العراقي(قده) لا يمكن الأخذ به.
الجواب الثالث:- ما ذهب إليه السيد الخميني(قده)[6] ومحصّله:- إنّ المورد ليس من تبديل الامتثال بالامتثال بل من تبديل فردٍ بفردٍ آخر ومصداقٍ بمصداقٍ آخر.
والفارق بينهما أنّه في الامتثال بعد الامتثال يفترض وجود أمرٍ فإنّ الامتثال فرع الأمر، فإذا تحقق متعلّق الأمر في الامتثال الأوّل فلا أمر فلا يمكن الامتثال الثاني، فالامتثال الثاني لا يمكن لأنّ الامتثال فرع الأمر وقد سقط الأمر بالامتثال الأوّل فإذن لا يمكن الامتثال بعد الامتثال.
ولكن في تبديل المصداق بمصداقٍ آخر يمكن ذلك، فإنّ التبديل لا يتوقّف على وجود الأمر وإنما الذي يتوقّف على ذلك هو الامتثال.
ولتوضيح مقصوده نقول:- إنَّ تبديل الامتثال بامتثالٍ آخر لا يمكن لما أفاده(قده) لأنّ الامتثال فرع وجود الأمر وقد سقط الأمر بالامتثال الأوّل فلا يمكن الامتثال الثاني..
وأمّا تبديل المصداق فيمكن أن نقول هو قضيّة عقلائية، كما لو فرض أنّ المولى قال لي ( جئني بطعام ) وأنا جئت له بطعامٍ جيّدٍ ووضعته أمامه ولكنّه كان مشغولاً فهنا الأمر قد سقط، ولكن جاء شخصٌ آخر بطعامٍ أطيب، ففي مثل هذه الحالة هل يمكن عقلائياً أن أرفع الطعام الأوّل وأضع الطعام الثاني له ؟ إنّه يمكن ذلك ولا أحد يقول بعدم إمكانه، وهذا ما يعبّر عنه بتبديل مصداقٍ بمصداقٍ آخر وهو لا يتوقّف على وجود الأمر.
فإذا أردنا أن نوضح مقصوده بهذا الشكل فما أفاده يكون وجيهاً آنذاك.