36/11/24


تحمیل

الموضوع: الأصول العمليّة / قاعدة الميسور.

ذكرنا كلام صاحب الكفاية(قدس سره) في الكفاية، وقلنا أنه نُسب إليه أنه يذهب إلى الاحتمال الأول في تفسير الحديث الشريف، وهو أن مفاده النهي وإنشاء للحكم وليس إخباراً، وإنما هو إنشاء ونهي ابتدائي. قلنا: أن نسبة هذا الرأي له ليست واضحة؛ لأنه ناقش في دلالة هذا الحديث، واحتمل أن المراد بالحديث هو ما نقلناه عنه، وهو عدم سقوط الميسور بما له من الحكم الذي ـــــــــ هذا المعنى ـــــــــ يستلزم شمول هذا الحديث للواجبات وللمندوبات، أي شيء كان هو الحكم السابق، الرواية تدل على عدم سقوط ذلك الحكم بتعذر بعض الأجزاء، فيبقى الحكم كما كان في السابق، وجوباً، أو ندباً، وبناءً على هذا؛ حينئذٍ لا يتعيّن أن نقول أنه يذهب إلى الاحتمال الأول؛ لأنّ هذا الذي ذكره ينسجم مع الاحتمال الثالث، وحتى مع الاحتمال الثاني أيضاً، تكون الجملة خبرية محضة تُخبر عن عدم السقوط، إما عدم سقوط الحكم، أو عدم سقوط الميسور عن العهدة، على كلا التقديرين، هذا أمره راجع إلى الشارع، فهي تخبر عن عدم السقوط. ومن الواضح أن الإخبار عن عدم السقوط يعني الإخبار عن بقاء ذلك الحكم في العهدة، فإذا قلنا بقاء ذلك الحكم وتجاوزنا المشكلة السابقة؛ حينئذٍ تشمل الواجبات والمستحبات، إذا قلنا بقاء الميسور في العهدة هنا؛ حينئذٍ قد يقال بأن هذا يوجب الاختصاص بالواجبات، ولا يشمل المستحبات؛ لأن العهدة تناسب الوجوب ولا تناسب الاستحباب. لكن على كل حال لا يتعيّن أن يكون صاحب الكفاية(قدس سره) قد ذهب إلى الاحتمال الأول، فنسبة الاحتمال الأول إليه ليست واضحة.

الذي يُلاحظ على الاحتمال الأول: النهي لابد أن يتعلق بفعل المكلف، وما يكون داخلاً تحت اختياره وجوداً وعدماً؛ حينئذٍ يُعقل تعلق النهي به، أما ما لا يكون فعلاً للمكلف، وما لا يكون داخلاً تحت اختيار المكلف؛ حينئذٍ لا يُعقل تعلق النهي به، وفي المقام حرف السلب دخل على السقوط مما يعني أن النهي يتوجه إلى السقوط إذا فسّرنا الحديث بالنهي الابتدائي، ومن الواضح أن السقوط ليس فعلاً للمكلف، سواء قلنا أن المراد به هو سقوط الحكم، أو سقوط الميسور عن العهدة، على كلا التقديرين، سقوط الحكم وعدمه، سقوط الميسور في العهدة وبقاء الميسور في العهدة، هذه أمور ترتبط بالشارع، المكلف ليس قادراً عليها أصلاً، ليس قادراً على إبقاء الحكم أو سقوطه، هذه أمور ترتبط بالشارع وليست أفعالاً للمكلف، وبالتالي لا تقع تحت اختيار المكلف، فلا معنى لتعلق النهي بها.

نعم، لو كان حرف السلب داخلاً على الإسقاط، أمكن أن يقال يُفترض تعلق النهي به، كما إذا قُرأت العبارة(لا يُسقَط الميسور بالمعسور) فيكون متعلق النهي هو الإسقاط، والإسقاط غير السقوط، الإسقاط يمكن أن يقال بإمكان تعلق النهي به، ونفس الكلام يقال إذا كانت الرواية كما هو الموجود في المصدر على ما نُقل، أن الجملة ليست هي(الميسور لا يسقط بالمعسور)[1] ، وإنما الجملة هي(لا يُترك الميسور بالمعسور)، فالنهي يكون متوجهاً إلى ترك المعسور، وترك المعسور مقدوراً للمكلف، فيمكن تعلق النهي بترك المعسور، لكن لا قراءة(يُسقَط) يمكن الالتزام بها، لوضوح أنها خلاف الظاهر جداً، ولا هذه القراءة أيضاً، فالظاهر أنها غير ثابتة، المعروف والمشهور أنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، ومن هنا يكون حمل النفي في هذه الفقرة على أنه نهي محض ونهي ابتدائي يكون خلاف ظاهر هذه الجملة.

هذا مضافاً إلى أن أصل حمل الجملة على النهي بهذا الشكل كما يقوله الاحتمال الأول لا موجب له بعد إمكان حملها على معناها وعلى ظهورها الأولي، هي جملة خبرية، و(لا) نافية، فتُحمل على كونها جملة خبرية، فتأويلها وحملها على النهي الابتدائي لا موجب له بعد إمكان حملها على الإخبار وإبقاء النفي على واقعه وظاهره، وهذا أمر ممكن كما يُفهم من الاحتمالين الآخرين، أن يكون النفي نفياً باقياً على ظاهره ولا داعي حينئذٍ لرفع اليد عن هذا الظاهر وتفسيره بتفسير هو خلاف الظاهر بأن نفسّر النفي بالنهي، هذا لا موجب له إلا إذا اضطررنا إلى ذلك لا بأس، لكن حينما لا نضطر إلى ذلك كما هو محل الكلام؛ حينئذٍ لا داعي لهذا الحمل ولا داعي لاستظهاره من هذه الجملة. هذا بالنسبة للاحتمال الأول.

أما إشكال صاحب الكفاية(قدس سره) على هذا الاحتمال،[2] وهو التنافي بين ظهور الجملة في الشمول للمستحبات من جهة، وبين ظهور لا يسقط في النهي والوجوب والإلزام؛ لأن مقتضى ظهور(لا يسقط) في الإلزام هو اختصاصه بالواجبات؛ لأن المستحبات لا إلزام فيها، مقتضى شمول الحديث للمستحبات هو أن لا يُراد الإلزام ب(لا يسقط)، هذان ظهوران متنافيان، ويُستشعر من عبارته في البداية ترجيح ظهور الرواية في الشمول للمستحبات، فكأنه يقول لابد من رفع اليد عن الظهور الثاني.

بناءً على الاحتمال ــــــــــ لو سلّمنا الاحتمال الأول ــــــــ هذا الإشكال هل هو وارد أو لا ؟

يمكن الجواب عنه بأن يقال: أن شمول الرواية للمستحبات إنما هو بالإطلاق، ليس لدينا شيئاً أكثر من الإطلاق، لفظ(الميسور) مطلق أعم من أن يكون واجباً، أو مستحباً، ولا موجب لتقييده بخصوص ما إذا كان واجباً. إذن: هو نتيجة إطلاق الموضوع(الميسور)، فشمول الرواية للمستحبات ناشئ من إطلاق لفظ(الميسور).

في محله يُذكر أنه إذا تعارض ظهوران من هذا القبيل، يعني الموضوع له ظهور، والمحمول له ظهور آخر يكون معارضاً لظهور الموضوع، هناك ذُكر بأنه يقدم ظهور المحمول على ظهور الموضوع، بمعنى أن المحمول يُجعل ظهوره قرينة على التصرف في الموضوع وتقييده وحمله على ما لا ينافي ظهور المحمول، لعلّه من هذا القبيل ما ذكره الشيخ في بعض المباحث أنّ جملة(لا تضرب أحداً)[3] ظهور الضرب في كونه ضرباً مؤلماً للمضروب يستدعي تقييد (أحد) بخصوص من يتألم بالضرب، فلا تشمل من لا يتألم بالضرب، لابد من تقييده بهذا الشكل، وإن كان(أحد) يشمل من يتألم بالضرب ومن لا يتألم، لكن الضرب لمّا كان ظاهراً في الضرب المؤلم لابد حينئذٍ من تقييد الموضوع وتخصيصه بالنحو الذي يلائم ظهور الموضوع في كونه ضرباً مؤلماً، فلو قيل(لا تضرب شيئاً) هذا يشمل حتى الجماد، لكن ظهور(يضرب) يوجب تقييد الموضوع، دائماً المحمول إذا كان له ظهور يكون قرينة على التصرّف في الموضوع ومنع شموله لما ينافي ظهور المحمول. أيضاً يمكن ــــــــــ على تأمّل ــــــــــ أن نجعل الآية الشريفة من هذا القبيل﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ ، ثم يقول وبعولتهن أحق بردّهن)[4] جُعلت أحقية الزوج بالرد قرينة على التصرف في المطلّقات وحملها على خصوص الرجعيات. من هذا القبيل إذا فرضنا أن دليل الاستصحاب كان عامّاً في حد نفسه، يعني يشمل الشك في المقتضي والشك في الرافع، لكن كلمة (النقض) الواردة في الحديث الشريف تصلح أن تكون قرينة على تقييد هذا الموضوع بخصوص ما إذا كان الشك في الرافع لا ما إذا كان شكاً في المقتضي. الظاهر أنّ هذه قضية مسلّمة، أنّ ظهور المحمول يُجعل قرينة على تقييد الموضوع. ما نحن فيه من هذا القبيل، تعارض ظهوران، (الميسور) له إطلاق يشمل الواجبات والمستحبات بإطلاقه، إذا سلّمنا أن(لا يسقط) ظاهر في النهي، وظاهر في الإلزام الذي بحسب الفرض لا يشمل المستحبات؛ حينئذٍ يُجعل قرينة على تقييد (الميسور) بما إذا كان ميسوراً من واجب لا ما إذا كان ميسوراً من مستحب. هذا يمكن أن يقال في هذا المجال.

بالنسبة إلى الاحتمال الثاني: الاحتمال الثاني يقول لا ننكر كون الجملة للنفي، وكونها جملة إخبارية، لكن هي نفي يُراد به النهي، جملة خبرية يُراد بها الإنشاء، لكنها تبقى جملة خبرية، من قبيل(يعيد الصلاة) ومن قبيل(يسجد سجدتي سهو)[5] .....وأمثال هذه الأمثلة. الاحتمال الثاني نُسب إلى السيد الخوئي(قدس سره) أنه اختار هذا القول، لكن يبدو أنه لم يختر هذا القول ولم يذكره في كلا التقريرين؛ بل لعلّه في أحد تقريريه يظهر منه أنه يختار الاحتمال الثالث. على كل حال، سواء كان يختاره أو لا، هذا الاحتمال يبقى خلاف الظاهر. هذا الاحتمال إنما يُصار إليه في مثل(يعيد الصلاة) وفي مثل(يسجد سجدتي سهو) وأمثال هذه العبائر الذي يكون حملها على أنها خبرية محضة، هذا فيه محذور كونها خلاف الظاهر، باعتبار أنها جملة صادرة من الشارع، والشارع ليس من شأنه الإخبار عن إعادة المكلف أو سجوده سجدتي سهو، أو عدم سجوده، ليس من شأن الشارع الإخبار عن أفعال المكلفين؛ ولذا قالوا أنه حيث أن هذه الجملة خبرية، وليس من شأن الشارع الإخبار عن أفعال المكلفين، نقول أنها جملة خبرية يُراد بها الحكم والإنشاء والنفي أو الوجوب أو ما شاكل ذلك. إذن: إنما يُصار إلى الاحتمال الثاني حينما نواجه شيئاً من هذا القبيل، أما إذا لم نواجه شيئاً من هذا القبيل، إذا كان الإخبار عن هذا الشيء مرتبطاً بالشارع، لا نستطيع القول ليس من شأن الشارع ذلك كما في محل الكلام، (لا يسقط الميسور) هو إخبار عن السقوط، سواء كان سقوط حكم، أو سقوط الميسور عن العهدة، على كلا التقديرين هو أمر مرتبط بالشارع، ومن شأن الشارع أن يُخبر عن سقوط الميسور أو عدم سقوطه، أو أن يخبر عن سقوط الميسور عن العهدة، أو عدم سقوطه عن العهدة، هذا شيء من شأن الشارع وليس شيئاً خلاف شأن الشارع، يعني الموجب الذي جعلهم يحملون(يعيد) على هذا الاحتمال الثاني غير موجود في محل الكلام، الجملة خبرية، إخبار عن السقوط، أو إخبار عن عدم السقوط، لا مشكلة في أن الشارع يُخبر بأن حكم الميسور لا يسقط، الذي مرجعه إلى التعبد ببقائه، أو أن الميسور نفسه لا يسقط عن العهدة، الذي مرجعه إلى التعبد ببقاء الميسور في العهدة، فهذه أمور مرتبطة بالشارع ومن شأن الشارع الإخبار عنها، والجملة ظاهرة في الأخبار ظهوراً أولياً، ولا داعي لرفع اليد عن الظهور الأولي لهذه الجملة وحملها على شيء هو خلاف ظهورها الأولي، هذا إنما نحتاج إليه في مثل (يعيد الصلاة) وفي مثل(يسجد سجدتي سهو)، وأما في محل الكلام فلا موجب لهذا، فتبقى الجملة خبرية على ظهورها الأولي وتدل على المقصود كما سيأتي. فمن هنا يظهر أن أقرب الاحتمالات وأظهرها هو الاحتمال الثالث الذي تقدّم.

الاستدلال بالرواية يمكن تقريبه على كل الاحتمالات الثلاثة، بقطع النظر عن صحة هذا التقريب، أو لا، كما سنتعرض له، لكن ممكن أساساً تقريبه على كل الاحتمالات الثلاثة:

إذا قلنا بأنه نهي، وأن مفاده حكم إلزامي، تارة نقول وجوب الباقي، وتارة نقول النهي عنه؛ حينئذ تكون دالة على وجوب الإتيان بالميسور، (لا يسقط) يعني نهي عن تركه، أو إيجاب للإتيان به، الميسور لا يسقط بتعذر وتعسر بعض معسوره، ما دام بعض الأجزاء مقدوره، فهي لا تسقط، فتكون واجبة، يجب الإتيان بها ويحرم تركها، فتدل على وجوب الإتيان بالميسور عند تعذر بعض الأجزاء.

وعلى الاحتمال الثاني أيضاً نفس الكلام؛ لأنها إخبار يُراد به الإنشاء، نفي يراد به النهي، فإذن: بالنتيجة هناك نهي عن ترك الميسور بلسان عدم الإسقاط أو عدم السقوط، بأن هذا يُنهى عن سقوطه، أو إسقاطه، فأيضاً يدل على لزومه بالنتيجة، الميسور لا يسقط بالمعسور، بمعنى أن الميسور لا يسقط، والغرض منه النهي عن سقوطه والإلزام بالإتيان به؛ فحينئذٍ يجب الإتيان به، وتعذر بعض الأجزاء لا يسقطه عن ذلك؛ بل يجب الإتيان بالميسور.

على الاحتمال الثالث المسألة أيضاً واضحة باعتبار أن إخبار الشارع عن عدم سقوط حكم الميسور مرجعه إلى التعبد ببقاء حكمه، فإذا كان الحكم هو الوجوب، فيكون الإتيان بالميسور واجباً، وإذا كان حكمه الاستحباب يكون مستحباً. إذن: تدل على قاعدة الميسور في الواجبات، وإذا كان مرجعه إلى الإخبار عن عدم سقوط نفس الميسور عن العهدة أيضاً هي تدل على الواجبات بلا إشكال، بمعنى أن الميسور باقٍ في عهدة المكلف، وقلنا أنه يقال أن المناسب للعهدة هو الواجبات؛ لأن المستحبات لا تناسب الواجبات؛ حينئذٍ يكون هذا دالاً على المقصود؛ لأننا نريد أن نثبت وجوب الميسور في الواجبات، أن المركب الواجب إذا سقطت بعض أجزائه، هل يجب الإتيان بالباقي، أو لا ؟

الاستدلال بالرواية على قاعدة الميسور يواجه إشكالاً مطروحاً في كلامهم: وحاصله هو احتمال أن الرواية مختصة بغير محل الكلام، يعني بالعام الانحلالي إذا تعذر بعض أفراده من قبيل(أكرم كل عالم)، أو(أكرم كل العلماء) ولا تشمل المركب ذا الأجزاء إذا تعذرت بعض أجزائه، على هذا الاحتمال؛ حينئذٍ تكون أجنبية عن محل الكلام. هذا الاحتمال طرحه صاحب الكفاية(قدس سره) [6] وهو الإشكال الأول الذي أورده على الاستدلال بالرواية في محل الكلام، لكنه لم يذكر وجه هذا الاحتمال ومنشأه. هناك أمر آخر أيضاً مذكور في بعض الكلمات، وهو احتمال أن تكون الرواية مجملة، ولا نعلم أنها ناظرة إلى العام الانحلالي بلحاظ أفراده حتى تكون أجنبية عن محل الكلام ؟ أو أنها ناظرة إلى المركب ذي الأجزاء بلحاظ أجزائه حتى يصح الاستدلال بها في محل الكلام؟ بحيث لا يمكن ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر، فتكون مجملة، وبالتالي لا يصح الاستدلال بها. على كلا الاحتمالين لا يصح الاستدلال بالرواية.

بالنسبة للاحتمال الأول الذي طرحه صاحب الكفاية(قدس سره)، منشأ احتمال الاختصاص بالعام الانحلالي بلحاظ أفراده هو مسألة أن السقوط في الرواية مسند ومنسوب إلى نفس الميسور، لكن لا يمكن الالتزام بهذه النسبة وهذا الإسناد؛ لأن الميسور هو أجزاء من المركب وهو فعل المكلّف، فرضاً ركوع وسجود...... من الصلاة، ولا معنى لإسناد السقوط إليه؛ بل لا معنى لأن يقول يسقط فعل المكلف، أو لا يسقط فعل المكلف، أصلاً لا يجوز هذا، فلا معنى لإسناد السقوط أو عدم السقوط إلى فعل المكلف، فلابد أن يكون المسند إليه في الحقيقة وما نُسب إليه السقوط أو عدمه هو حكم الميسور، فإذن: في البداية نعترف بأن ظاهر العبارة هو إسناد السقوط إلى نفس الميسور، لكن حيث أن هذا غير ممكن، فلابد من افتراض إسناده إلى حكمه؛ لأنه هو الذي يقبل السقوط وعدم السقوط، حكم الميسور يقبل السقوط ويقبل البقاء، أما فعل المكلف، فلا يقبل السقوط والبقاء؛ حينئذٍ يكون معنى الجملة هو أن حكم الميسور لا يسقط بتعذر المعسور من الأجزاء، حكم الميسور لا يسقط، ومرجع ذلك إلى التعبد ببقاء حكم الميسور، أن حكمه الذي كان ثابتاً قبل التعذر باقٍ. هذ معنى العبارة.

هذا المعنى لا يمكن تطبيقه إلا على العام الانحلالي بلحاظ إفراده ولا يمكن تطبيقه على المركب ذي الأجزاء بلحاظ أجزائه؛ وذلك لأنه بإمكاننا أن نقول بأن الميسور من أفراد العام الانحلالي لا يسقط حكمها؛ بل يبقى، وهذا لا مشكلة فيه، عام انحلالي، سابقاً كان عاماً انحلالياً(يجب إكرام العلماء)، أو (يجب إكرام كل عالم) هذا العالم له وجوب، وذاك العالم له وجوب.... وهكذا، فإذا كان عدد العلماء عشرة، وتعذر إكرام أثنين منهم، باقي الأفراد حكمه السابق هو وجوب إكرامه، ولا ضير في أن نقول أن الحكم الذي كان ثابتاً سابقاً قبل تعذر تلك الأفراد يبقى ولا يسقط، نثبت بعد التعذر نفس الحكم الذي كان ثابتاً قبل التعذر وهو وجوب الإكرام، هذا كان حكمه وجوب الإكرام قبل التعذر، والآن باقٍ كما كان، فيصح أن نقول بأن حكم الميسور من أفراد هذا العام الانحلالي لا يسقط، فينطبق بشكل واضح على العام الانحلالي، لكنه لا يمكن تطبيقه على المركب، وذلك للمشكلة السابقة التي تقدمت مراراً وهي أن ما يثبت بعد تعذر بعض الأجزاء من حكم هو غير الحكم الذي كان ثابتاً للميسور قبل التعذر، الميسور من الأجزاء، ولنفترضها تسعة، كان حكمها قبل تعذر الجزء العاشر هو الوجوب الضمني، بينما حكمها بعد التعذر هو الوجوب الاستقلالي، هذا ليس بقاءً لذاك، وإنما هذا وجوب جديد غير الوجوب الذي كان ثابتاً لها سابقاً؛ وحينئذٍ لا يصح أن نقول أنه يبقى ولا يسقط؛ بل هو قطعاً قد سقط، الوجوب الضمني الذي كان ثابتاً للميسور من الأجزاء قبل التعذر قطعاً سقط بسقوط الأمر بالمركب، فما معنى أن نقول أنه لا يسقط ؟! ولو فُرض وجود وجوب جديد، فهو وجب آخر وليس امتداداً وبقاءً لذلك الوجوب الأول. بينما العبارة تقول لا يسقط؛ بل يبقى، وهذا لا ينسجم إلا مع الكلي وافراده ولا ينسجم مع الكل وأجزائه.