35/11/21


تحمیل
الموضوع:- تنبيهات حديث الرفع / الأصول العملية.
كان الكلام في هذا التنبيه وهو جريان حديث الرفع في الاحكام التكليفية الضمنية او قل في الاحكام الوضعية الانتزاعية من الاحكام التكليفية الضمنية او في الاقل والاكثر في المركبات واجبنا على الاسئلة الثلاثة التي مرت.
طبعا من ضمن صياغات الاسئلة التي مرت هو ان حديث الرفع كيف يجري في الاحكام الوضعية والحال انه يرفع المؤاخذة؟ ــ هذا على مبنى المتقدمين ــ فكيف يجري في الاحكام الوضعية ويرفع الشرطية او المانعية او الجزئية؟ وحتى على مبنى المعاصرين من اسناد الرفع الى الاحكام فالمرفوع هي الاحكام التكليفية وليس الوضعية فكيف يجري في الاحكام الوضعية ويرفع الجزئية او يرفع الشرطية او يرفع المانعية؟ حتى على مبنى المتقدمين فان المرفوع هو المؤاخذة فكيف يرفع الاحكام الوضعية مع ان الاحكام الوضعية ليس لسانها المؤاخذة بل لسانها الوجود واللاوجود والصحة واللاصحة والتمام واللاتمام.
الجواب:- يتضح جواب هذه السؤال مما تقدم من اجوبة الاسئلة الثلاثة وهو ان حديث الرفع هنا ايضا يجري في المؤاخذة فقط ولمن يبني على لحكم التكليفي يجري في الحكم التكليفي فقط اذن هو هنا لرفع المؤاخذة فقط والرفع هنا ليس بمعنى التخصيص انما رفع العزيمة اما لماذا العزيمة بعد ذلك تقتصر على الاقل الباقي؟ فهذا لما تقدم من ضم الادلة الاولية في الاجزاء والشرائط والموانع الى حديث الرفع فينتج هذا المطلب.
نعود الى السؤال الذي ذكرناه امس وهو كيف يضم الادلة الاولية للاجزاء والشرائط والموانع الى حديث الرفع؟ وهو اما اصل عملي ظاهري نظير (ما لا يعلمون)[1] فكيف يكون الاصل عملي في رتبة الادلة الاجتهادية الاولية للاجزاء والشرائط، او بلحاظ بقية الفقرات والقواعد في حديث الرفع فكيف يكون رتبة الادلة الاولية للاجزاء والشرائط في عرض القواعد الثانوية كالحرج والاكراه والنسيان والخطاء؟
الجواب :- انه بالنسبة الى فقرة (ما لا يعلمون) التي هي حكم ظاهري فان هذا الأمر ليس بغريب وان كان صورتا ربما غريب ولكن لباً اذا دققتم ليس بغريب فلنأخذ هذا المثال كي يتضح الوجه الصناعي للمطلب وهذا المثال مذكور في باب العام والخاص وهو اذا شككنا في الشبهة المصداقية للمخصص (كل امرأة تحيض الى الخمسين الا القرشية هي تزيد الى الستين) فاذا شككنا في امرأة انها قرشية اولا فهنا لا يمكن التمسك بالعموم (كل امرأة تحيض الى الخمسين) بمفرده يعني امد يأس المراءة الى الخمسين فاذا شككنا انها قرشية اولا؟ فنتمسك بالعموم فنقول بعد الخمسين يائس. فهنا لا يمكن ان نتسمك بالعموم بمفرده لان الشبهة مصداقية للمخصص فكيف نتمسك بالعموم؟ يقولون هنا ان الاستصحاب العدمي يجري في هذا الموضوع المشكوك وهو كونها قرشية او ليست قرشية فنستصحب العدم الازلي لعدم قرشيتها فاذا جرى استصحاب عدم الخاص وهو عدم قرشيتها يتنقح موضوع العام وهو (كل امرأة تحيض الى الخمسين) فكل عموم في باب العام والخاص ــ كـما نقح في باب العام والخاص ــ موضوعه هو الذي ذكر في لسان الدليل علاوة على ذلك يزاد على موضوعه عدم موضوع الخاص فكل امرأة يأسها الى الخمسين الا القرشية فيأسها الى الستين فالمحمول في الخاص حكم آخر وهو استمرار الحيض الى الستين فالخاص له حكم موضوعه القرشية فهذا الحكم في الخاص وهو امتداد الحيض الى ستين موضوعه القرشية ولكن هذا الموضوع خرج من العام فاذا خرج من العام فان الخاص ليس يتصرف في محمول العام بل ايضا يتصرف في موضوع العام،يعني يكون موضوع العام حينئذ (كل امرأة غير القرشية تحيض الى الخمسين) فصار موضوع العام مركب من جزئين فالجزء الاول كونها امرأة والجز الثاني كونها غير قرشية (أي عدم الخاص) فموضوع العام بلحاظ المراد الجدي قد اخذ فيه قيد زائد على الموضوع بلحاظ المدلول الاستعمالي او التفهيمي سواء كان الخاص متصل او منفصل فاذا شككنا في مصداق الخاص فهنا الاستصحاب ينقح الموضوع فيقول هذه ليست بقرشية فيدرج الاستصحاب المرأة في موضوع العام فاذا ادرج الاستصحاب المرأة في موضوع العام حينئذ تاتي مرحلة التمسك بالعام لان العموم اللفظي وان كان دليل اجتهادي الا انه غير ناظر الى الموضوع فالادلة الاجتهادية وان كانت مقدمة الا انها غير ناظرة لموضوعها أي لموارد تواجد الموضوع وانما هي بنحو الشرطية أي اذا كانت امرأة فيأسها خمسين اما اين هي المرأة؟ او اين هو الرجل؟ او اين المردد بين الرجل والمرأة؟ فذلك بحث آخر، فهي ليست بصدد بيان اماكن تواجد الموضوع،فالدليل الاجتهادي اصلا لا نظر له لموضوع نفسه فاذا كان الدليل الاجتهادي لا نظر له لموضوع نفسه فهو لا يحرز موضوع نفسه لا اثباتاً ولا نفياً،اذن لابد من دليل آخر هو الذي ينقح موضوع العام فهنا صار الوجدان مع الاستصحاب فالوجدان هو كونها (امرأة) وهذا الجزء الاول فالجزء الاول احرز بالوجدان أي الحس والجزء الثاني وهو (عدم كونها قرشية) احرز بالاستصحاب فاذا دققنا النظر فان استصحاب عدم القرشية ليس في رتبة الدليل الاجتهادي لان الاستصحاب في صدد تنقيح الموضوع والدليل اجتهادي في صدد بيان المحمول معلقاً على وجود الموضوع فالأصل العملي يجري في مرحلة والدليل الاجتهادي يجري في مرحلة أخرى ففي مرحلة المحمول الذي يجري الدليل الاجتهادي وفي مرحلة الموضوع الذي يحرز الوجدان بضم الاستصحاب ففي الحقيقة هنا الاستصحاب وهو اصل عملي مقدم رتبة على الدليل الاجتهادي ولكنه مقدم على الدليل الاجتهادي لا لان الاصل العملي اقوى من الدليل الاجتهادي فالأصل العملي مؤخر على الدليل الاجتهادي فاذاً كيف هنا صار مقدم؟
الجواب:- ان الاصل العملي مؤخر عن الدليل الاجتهادي اذا تواردا في مورد واحد في مرتبة واحدة فيكون الدليل الاجتهادي مقدم على الاصل العملي اما اذا كان الاصل العملي يجري في شيء والدليل الاجتهادي يجري في شيء آخر فأي تقديم للدليل الاجتهادي على الاصل العملي؟! فأي صلة بينهما كي نقول ان الدليل الاجتهادي مقدم على الاصل العملي؟! كما في المثال السابق فان الدليل الاجتهادي يجري في المحمول فيقول ياس المرأة عند الخمسين فهو يبين المحمول فقط وليس بصدد بيان ومعالجة الموضوع فالدليل الاجتهادي ناظر الى المحمول بينما هنا الاصل العملي ناظر الى نفس تواجد الموضوع فهما ليسا في رتبة واحدة وليسا في مورد واحد وحيث ان مورد الاصل العملي مقدم على مورد الدليل الاجتهادي في هذا المثال فمورد الاصل العملي الموضوع ومورد الدليل الاجتهادي المحمول فحيث ان مورد الاصل العملي مقدم رتبة على مورد الدليل الاجتهادي تقدم الاصل العملي على الدليل الاجتهادي لان الموضوع دائما هو الذي يتحكم في المحمول لا العكس فاذا وجود الموضوع وجد المحمول واذا انتفى الموضوع انتفى المحمول فالذي يؤثر في المحمول نفيا واثباتا هو الموضوع بمقتضى صياغة القضية القانونية وهو ان الموضوع مقدم رتبتاً على المحمول. وهذا الذي ذكرناه ليس بين الاصل العملي والدليل الاجتهادي فقط بل حتى بين دليل اجتهادي ودليل اجتهادي آخر او بين اصل عملي واصل عملي آخر فالكلام غير منحصر بالعلاقة بين الدليل الاجتهادي والاصل العملي،اذن كقاعدة عامة نقول ان الدليل الذي في الموضوع يقدم على الدليل الذي في المحمول لانه طبيعة الموضوع مقدمة رتبة على المحمول، ويعبر عن الاصل العملي الذي يجري في المحمول صناعيا بالأصل الحكمي ويعبر عن الاصل العملي الذي يجري في الموضوع بالأصل الموضوعي ودائما الاصل الموضوعي العملي حتى لو كان الاحتياط فانه يقدم على الاستصحاب الذي يجري في المحمول مع ان رتبة الاستصحاب مقدمة على الاحتياط مع ان رتبة الاصل العملي الشرعي مقدمة على رتبة الاصل العملي العقلي فكيف يتقدم الاحتياط او كيف يتقدم الاصل العقلي؟ نقول صحيح مقدم ولكن هذا فيما لو جريا في مورد واحد في رتبة واحدة.
فاذا الادلة طراً سواء كان ادلة اجتهادية او اصول عملية او ادلة اجتهادية مع اصول عملية اذا كان مورده مؤخر فهو مؤخر واذا كان الدليل ضعيف ــ مهما كان ضعيفا ــ ومورده مقدم سيكون مقدم، فالمورد في الدليل اسبق للرعاية من شيء آخر،هذا في بحث القضاء وتعارض البينات وفي بحث التعارض الفقهي بين طوائف الروايات وتوجد بحوث عديدة،فهذه الضابطة الصناعية من المبادئ الاحكامية فهذا مبحث يتحكم بالادلة الاجتهادية ويتحكم في الاصول العملية ويتحكم في العلاقة بين الادلة الاجتهادية والاصول العملية ويتحكم في مباحث عديدة حتى يتحكم في القواعد فقهية مع بعضها البعض لانه من المبادئ الاحكامية ومرارا مر بنا ان الاصول تارة يبحث فيه عن طريقية الطريق ودليلية الدليل وتارة يبحث عن المبادئ الاحكامية والمبادئ الاحكامية مباحث ثبوتية هي نفسها التي يعبر عنها بعلوم القانون الحديث اصول القانون او اصول الحكم او مقاصد الشريعة.
اذن الدليل الذي مورده مقدم يقدم على الدليل الذي مورده مؤخر ولكن اذا كان الأمر هكذا فما معنى ان الدليل الاجتهادي مقدم على الاصل العملي في المورد الواحد في الرتبة الواحدة؟
الجواب:- تقدم الدليل الاجتهادي على الاصل العملي اذا كانا في مورد واحد هو تقدم في لب المحمول فالمحمول في الدليل الاجتهادي مقدم على المحمول في الاصل العملي لان المحمول في الدليل الاجتهادي فيه حكاية و كاشفية بينما المحمول في الاصل العملي اما وظيفة بحته او في بعض الاحيان مشوبة بالكاشفية.
اذن ضابطة تقديم الدليل على الدليل الاخر ما هي؟
الجواب:- توجد اكثر من ضابطة ولكن اثنان منهما اهم:
الاولى:- وهي الاولُ رعايتاً وهي ملاحظة مورد الدليلين فيقدم الدليل الذي مورده مقدم ويؤخر الدليل الذي مورده مؤخر وان كان في المحمول عكس ذلك.
الثانية:- اذا انتفت الضابطة الاولى يعني ما لو كان موردهما واحد فتاتي نوبة محمول الدليلين فالاجتهادي مقدم على الاصل العملي والوجداني مقدم على الدليل الاجتهادي الظني المعتبر والاصل العملي ايضا فيما بينهما مرتب في المحمول بل نفس الدليل الاجتهادي بعضه مقدم على بعض محمولا،فهنا تاتي قوة الدليل يعني من ناحية المحمول والحجية،فهذا المبحث اذا ضبطه الباحث فانه يعالج اعقد بحوث التعارض في كل الابواب الفقهية، أي يراعا اولاً مورد الدليلين ثم يراعا محمول الدليلين.
فهذا المثال في الاستصحاب صار واضحا لان انضمام الاستصحاب الى العموم هو انضمام موضوع الى محمول او انضمام متقدم الى متأخر فليس انضمام في رتبة واحدة كي يستشكل علينا فاستصحاب عدم القرشية جرى في الموضوع والعموم جرى في المحمول كل امرأة غير قرشية تحيض الى الخمسين،اذن هذا عبارة عن انضمام دليل الموضوع الى دليل المحمول وهذا امر طبيعي لانهما ليسا في رتبة واحدة فهذا انضمام طولي وليس انضمام عرضي. اذن هذا المثال استوضحناه وسياتي في الجلسة اللاحقة لتوضيح المطلب في المقام في حديث الرفع.


[1] أي قاعدة البراءة.