35/11/28


تحمیل
الموضوع:- تنبيهات حديث الرفع - الأصول العملية.
كان الكلام في جريان حديث الرفع في احكام الوضعية وكان هناك تتمة نسيت ان اذكرها وهي ليست للتنبيه السابق بل للتنبيه في البحث عن حقيقة المرفوع وحقيقة اسناد الرفع وهذه التتمة مهمة جدا وتعتبر كنتيجة لما مر بحثه وهي انه قد مر بنا ان المشهور بين المتقدمين ان المرفوع المؤاخذة بينما متاخري الاعصار فانهم يقولون ان المرفوع هو الحكم،اذن هناك فرق بين القولين والنتيجة ان هذه العناوين الست والقواعد الثانوية كما يذكر المشهور ويذكر صاحب الكفاية هي على كلا القولين تكون قيود شرعية عامة في كل حكم سيما الاحكام التكليفية فإنها لها قيود خاصة يعني آتية من الدليل الخاص مثل ﴿اقم الصلاة لدلوك الشمس الى غسق الليل وقرآن الفجر﴾[1]فدلوك الشمس قيد شرعي خاص لصلاة الظهر وكذا غسق الليل قيد شرعي خاص وكذا قرآن الفجر فان صلاة الصبح أُنيطت بنفس الفجر ولم تنط بتبين الفجر فهذه كلها قيود شرعية خاصة للاحكام وكذا الحكم الوضعي له قيود مثل﴿اوفوا بالعقود﴾[2]فوجوب الوفاء حكم وضعي مقيد بتمام العقد فاذا تم العقد تَرَتَبَ وجوبُ الوفاء به ومثل ﴿احل الله البيع﴾[3]. المهم ان هناك قيود شرعية ولكن تارة تثبت بالادلة الخاصة وتارة بالادلة العامة وقد تقدمت امثلة القيود الشرعية بالادلة الخاصة اما القيود الشرعية بالادلة العامة فمثل (رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ[4]) فالبلوغ قيد شرعي عام ومثل (رفع القلم عن المجنون حتى يفيق[5]) فهناك ادلة على القيود الشرعية العامة وهي ادلة عامة فإنها لا تختص بحكم دون حكم وهناك ادلة على القيود الشرعية وهي ادلة خاص وايضا من الادلة على القيود الشرعية العامة حديث الرفع فحديث الرفع بقواعده الست يبين ان الاحكام الشرعية مقيدة بعدم الحرج وبعدم الاضطرار وبعد الاكراه وبعدم النسيان وغيرها من القيود الثانوية الست، اذن هذه القواعد الست قيود شرعية وليست قيود عقلية الى هذا المقدار الأمر وفاقي بين مشهور المتقدمين ومتأخري الاعصار ولكن الخلاف بينهم في ان هذه القيود الشرعية لأي مرتبة من مراتب الحكم؟
الجواب:- جماعة من الاعلام قديما وحديثا ومنهم النائيني (قدس) واغلب تلاميذه ومنم السيد الخوئي (قدس) واغلب تلاميذه تبعا لتبنيهم ان الرفع للاحكام فقد ذهبوا الى ان هذه القيود الشرعية الخمس عدا البراءة[6] هي قيود لأصل فعلية الحكم مثل الزوال ومثل الاستطاعة للحج فقالوا ان هذه قيود في اصل الفعلية وهذا يعني انها دخيلة في الملاك فهذا معنى كون القيود دخيلة في اصل فعلية الحكم والشيخ النائيني (رحمه الله) قَرَرَ انَّ القيد اذا كان شرعيا يعني انه دخيل في الملاك فلا معنى لكون القيد شرعي الا انه دخيل في الملاك فكأنما الميرزا النائيني (رحمه الله) لا يصور ثبوتا قيد شرعي غير دخيل في الملاك وغير دخيل في اصل الفعلية والسيد الخوئي (قدس) تماماً اخذ بهذا المبنى لأستاذه فمثلا على مبناهم الحرج قيد شرعي فعند الحرج اصلا الملاك غير موجود وكذا الاضطرار قيد شرعي فعند الضرر اصلا مشروعية وملاك غير موجود،فتتذكرون ان هذا القول لمتأخري الاعصار في القواعد الخمس ما عدا البراءة فقد ذهبوا الى التخصيص والمخصص معناه انه قيد للفعلية وقيد للملاك وقيد للمشروعية فعدم الاكراه قيد في الملاك وعدم الحرج قيد في الملاك وهكذا باقي القيود في حديث الرفع فهذه كلها قيود شرعية عامة مثل البلوغ والعقل ومثل الزوال،فهذا هو قول غير المشهور، اما بناء على قول المشهور فان هذه القيود الستة قيود شرعية فان الشارع قيد الاحكام بها ولكن ليست قيود شرعية في مرتبة اصل الفعلية للحكم بل هي قيود شرعية اما لمرحلة الفعلية التامة او لمرحلة الفاعلية او لمرحلة التنجيز.
ان قلت:- كيف تكون هذه القيود الشرعية قيود لمرحلة التنجيز مع ان مرحلة التنجيز مرحلة عقلية فكيف للشرع ان يتصرف فيها؟
قلت:- نعم ممكن للشرع ان يتصرف بها فلا ينافي كونها قيود شرعية في المراحل العقلية للحكم لما مر من ان المراحل العقلية للحكم يمكن للشارع ان يتصرف فيها عبر الموضوع لا عبر المحمول العقلي فكون المرحلة عقلية يعني محمولها عقلي ولكن يمكن ان يتصرف الشارع في موضوعها كما مر توضيحه سابقا.
اذن هو قيد شرعي ولكن ليس على وتيرة القيود الشرعية التي تكون دخيله في الملاك ــ وهو الغالب في القيود الشرعية ــ مع ان هذه المراحل كالفعلية التامة والفاعلية والتنجيز والامتثال واحراز الامتثال طبيعة قيودها ان تكون عقلية ولكن يمكن للشارع ان يتصرف في الموضوع فيقيد بقيود شرعية، اذن لا يتم ما ادعاه النائيني (قدس) من ان القيود الشرعية لابد ان تكون دخيلة في الملاك، وقد بنا على هذا النائيني (قدس) والسيد الخوئي (قدس) في كل الفقه إلا ما غلبه الارتكاز على التحليل لانه في بعض الاحيان يغلب الارتكاز على النظرية التحليلية التي يتبناها العالم او الباحث فيمشي على ارتكازه وينسى تحليله النظري الذي بنى عليه.
وان كان التقييد الشرعي ينصرف انصرافا اوليا الى مرحلة اصل الفعلية وهذا صحيح لان ظاهر القيد المأخوذ بالدليل انه مأخوذ بالفعلية المقدرة يعني في مرحلة الفعلية ولكن لا يعني هذا انه يمتنع ان يكون القيد الشرعي قيدا في غير الفعلية كما ادعاه النائيني، لذلك في موارد الحرج فان المشهور التزم بالمشروعية فانه وان كان الوضوء حرجي ولكنه مشروع وكذا لو كان الوضوء ضرري وليكن لكنه مشروع لو كان جاهلا بالضرر اما على مبنى النائيني (قدس) يكون هذا الوضوء باطل لانه غير مشروع.
بناء على ما تقدم فان المشهور عندهم غالب[7] القيود الشرعية الخاصة للأدلة الخاصة تكون دخيله في الملاك وغير الغالب ليس دخيل في الملاك مثل الاستطاعة في الحج فان الاستطاعة في الحج عند المتقدمين[8] ارتكازاً قيد شرعي في التنجيز [9] وهو الصحيح وغالب القيود الشرعية للأدلة العامة ليست دخيلة في الملاك كما في القواعد الثانوية الست فإنها ادلة شرعية عامة لقيود شرعية عامة لكنها ليست دخيلة في الملاك، وغير الغالب قيد شرعي عام لدليل شرعي عام لكنه دخيل في الملاك كما في البلوغ والعقل فان المشهور ادعى انهما قيدان شرعيان عامان ولكنهما قيدان في الملاك واصل الفعلية وان كنا لا نوافقهما في ذلك فانا نجعل العقل قيد في الفعلية التامة وليس في اصل الفعلية والمشروعية.
اذن عند المشهور الدليل الشرعي للقيد الشرعي سواء كان عاما او خاصا ممكن ان يكون قيد في الملاك ومرحلة الفعلية الناقصة كما هو الغالب في الادلة الخاصة ويمكن ان يكون قيد لغير مرحلة الفعلية الناقصة كما هو الغالب في الادلة العامة ومن هنا يقول المشهور للشيخ النائيني انه ليس كون القيد شرعي والدليل الدال عليه شرعي دليل على ان القيد قيدٌ في اصل الفعلية.
اذن هذه ضابطة صناعية مهمة وهو ان هناك قيود شرعية ولكن ليست في اصل الفعلية بل قد تكون في مرحلة الفاعلية او التنجيز او غيرها من المراحل العقلية حتى في قاعدة الفراغ والتجاوز فانهما بالدقة قيدان شرعيان ولكن في التنجيز واحراز الامتثال فان الشارع يقول اذا تجاوزت او فرغت فلا يحتاج الى احراز الامتثال بالوجدان والقين ولكن اذا فرغت او تجاوزت فيكفي هذا الامتثال وكذا في لا تعاد فإنها قيد شرعي ولكن ليس في اصل الملاك بل قيد في التنجيز واحراز الامتثال بينما النائيني (قدس) في رايه الثاني والسيد الخوئي والسيد الميلاني جعلوا لا تعاد قيد في اصل الفعلية وهذا عجيب منهم !
اذن لا يغرنك دليل خاص فتقول انه دخيل في اصل الملاك او دليل عام فتقول انه ليس دخيل في الملاك بل يجب ان تلاحظ الشواهد وهذه نكتة نفسية جدا.


[6] أي عدا فقرة (ما لا يعلمون).
[7] هذا امر غالبي وليس ضرورة عقلية.
[8] وان كان المشهور عندهم الاستطاعة قيد شرعي في اصل الفعلية.
[9] بينا ذلك في كتاب الحج المطبوع وذكرنا عليه شواهد عديدة.