35/03/03


تحمیل
الموضوع:المغمى علیه
وصل بنا الكلام في المغمى عليه الى متعمد الاغماء وكما مرّ بنا فان القدماء لايستثنون المغمى المتعمد فقط بل السكران وكل من ارتكب مايزيل العقل اذا كان متعمدا فلا تشمله أدلة العذر لأن نفي القضاء عن المغمى عليه علل في الروايات بقاعدة كل ماغلب الله عليه فالله اولى بالعذر ومرّ ان هذه القاعدة لسان وبيان اخر عن قاعدة الاضطرار
وهذه القاعدة كما مرّ بنا قد تستعمل في ثلاث أنماط ان لم يكن أكثر، فنمط من أنماط القاعدة لأجل رفع تكليف الأداء فان نفس الأداء يرتفع نتيجة العكس، ونمط آخر من انماط القاعدة لأجل رفع الجزء والشرط غير المقدار وابقاء الوجوب في المركب الناقص وبالتالي تكون شبيه لقاعدة الميسور والمعسور فإن نفس التمسك بالقاعدة مرتبط بالحكم والوجوب الأدائي لأجل تصوير وصياغة مرتبة ناقصة ونازلة، والنمط الثالث هو الاستدلال بهذه القاعدة لنفي القضاء وهذا هو الذي بينته الروايات في المغمى عليه
وان جملة من الأعلام استشكلوا بأن الروايات الواردة في هذا النمط الثالث من الاستدلال بقاعدة (ماغلب الله عليه فهو اولى بالعذر) من انه لم يتم منه السند بروايات صحيحة فان هذا الكلام غير مقبول لوجود أسانيد متعددة وصحيحة وحينئذ فهذه الروايات امتنانية فالمضطر يعني انه غير مختار أما مع الاختيار فلاتجري هذه القاعدة
وبعض الأعلام أراد ان يصور ان التمسك بهذه القاعدة هنا هو من باب حكمة التشريع لاعلّة للتشريع حقيقة، ولكن هذه الدعوى لايمكن قبولها فان حكة التشريع اذا اتي بضابطة كما مرت بنا لو اتيت بتعليل غير مقولب منضبط بقالب والاّ فان هذا التعليل ليس حكمة للتشريع بل هو علّة مادية للحكم وبعبارة اخرى هو موضوع فيدور الحكم مداره
ففي المقام تصلح ان تكون هذه القاعدة عنوان للموضوع فيدور نفي القضاء وعدم نفي القضاء مداره فلايمكن ان يصار هو حكمة للحكم فلامعنى لهذا الكلام، وعلى هذا المبنى يتبن ان المزيل للعقل باختيار الانسان لايشمله
صاحب الحدائق وأحد الأعلام الآخرين ذهبا الى ان هذه القاعدة انما تنفي القضاء لأجل العذر والعذر غير عمدي فذهبا الى ان هذا ليس فقط فيما يزيل العقل بل حتى بقية الأعذار كالحيض وماشابه ذلك فلو أوقعت المرأة نفسها في الحيض عمدا فقالا بأن قضاء الصوم والصلاة لاينفى عنها لأن هذا لايكون الاّ عن عمد واختيار فصاحب الحدائق يدعي ان هذا التعليل ليس حاكما فقط على أدلة المغمى عليه بل هو حاكم على كل أدلة الأعذر الاخرى، صحيح ان هذا الدليل وارد في المغمى عليه فقط لكن واضح ان الموضوع هو نفسه لا الأعذار والاعذار انما هي توطئة لتحقق هذا العنوان وحتى النفساء وماشابه ذلك بينما الأعلام الآخرين لم يقبلوا هذ التعليل في المغمى عليه فضلا عن غيره باعتباره حكمة للحكم
الاّ ان الصحيح عدم الالتزام بكلا القولين لأننا بينا سابقا ان هذا التعليل بقاعدة شرعية والقاعدة الشرعية تصلح ان تكون ضابطة وعلّة للحكم وموضع للحكم وليست حكمة للحكم فدعوى المحقق الهمداني غير مقبولة ولكن مع ذلك لانوافق صاحب الحدائق في الحائض والنفساء لأن هذه الحالة التي تعتري المرأة ان لم تعتريها الآن فستعتريها فيما بعد والفرق هو فقط في التقديم والتأخير فالصيح في الحائض والنفساء انها لو اوقعت نفسها في الحيض والنفاس فلايوجب عليها قضاء الصلاة ولاقضاء الصوم أما البقية فنعم، هذا كله من حيث التنظير الصناعي لهذا التحليل
اما الروايات الدالة على وجود هذ التعليل مرت سابقا مثل صحيح علي بن مهزيار أنه سأل أبو الحسن الثالث (عليه السلام) هذه المسالة فقال: لايقضي الصوم ولايقضي الصلاة وكلما غلب الله عليه فان الله أولى بالعذر [1] وهذا تعليل واضح ونص على انه ليس تعليلا لترك الأداء بل هو تعليل واضح لنفي القضاء
وصحيح البختري كذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعت يقول في المغمى قال لما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر[2] وهكذا موثقة موسى بن بكر ومعتبرة الفضل بن شاذان فالروايات عديدة في الباب كلها دالّة على ان نفي القضاء هو لأجل هذه القاعدة فهذا تطبيق آخر لهذه القاعدة كما مرّ بنمط ثالث، فالنمط الأول لأجل رفع نفس وجوب الأداء ورفع الإثم في تركه، والنمط الثاني لأجل رفع الجزء ورفع الشرط كقاعدة الميسور، والنمط الثالث هو نفي القضاء
فالصحيح هو ماذهب اليه القدماء عكس ما ادعي نسبته للقدماء بل ماهو الصحيح من ماذهب اليه القضاء من ان المغمى عليه أو أي مزيل للعقل اذا كان بسوء اختياره لايرتفع عنه القضاء ويجب عليه القضاء سيما ما مرّبنا من ان عدم القضاء هو رخصة لا ان أصل القضاء مستحب في المغمى عليه
ولا على الكافر الأصلي إذا أسلم بعد خروج الوقت بالنسبة إلى ما فات منه حال كفره ، ولا على الحائض والنفساء مع استيعاب الوقت [3] وهذا حكم مسلم تقريبا عند المسلمين كافة وهو ان الكافر لايقضي الصوم ولا الصلاة
إنما وقع الكلام عند الأعلام في تخريج هذا الاجماع وهذه الضرورة بحسب الاستدلال والتحليل الصناعي، ثم انه كان هناك إجماع وضرورة فماهي الحاجة الى الخوض في الاستدلال بأعتبار ان النتيجة هي هي؟
هذا البحث تقدم سابقا وأشرنا اليه وهو ان الحكم في مسألة أو في باب أو في فصل اذا كان ضروريا فهذا لايعني التواني وغض النظر عن البحث في أدلة تلك الضرورة والإجماع فانه قد يأتي جيل لاتكون هذه الضرورة عنده ضرورة، فان الضرورة لها مناشئ فلابد من إحياء مدارسة هذا المنشأ لأن لايغيب هذا المنشأ عن الأذهان
والفائدة الثانية هي ان الضرورة أو البديهة في حكم أو في قاعدة أو في باب تغطي مساحة من البحث أما مازاد على هذه المساحة من الضرورة فلا نعلم ماسيكون حكمه ولكن يمكن معرفة النتيجة بالتنقيب عن أدلة الضرورة وبه يمكن استعلام الشمول لغير الضرورة أو انه يشمل فيكون دليل الضرورة أوسع من الضرورة، وفوائد اخرى كثيرة في البحث عن دليل الضرورة
في المقام ماهو الوجه لهذه الضرورة في عدم تكليف الكافر بالقضاء؟ يوجد في البين قولان:
الأول: رأي يقول عدم لزوم القضاء على الكافرة صياما وصلاة سببه ان الكفار ليسوا مكلفين بالفروع فهو من باب السالبة بانتفاء الموضوع
الثاني: ان الكفار مكلفين بالفروع الاّ انهم لايقضون مافات باعتبار قاعدة الجب فهي تجعل مامضى بالعدم، وهذه القاعدة لاتاتي في مثل المرتد بل ان موردها الكافر الاصلي فقط فملاحظة دليل الضرورة مؤثر
فهنا لابد من البحث حول قاعدتين، القاعدة الاولى: هل ان الكفار مكلفين بالفروع او غير مكلفين بالفروع، القاعدة الثانية: ماهو مؤدى ودائرة قاعدة الجب وماهو مفادها وآثارها
أما القاعدة الاولى وهي تكليف الكفار بالفروع: فالمشهور والمعروف عن علماء الامامية هو تكليف الكفار بالفروع كما انهم مكلفون بالاصول فالمسؤلية ليست على خصوص المسلمين والمؤمنين بل على الجميع
أما المشهور عند علماء الجمهور عكس ذلك حيث قالوا بأن الكفار وقليل من علماء الامامية من ذهب الى عدم تكليف الكفار بالفروع وان القائل بعدم تكليف الكافر بالفروع هو في أحكام العبادات أما المعاملات فهو جانب مدني وتعايشي فليس له صلة منحصرة بالدين، وربما قال بعضهم ان في الأحكام التي أتى بها الاسلام غير مكلفين بها وأما الأحكام التي يحكم بها العقل والفطرة فهم مكلفون بها ولا تنفى المسؤولية فيها عن الكفار
وهناك فرق بين دائرة الدين ودائرة الشريعة فان الدين عبارة عن مجمل المعتقدات ومنه اصول الدين ويشمل الدين أصل أركان الفروع كأصل الصلاة وأصل الصوم وأصل الحج وأصل الجهاد وأصل التولي والتبري فهذه كلها من الدين بينما تفاصيل الفروع هي من الشريعة، فهناك مائز بين دائرة الدين ودائرة الشريعة
فلعل بعض القائلين في التفصيل في نفي التكاليف بالفروع عن الكافر يريدون مايختص به في الشريعة لامايعم الدين فقد يكون هذا التفصيل عندهما
ان الصحيح من هذين القولين الذي نبني عليه هو ان الكفار مكلفون بالفروع مطلقا وفاقا لمشهور القدماء ويستدل على ذلك بوجوه كثيرة:
أول الأدلة: عموم الأدلة ياأيها الناس أو بمن الموصوله لله على الناس حج البت وكثير من الآيات والرويات هكذا، فعموم الأدلة في التشريع لها عموم شامل وليس هناك من موجب لرفع اليد عن تكليف الكفار الاّ ماسيأتي من أدلة مدعاة سيتبين ان هذه الأدلة غير تامة
الدليل الثاني: التعليل الوارد في تشريع أحكام الفروع هي تعليلات مرتبطة بالانسانية والبشرية وليست مرتبطة باسلام أو ايمان البشر ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فحتى الدول الغربية تقر بأنه في العلم الاجتماعي المصلي والعابد يؤمن شره
فالعلّة الموجودة في جملة من الأحكام سواء العبادات أو المعاملات هي ضرورة لسعادة البشر وضرورة لكمال البشر وضروة لسلم البشر وضروة لأمن البشر وضرورة لسلامة البشر وليست لخصوص المسلمين، وهناك وجوه كثيرة لابد من استعراضها