35/11/04


تحمیل
الموضوع:- مقتضى القاعدة الثانوية في المتعارضين / أحكام التعارض المستقر.
الأمر الخامس:- إن المناسب أن يكون المقصود من الموافق أو المخالف ليس ما وافق أو خالف ألفاظ الكتاب الكريم بل يكفي أن يكون الخبر موافقاً أو مخالفاً لروح الكتاب الكريم وإن لم يكن هناك لفظٌ خاصٌ يصدق بلحاظه أن هذا الخبر موافقٌ أو مخالف له . إذن ليس من المهم أن يكون الخبر الحجّة هو الموافق لألفاظ الكتاب الكريم بل يكفي أن يكون موافقاً لروحه وإن لم يكن موافقاً لألفاظه، وهذا المخالف حينما يقال هو زخرفٌ فليس المقصود أنه يلزم أن يكون مخالفاً لألفاظ الكتاب الكريم بل يكفي أن يكون مخالفاً لروحه.
ومثال ذلك بالنسبة إلى الموافق أو المخالف للألفاظ القرآنية واضحٌ، فالقرآن الكريم يدلّ مثلاً على أنّ الطلاق ثلاث مراتٍ فإذا تمّت الثلاث فلا يجوز للزوج أن يتزوجها أو يرجع إليها إلّا أن تتزوج بآخر ثم يطلقها بعد الدخول فيتزوجها آنذاك الزوج الأوّل، هذا ما تدلّ عليه ألفاظ القرآن الكريم، فلو جاءت رواية وقالت إن الزوجة تحرم بالطلاق الرابع أو الخامس أو السادس مثلاً دون الثالث فهذه مخالفة لألفاظ الكتاب الكريم فتكون زخرفاً وباطلاً كما هو واضح.
وأما مثال الثاني:- فقد ورد في الروايات أنّ بعض الطوائف من الناس كانوا حيّاً من الجنّ فإن مضمون هذه الروايات قد لا يخالف لفظاً قرآنياً خاصّاً، فلا توجد في الكتاب الكريم ألفاظٌ تدلّ على بطلان هذا المضمون، ولكنّه يمكن أن نقول إنّ المستفاد من الكتاب الكريم هذا المضمون وإن لم يوجد لفظٌ خاصّ يدلّ عليه، فالمستفاد من ألفاظ قوله تعالى:- ﴿ يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ أنَّ جميع البشريّة هي من ذكرٍ وأنثى لا أنّ البعض من الجنّ وتبدل من الجنّ إلى البشريّة . فإذن هذه الرواية التي تحمل هذا المضمون هي مخالفةٌ لروح الكتاب الكريم وإن لم تكن مخالفةً لألفاظه الخاصّة، وإذا كان في هذا المثال مناقشة فيمكن التفتيش عن أمثلة أخرى وليس المهم هو المثال بل المهم هو أن تكون الفكرة واضحة من خلال المثال.
إذن الخلاصة:- هي أنه يفي في كون الخبر مخالفاً أو موافقاً للكتاب هو أن يكون موافقاً أو مخالفاً ولو بروحه وإن لم يكن موافقاً أو مخالفاً لألفاظه.
ولكن ما هو الدليل على هذا التعميم فإن هذا العميم شيءٌ ظريفٌ ولكنه يحتاج إلى مستندٍ فما هو المستند ؟
والجواب:- قد يقال إنّ مستند ذلك هو الاطلاق - يعني إطلاق الروايات الدالة على أنّ المخالف زخرفٌ - من قبيل صحيحة أيوب بن الحر:- ( سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:- كلّ شيءٍ مردود إلى الكتاب والسنّة وكلّ حديثٍ لا يوافق كتاب الله فهو زخرف )، إنّ هذه الرواية لم تقيّد بالموافقة لألفاظ الكتاب وإنما قالت ( كلّ حديث لا يوافق كتاب الله ) ولم تقل يوافق ألفاظه فنأخذ بإطلاقها.
وفيه:- إنه يمكن أن يقال إنّ عنوان الكتاب الكريم لا يصدق إلّا على الألفاظ بما هي تحتوي على مضامين أمّا نفس المضمون من دون ملاحظة الألفاظ الخاصة فليس هو كتاباً، فلفظ الكتاب مصطلحٌ خاصٌّ بالألفاظ الدالة على المعاني دون نفس المعاني بقطع النظر عن الألفاظ، ولا أقل من الشك في ذلك، يعني إن لم نجزم بهذا الذي ذكرناه فلا أقل من الشك فيه ويكفينا حينئذٍ الشكّ في عدم جواز التمسّك بالاطلاق آنذاك فإن شرط التمسّك بالاطلاق الجزم بصدق المفهوم على المورد المشكوك، فمثلاً لفظ رقبة في ( اعتق رقبة ) لا يمكن التمسّك به بالنسبة إلى الطفل الذي ولد في الساعة الأولى فهل يسمى هذا رقبة عرفاً ؟ إنه مشكوكٌ، وما دام مشكوكاً فلا يمكن التمسّك بالاطلاق، فلا يمكن أن تشير إليه وتقول هذا رقبةٌ والمولى قال اعتق رقبةً ولم يقيّد فإنك لا تستطيع أن تقول هذا رقبة، وهنا كذلك أيضاً فنحن إذا شكنا في أنه هل يصدق على المعاني عنوان الكتاب فنفس الشك يكفينا في عدم جواز التمسّك بالاطلاق.
إن قلت:- إنّ عنوان الكتاب وإن كان لا يصدق على المعاني وإنما يصدق على الألفاظ ولكن إنما يصدق عليها بما هي حاكية عن المعاني فيعود بذلك المدار على المعاني والمضامين والألفاظ يكون دورها دور الطريق إلى تلك المعاني . فعلى هذا الأساس الموافقة تكون للمعاني القرآنية وإن لم تكن هناك موافقة للألفاظ القرآنية.
قلت:- هذا وجيهٌ إذا كانت الدلالة مطابقيّة فاللفظ القرآني إذا كان دالاً على المعنى بالدلالة المطابقيّة فهذا شيءٌ مقبولٌ - يعني أنّ المدار آنذاك على المعاني - أمّا إذا لم تكن المعاني مطابقيّة كما هو المفروض لأنّا نفترض أنه لا يوجد لفظٌ يدلّ بالمطابقة على هذا المعنى فحينئذٍ لا نسلّم بأنّ المدار على المعاني . ومن خلال هذا يتّضح أنّ التمسّك بالاطلاق اللفظي لا يخلو من تأمّل لما أشرنا إليه.
والأجدر التمسك بفكرة مناسبات الحكم والموضوع وذلك بأن يقال:- حينما نطرح مثل هذا الكلام على العرف والعقلاء - يعني ما خالف كتاب الله فهو زخرف - يفهم منه العرف عدم الخصوصيّة للألفاظ ويتعدّى إلى الموافقة والمخالفة للمعاني، وهذا ليس تمسكاً بالاطلاق وإنما هو تمسّكٌ بمناسبات الحكم والموضوع، نظير ما إذا سأل الراوي الامام عليه السلام فأجابه وقال ( اغسل ثوبك من البول ) فإنّ جواب الامام خاصٌّ بالثوب ولكن هل نتعدّى إلى العباءة ؟ نعم نتعدّى إليها، وهل هذا تمسّكٌ بالاطلاق اللفظي ؟ كلّا فإن العباءة ليست ثوباً وإنما هو تمسّكٌ بمناسبات الحكم والموضوع، ومقامنا من هذا القبيل فالتعميم إذن يمكن إثباته من خلال مناسبات الحكم والموضوع دون الاطلاق اللفظي.
ومما يمكن أن يؤيد به أصل التعميم - وليس نكتة التعميم - وأنه تكفي الموافقة والمخالفة لروح الكتاب ومضامينه وإن لم تكن موافقة أو مخالفة لألفاظه بعض الروايات، من قبيل ما رواه العيّاشي في تفسيره والطبرسي في الاحتجاج بشكلٍ مرسلٍ عن الحسن بن الجهم عن الرضا عليه السلام:- ( قلت له:- تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة، فقال:- ما جاءك عنّا فَقِسْهُ على كتاب الله عز وجل وأحاديثنا فإن كان يشبههما فهو منّا وإن لم يكن يشبههما فليس منّا )[1]، ووجه الشاهد قوله عليه السلام ( فإن كان يشبههما فهو منّا ) والشباهة تصدق على موافقة الروح وإن لم تكن هناك موافقة للألفاظ، وعلى هذا المنوال الحديث الآخر المذكور في نفس الباب[2].