35/11/24


تحمیل
الموضوع:- الأخبار العلاجية / أخبار التخيير.
وفيه:- إن احتمال الزيادة منفيٌّ بعد فرض وجود طريقٍ صحيحٍ من صاحب الوسائل مثلاً إلى البرقي نفسه فإن الطريق إذا انتهى البرقي نأمن آنذاك من احتمال الزيادة؛ إذ المفروض أنّه هو الذي يتحدّث أو هو الذي دفع النسخة وأجاز روايتها أو هو الذي قرأ النسخة، وبعد قراءته أو إجازته للنقل عن هذه النسخة ينتفي احتمال وجود الزيادة فإن هذا الاحتمال لا يضرنّا بعد وجود الطريق المعتبر.
نعم هذا الاحتمال يضرّنا لو فرض أنّه طبعت نسخة من نسخ المحاسن ولا نجزم بوجود طريقٍ معتبٍر إليها فحينئذٍ يأتي احتمال أنّ ما هو المذكور فيها هو من القسم الذي زيد، أمّا بعد وجود الطريق المعتبر إلى النسخة المنتهي إلى نفس البرقي فهذا الاحتمال لا يعود له مجالٌ كما هو واضح.
ولو قيل:- كيف وجه الجمع بين قول النجاشي والطوسي بأنّه ( زيد فيه ونقص ) وبين وجود الطريق المعتبر ؟
قلت:- إنّ وجه الجمع هو أنّهم يريدون أن يقولوا ( أيّها الناس إنّ بعض نسخ المحاسن قد زيد فيها وليس كلّها )، فحينما يقال حصل تحريفٌ في الكتاب الفلاني فليس معناه أنّه حصل تحريفٌ في كلّ نسخةٍ بل حصل تحريفٌ من قِبَلِ بعضٍ وإلّا فيوجد عندنا طريقٌ إلى نفس المؤلّف ومادام يوجد عندنا طريقٌ على النسخة فهذا الاحتمال لا يأتي.
يبقى شيء يرتبط بالدلالة وكان من المناسب أن نشير إليه حينما تكلّما عن الدلالة ومناقشتها ولكن الآن نستدرك ونقول:- إنّه في مناقشة الدلالة ذكرنا أنّ هاتين الروايتين نحتمل أنّ الإمام عليه السلام أمر بالأخذ بالمتأخر لا من باب التعبّد بل من باب أنّه فيه التقيّة، أو بتعبيرٍ آخر يعني في الذي صدر أوّلاً توجد تقيّة فلذلك ترحّم الإمام عليه السلام وقال ( رحمك الله حينما تأخذ بالمتأخّر لأنّ الأوّل صادر للتقيّة فحينما نأخذ بالثاني فرحمك الله ) فإن الرواية ناظرة إلى مسألة التقيّة وتختصّ بمورد التقيّة التي كانت في ذلك الزمان، وأمّا في زماننا فحيث لا يوجد خوفٌ من هذه الناحية – أي في هذه المجالات الجزئيّة والفروع الجزئيّة - فعلى هذا الأساس لا يتعيّن الأخذ بالمتأخّر، هكذا ذكرنا فيما سبق.
وقد يقول قائل:- إنّه إذا كان الأوّل قد صدر للتقيّة والثاني قد صدر لبيان الواقع فيتعيّن الأخذ بالثاني في جميع الأزمنة - أي حتى في زماننا - باعتبار أنّه واردٌ لبيان الواقع.
إذن المناقشة المذكورة للدلالة لا تضرّ بلزوم الأخذ بالمتأخّر بل يبقى الأخذ بالمتأخر شيئاً لازماً، هكذا قد تناقش مناقشتنا المتقدمّة للدلالة.
وفيه:- إنّ هذا كلامٌ وجيهٌ لو فرض تعيّن أنّ الأوّل قد صدر للتقيّة والثاني قد صدر لبيان الواقع فإنّه لو تعيّن هذا تمّت المناقشة المذكورة، ولكن لا نجزم بذلك فلعلّ الإمام عليه السلام أحياناً يصدر الأوّل لبيان الواقع والثاني يكون تقيّةً تحفّظاً على أصحابه ويترحّم عليهم حيث عملوا بالتقيّة.
إذن لا يمكن أن نميّز ونقول إنَّ الثاني دائماً قد صدر لبيان الواقع أو نقول إنَّ الثاني دائماً قد صدر تقيّةً، كلّا بل لعلّه أحياناً يكون من هذا القبيل وأحياناً يكون من ذاك القبيل والإمام عليه السلام يطلب دائماً الأخذ بالمتأخّر من باب أنّه أحياناً يكون لبيان الواقع وأحيانا يكون للتقيّة، إنّ هذا الاحتمال موجودٌ ومعه لا يمكن أن نشخّص المتأخّر ونقول هو دائماً قد صدر لبيان الواقع.
والنتيجة التي انتهينا إليها من خلال كلّ ما ذكرنا:- هو أنّا ناقشنا في الطوائف الثلاث المتأخّرة وبالتالي يتعيّن الأخذ برواية الراوندي - يعني المرجّح الأوّل هو الترجيح بموافقة الكتاب فإن لم يكن فبالمخالفة - بعد التعارض المستقر ولم يمكن الجمع، فإن لم يكن فيتساقطا ونرجع إلى القاعدة فإذا كان هناك عمومٌ فوقاني تمسّكنا به وإلا فنتمسّك بالأصل . إذن الخروج عن مقتضى القاعدة يكون بهذا المقدار وهو أنّه موافقة الكتاب أوّلاً فإن لم تكن فبالمخالفة فإن لم تكن فتبقى القاعدة بلا معارضٍ، هذا ما انتهينا إليه الآن، ولكن لابد من ملاحظة الأخبار الثانية والثالثة.
وبهذا ننهي حديثنا عن أخبار الترجيح.
خبار التخيير[1]:-
وسوف نقرأ أخبار التخيير فإن تمّت دلالتها فأمامنا خياران:-
الأوّل:- أن نقيّد أخبار التخيير بما إذا فقد الترجيح بالمرجّحين السابقين تمسّكاً بقاعدة التقييد فإن أخبار التخيير مطلقة من حيث وجود المرجّح وعدمه فنقيّدها بحالة عدم وجود أحد المرجّحين السابقين.
الثاني:- أن نأخذ بأخبار الترجيح ونُبقي أخبار التخيير على إطلاقها غايته تُحمل أخبار الترجيح على الاستحباب.
إذن النتيجة هي أنّ الفقيه مخيّرٌ ببين أن يأخذ بهذا الخبر أو ذاك والأرجح له أن يُعمِل المرجّحات، فإعمال المرجّحات ليس بلازمٍ بل هو شيءٌ أفضل وأرجح، وهذا ما صار إليه الشيخ الخراساني(قده) في الكفاية.
إذن لو تمّت أخبار التخيير فنحن بالخيار بين هذين الأمرين وعلى هذا الأساس لابد وأن نقرأ أخبار التخيير لنراها هل هي تامّة أو لا فإن لم تتم دلالتها كما سوف ننتهي إليه فحينئذٍ لا نحتاج إلى أن نبحث في أنّ أخبار التخيير هل نقيّدها بصورة فقدان المرجّحات - كما هو مقتضى الخيار الأوّل - أو نبقيها على إطلاقها ويكون إعمال المرجّحات هو الأفضل - كما هو مقتضى الثاني - كما صنع صاحب الكفاية، إنّ هذا لا نحتاج إليه مادام دلالتها أو سندها ضعيفاً.


[1] وهذا عدلٌ لأخبار الترجيح.