36/03/07


تحمیل
الموضوع:- وجه حجيّة علم الأصول، تعريف علم الأصول.
ونلفت النظر إلى أنّ ما ذكرناه وإن كان هو التقسيم المناسب ولكن قد تدعونا نكتة أخرى إلى أن نغض النظر عنه ونأخذ بتقسيمٍ آخر كتقسيم صاحب الكفاية، وسبب الاعراض هو أنّ الجوّ العام قد عاش ذلك التقسيم والأبحاث والدروس والكتب قد جرت على منواله، وتغيير صورة التقسيم إلى صورةٍ أخرى قد يؤثر على الطالب ولا يتفاعل معه نفسياً، فلأجل هذا نبقى عملاً نسير في منهجة أبحاثنا على ما عليه في الكفاية، ولكن نعترف بأنّ ما نسير عليه ليس هو التقسيم الفنّي وإنما التقسيم الفنّي هو ما أشرنا إليه، وهذه قضيّة ينبغي الالتفات إليها.
كما نلفت النظر إلى أنّ التقسيم الذي أشرنا إليه هو ما جرى عليه السيد الشهيد(قده) في الحلقات، ولعلّ أحد أسباب عدم تفاعل البعض مع كتاب الحلقات تفاعلاً تامّاً - مضافاً إلى جنبة التعبير - هو هذا، مضافاً إلى ذلك هو أنَّ قلب وتغيير المنهج - يعني لو كانت المنهجة كما عليّه كتبنا القديمة فقد يكون التفاعل أكثر أمّا بعد أن قلبت المنهجة يعني أنه قدّم القطع في البداية بينما جاء به صاحب الكفاية في النصف - قد لا يتفاعل معه الطالب، كما أنه سرنا على منهج صاحب الكفاية لأجل التسهيل على الطالب في مقام التحضير.
وجه حجيّة علم الأصول:-
قد تقول:- كيف نثبت حجية القواعد التي بذكرها الأصولي وبالتالي كيف نثبت حجيّة علم الأصول ؟ إنه قد تطرح شبهة ويقال إنّ علم الأصول ليس بحجّة فإنّ هذه القواعد التي ذكرها الأصوليون قد حاكوها وأبرزوها وليس لها واقع ولا دليل على حجّيتها وهذا بخلاف المسائل الفقهية إذ يعلم الفقه بأنها تستند إلى آياتٍ أو رواياتٍ والآيات والروايات حجّة كما نعرف أمّا القواعد التي يذكرها الأصولي كيف نثبت حجيتها فما هو وجه حجّية علم الأصول ؟
الجواب:- إنّ حجيته تنتهي إلى العلم أو الاطمئنان فكلّ ما يذكر في علم الأصول ينتهي إلى العلم أو الاطمئنان الذي هو حجّة أيضاً، نعم قد اختلف معك في الصغرى يعني أن هذه القاعدة التي ذكرناها هل يوجد علمٌ على طبقها أو لا وهذه قضيّة أخرى فهذا اختلافٌ صغرويٌّ، ولكن نحن نقول إنّ مدرك الحجيّة هو العلم فكلّ مسألةٍ لا تكون حجّة إلا إذا رجعت إلى العلم، فمثلاً في مبحث الظواهر الأمر ظاهر في الوجوب أو النهي ظاهر في الحرمة أو مبحث المفاهيم أو مبحث المطلق والمقيّد فكلّ هذه المباحث ظهوراً وهي تنتهي إلى العلم حيث نقول إنَّ الأمر ظاهر في الوجوب، وهذا الظهور ظهورٌ وجدانّي يعني نعلم عرفاً بأنّ الواقع كذلك فهناك علمٌ بهذا الظهور ولا شك في ذلك، نعم قد تقول أنت بأنيّ ليس عندي ظهور وليس عندي علمٌ ولكن هذا مطلب آخر، فأنا الذي أدّعي الظهور لديَّ علمٌ، فإذن صار هذا علمٌ، ثم أقول ( وكلّ ظهور حجّة ) وهذا أيضاً ثابت بالسيرة العقلائية أو المتشرعيّة وعندي علمٌ به، فإذن انتهت هذه المسألة إلى العلم.
وهكذا في باب المفاهيم فنقول إنَّ الشرطيّة ظاهرة في المفهوم وهذا الظهور وجدانيٌّ - يعني ينتهي إلى العلم فنحن نعلم بثبوت هذا الظهور عرفاً - ثم نقول ( وكلّ ظهور حجة ) بالسيرة العقلائية أو المتشرعيّة وهذه قضيّة معلومة أيضاً . فإذن كلّ مباحث الظهور رجعت إلى صغرى معلومة وكبرى معلومة جزميّة أيضاً.
وأما المباحث العقليّة فهناك ملازمة بين وجوب الشيء وبين وجوب مقدّمته، أو هناك ملازمة بين وجوب الشيء وحرمة ضده .... أو غير ذلك، إنها أيضاً تنتهي إلى صغرى وكبرى معلومتين، أمّا الصغرى فنقول إنّ هذا مقدمةٌ للواجب وهذه قضيّة وجدانيّة معلومة، ثم نقول إنَّ هناك ملازمة بين وجوب الشيء وبين وجوب مقدّمته عقلاً، فالعقل يحكم على مستوى القطع واليقين والجزم بذلك فهناك ملازمة عقليّة حتميّة جزميّة وليست مشكوكة أو مظنونة إذ لو كانت ظنيّة لم تكن حجّة . فإذن انتهينا إلى صغرى وكبرى جزميّتين.
وهكذا الحال في مباحث الأمارات مثل حجيّة الخبر فلأمر ينتهي أيضاً إلى العلم حيث نقول إنّ الخبر حجّة قطعاً ومدرك ذلك هو السيرة العقلائية أو المتشرعية وهذان يورثان القطع أمّا إذا لم يورثا القطع فلا عبرة بهما ...... وهكذا الحال في بقيّة المباحث.
إذن الخط العام للأصولي هو أنّه كلّ نتيجةٍ ينتهي إليها هي تنتهي إلى العلم، وحتى العلم التعبّدي - أي الظن الخاص - تنتهي حجيّته إلى العلم الوجداني، فبالتالي المدرك للأصول هو العلم الوجداني.
وبهذا اتضح الفارق بين فقهنا وأصولنا وبين فقه وأصول غيرنا فإن الغير يسير على الاستحسان والمصالح المرسلة وغير ذلك وهي أمور لا تنتهي إلى القطع، بينما نحن فلا نأخذ إلا بما ينتهي إلى القطع، فالقياس الذي عندهم لا ينتهي إلى القطع فليس بحجّة، أما نحن فعندنا تنقيح المناط الذي قد يقال بأنّه لا فرق بينكم وبين الغير فهم يسمّونه قياسٌ وأنتم تسمونه تنقيح المناط فكيف تقولون بأنّ ذاك ليس بحجّة وأمّا هذا فهو حجّة ؟ وجوابه قد اتضح:- فإنّه في تنقيح المناط نتمسّك بالمناسبات المركوزة في ذهن العرف فنقول إنَّ مناسبات الحكم والموضوع تقتضي أنّ الامام حينما قال:- ( اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه ) لا اختصاص لذلك بما يسمّى ثوب بل حتى لو أصاب البول الجبّة أو العباءة أو غير ذلك فالأمر كذلك من باب أنّ العرف يلغي الخصوصيّة بنحو الجزم فإذا ألغيت بنحو الجزم فحينئذٍ نتعدّى، نعم إذا لم يلغها العرف بنحو الجزم وكان هناك ظنّ فهو لا عبرة به، ولذلك نحن دائماً حينما نتعدّى نقول إنّ العرف يلغي الخصوصيّة إمّا بنحو الجزم واليقين أو بنحو الاطمئنان أمّا إذا لم يكون جزم أو اطمئنان وإنما كان هناك ظنّ قويّ فلا عبرة به.
والخلاصة من كلّ هذا:- إنه قد اتضح وجه حجّية علم الأصول كما اتضح مدرك حجيّة المسائل الأصوليّة.
مقدار حاجة الفقيه إلى علم الأصول:-
قرأنا في كفاية الأصول مباحثاً كثيرةً وربما ينتهي الطالب من الكفاية وهو لا يدري أنّ الذي يحتاج إليه في مرحلة الاستنباط أي مقدار هو فهل هو جميع مطالب الكفاية أو نصفها وأيّ نصف هو ؟ وأنا أعطيك صورةً إجماليّة عن هذا فأقول:- هناك مباحث كثيرة كما أشرنا لا يحتاج إليها الفقيه في مرحلة الاستنباط أو أنّ الحاجة إليها ضعيفة وليست مهمّة كمبحث الحقيقة الشرعيّة والاشتراك والترادف والصحيح والأعم والمعني الحرفي وغير ذلك، وهناك مباحث يحتاج إليها ولكن ليست حاجةً بحيث نحتاج إلى تطويلٍ وعقد بحثٍ وما شاكل ذلك وهذا هو الطابع العام على مبحث الظواهر يعني مثل مبحث المفاهيم والأوامر والنواهي والعام والخاص والمطلق والمقيد فإن هذه الأمور وإن كان يحتاج إليها في الفقيه ولكنها عرفيّة مركوزة لا تحتاج إلى دراسة، فمثلاً ( الأمر يدلّ على الوجوب ) فأنت لا تتوقف فيه فأنت بطبعك العرفي تسلّمه، نعم قد تحتاج إلى منبّهاتٍ عليه أمّا أن نذكر أبحاثاً واشكالاتٍ كما طوّلها الأصوليون فلا حاجة إليه.
وهكذا الشرطيّة لها مفهومٌ فهذا استظهارٌ فأنت تلاحظ هل يوجد في الرواية ظهورٌ أو لا ..... وهكذا بالنسبة إلى بقيّة المفاهيم، فهذه ظواهر يحتاج إليها الفقيه ولكن الحاجة الدرسيّة لها ليست مهمّة لأجل أنها عرفيّة قبل أن تحتاج إلى درسٍ وبحثٍ وغير ذلك.
والمهمّ الذي يحتاج إليه الفقيه هو مباحث الحجج فأيّ أمارةٍ حجّة وأيّ أمارة ليست بحجّة ؟ فصحيحٌ أنّ الخبر حجّة ولكن أيّ خبرٍ هو فهل هو الخبر على إطلاقه أو هو حصّة خاصّة منه ؟ وهذه قضيّة مهمّة ومن الأساسيات، فمباحث الحجج ومباحث الأصول العمليّة ومبحث التعارض كلّ هذه من الأمور المهمة التي يحتاج إليها الفقيه . إذن الابحاث التي تحتاج إلى درس وبحث ودقّة هي هذه المباحث وأمّا مباحث الظواهر فهي ايضاً يحتاج إليها الفقيه ولكن البحث فيها والتدريس ليس بالشيء المهم.
تعريف علم الأصول:-
عُرّف علم الأصول كما جاء في الكفاية بأنه:- ( العلم بالقواعد الممهِّدة - الممهَّدة - لاستنباط الحكم الشرعي )، هذا هو التعريف المشهور.
واعترض عليه بعدة اعتراضات نذكر المهم منها وهي ثلاثة:-
الاعتراض الأوّل:- إنّ هذ التعريف لا يشمل الأصول العمليّة والحال أن الأصول العلميّة جزءٌ من علم الأصول.
أمّا لماذا يلزم خروجها من التعريف ؟
ذلك لبيانين:-
البيان الأوّل:- إنّ الأصول العمليّة لا تعطي حكماً شرعياً وإنما تعطي الوظيفة تجاه الحكم الشرعي المجهول، فمثلاً بالنسبة إلى التدخين فحيث لا نعرف حكمه الشرعي فيأتي أصل البراءة فيقول مادامت الحرمة مجهولة فوظيفتك عملاً هي البراءة، فالأصل العملي قدّم وظيفةً عمليّةً هي البراءة أو الاحتياط أو غير ذلك . إذن الأصول العميّلة لا تحدّد الحكم الشرعي، بخلاف ذلك في الآية أو الخبر فالآية ترشد إلى الحكم الشرعي والخبر يرشد إلى الحكم الشرعي غايته قد يصيب وقد تخطئ، أمّا الأصل العملي فلا يقول أنا أرشدك إلى الحكم الشرعي وإنما يقول إنّه حينما يكون الحكم الشرعي عندك مجهولاً فأنا أرشدك إلى الوظيفة العمليّة تجاه ذلك الحكم المجهول من براءةٍ أو احتياطٍ، بل في نفس لسانه قد أخذ ذلك حيث قال ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) يعني مادمت لا تعلم الحرمة أو الوجوب فهذا قد رفع عنك يعني عملاً لا تتقيّد فيجوز لك ارتكاب الشيء أو تركه . فإذن لسان الأصل العملي هو لسان يتضمّن هذا المعنى يعني يقول أنا أحدّد لك الوظيفة تجاه الحكم الشرعي المجهول، فإذن لا تدخل الأصول العملية في التعريف لأنها لا تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي بل تقع في طريق بيان الوظيفة.
البيان الثاني:- أن يقال إنّ الأصول العمليّة هي بنفسها حكمٌ شرعيٌّ فما معنى أن يستنبط منها حكم شرعي ؟! إنّ الأصل العملي يقول ( كلّ شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام ) وهذا حكم شرعيّ، فالأصل العملي هو بنفسه حكم شرعيٌّ لا أنّه يُستَنبط منه حكم شرعيٌّ فإن شرط الاستنباط المغايرة بين المستنبَط والمستَنبط منه وهنا لا توجد مغايرة فإن الأصل العلمي يقول ( كلّ شيءٍ لك حلال حتى تعرف أنه حرام ) فهذا المائع الذي أمامنا ولا نعلم بأنّه خلٌّ أو خمر نقول اشربه فكلّ شيء لك حلال، فالنتيجة تكون هي حليّة هذا وحليّة هذا مع ( كلّ شيء لك حلال ) ليسا متغايرين وإنما هما أشبه بالكلّي والجزئي والمصداق، وبتعبيرٍ آخر:- يوجد هنا تطبيقٌ للكلّ على مصاديقه لا استنباط شيءٍ من شيءٍ آخر مغاير، فعلى هذا الأساس تكون الأصول العمليّة خارجة من التعريف لأحد هذين البيانين فكيف الجواب ؟