36/03/12


تحمیل
الموضوع:- تعريف علم الأصول.
والجواب:- إنّ هاتين القاعدتين ليستا في الحقيقة إلّا تجميعاً لجعولٍ شرعيّة خاصّة لا أنهما تأسيسٌ لحكمٍ تستفاد منه أحكام أخرى، فقاعدة لا حرج مثلاً تريد أن تقول الوضوء الحرجي لا يجب وعدم حلق اللحية إذا كان حرجيّاً فالحرمة غير ثابتة ووجوب الحج إذا كان حرجياً فهو غير ثابت ... وهكذا، إنها تريد أنّ تفيد هذه الأحكام ولكن عُصِرَت هذه الأحكام بعبارةٍ مضغوطةٍ وقيل:- ﴿ ما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ . إذن قوله تعالى:- ﴿ ما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ لا يؤسس حكماً نستنبط منه ونستفيد منه أحكاماً أخرى بل هو يريد أن يبيّن هذه الأمور التي أشرنا إليها وأنه لا يجب الحج في حالة الحرج ولا يجب الوضوء في حالة الحرج ولكن عُصِرت وبيّنت في هذه العبارة، وهذا بخلافه في مثل قاعدة ( كلّ ما مضى فأمضه كما هو ) فإنه يؤسس حكماً وهو أنّ كلّ عملٍ إذا فُرِغ منه فحينئذٍ يحكم بصحته إذا شكّ في صحته، إنّه يفيد هذا المطلب الكلّي ونحن نستفيد منه أحكاماً غايته جزئيّة وليست كلّية، أمّا في مثل ﴿ ما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ فهو لا يريد أن يؤسس ويقول ( الدين لا حرج فيه) ثم نستنبط منه أحكاماً أخرى، كلّا بل هو في البداية يريد أن يقول الوضوء الحرجي لا يجب والحج الحرجي لا يجب وهكذا، فلا يوجد إذن مطلبان أحدهما يُستَنبط ويُستَخرج ويُستَفاد من المطلب الآخر، فإذن هاتان القاعدتان ما هما إلّا تجميعٌ لهذه الأحكام المرفوعة في حالة الحرج ولكن بيّنت بهذا اللسان المختصر، من قبيل أن تقول ( أكرم كلّ رجل ) فجاء هذا الرجل فنقول يجب اكرامه وجاء ذلك الرجل فنقول يجب إكرامه وهكذا، فالإكرام ليس مستنبطاً ومستفاداً من ذلك المطلب الأوّل - يعني أكرم كلّ رجل - إذ مفاده ليس إلّا هو أنّه أكرم هذا الرجل وذاك الرجل و..... وهكذا ولكن حيث يصعب بيان هذه الأحكام بأجمعها فلأجل التسهيل صِيغ بعبارةٍ واحدةٍ، ونفس الكلام يأتي في لا ضرر ولا حرج فإن المقصود هو ذلك يعني هو تجميع لهذه الجعول المنفيّة وإلّا فلا يوجد مطلبان أحدهما مستفادٌ من الآخر حتى ينطبق عليهما تعريف علم الأصول.
الاعتراض الثالث:- وحاصله:- إنّ التعريف المذكور ينتقض بوثاقة زرارة وبظهور كلمة الصعيد في مطلق وجه الأرض - مثلاً - إذ الفقيه يستعين بهاتين القاعدتين في مقام الاستنباط.
وقد تقول:- هما ليستا بقاعدتين.
فنجيب:- إنه يمكن أن تصاغ بصياغة القاعدة فإنّ المقصود هو أنّ زرارة أينما ورد فهو ثقة فصارت قاعدة، فالمسألة ليست مسألة لفظ، وكذلك كلمة الصعيد فنقول أينما وردت كلمة الصعيد فهي ظاهرة في مطلق وجه الأرض، فإذن صارت قاعدة، فالصياغة يمكن أن نغيّرها ونحصل على قاعدة.
إنّه يأتي الاشكال بأنّ هذين يستعين بهما الفقيه في مقام الاستنباط والحال أنّه لا يلتزم بأنهما من علم الأصول فما هو الجواب ؟
وهذا هو أهم الاعتراضات، ولأجله غيّر البعض تعريف علم الأصول حتى لا يرد هذا النقض، فالشيخ النائيني(قده) مثلاً التزم بأنّ علم الأصول هو عبارة عن العلم بالقواعد التي تقع كبرى في قياس استنباط الحكم الشرعي أمّا ما يقع صغرى فهو ليس من علم الأصول
إذن هو ضيّق من دائرة علم الأصول وجعله عبارة عن القواعد التي تقع كبرى في قياس الاستنباط، وبناءً على هذا تخرج وثاقة زرارة وظهور كلمة الصعيد من التعريف لأنّ هذه تقع صغرى في قياس الاستنباط إذ نقول ( إنَّ كلمة الصعيد ظاهرة في مطلق وجه الأرض ) ثم نقول ( وكلّ ظهورٍ حجة )، فالكبرى هي قولنا ( كلّ ظهورٌ حجّة ) وهي من علم الأصول، وأما قولنا ( كلمة الصعيد ظاهرة في مطلق وجه الأرض ) فهي قد وقعت صغرى فتكون خارجة من التعريف بعدما غيّرنا هذا التعريف بالشكل الذي أشرنا إليه.
وهذا مطلبٌ قد أشار إليه(قده) في أجود التقريرات[1]، ولعله لم يذكر المطلب بهذه الصراحة التي أشرنا إليها ولكن الأمر كما ذكرنا.
وفيه:- إنّ هذا ليس فنّياً إذ هو غيّر التعريف لأجل أن يفرّ من الإشكال والحال أنّ علم الأصول هو قد أُسّس ووضِع لأجل أن يساعد الفقيه في مقام الاستنباط فتخصيصه بخصوص الكبريات التي تقع في قياس الاستنباط دون الصغريات لا معنى له بعدما فرض أنّ علم الأصول قد أسس ودّون ووضع لأجل أن يساعد الفقيه في مقام الاستنباط فما يحتاج إليه من أمور عامّة ومشتركة هو يقدّمها إليه أمّا تلك الأمور العامة يلزم أن تقع كبرى فهذا لا معنى له سوى الفرار من الإشكال وليس فنيّاً.
هذا مضافاً إلى أنّه لو تنزّلنا وقلنا بأنّه لا بأس بإضافة هذا القيد لتعريف علم الأصول فنقول:- إنّه يبقى الإشكال بلحاظ المسألة الأصولية التي تقول ( الأمر ظاهر في الوجوب والنهي ظاهر في الحرمة ) فإنهم يلتزمون بأنّ هذه من المسائل الأصوليّة، فصيغة الأمر ظاهرة في الوجوب وصيغة النهي ظاهرة في الحرمة والشرطيّة ظاهرة في المفهوم والمطلق ظاهر في الاطلاق والعام ظاهر في العموم وهكذا - أي أنَّ مباحث الظواهر كلّها من هذا القبيل - إنَّ هذه تقع صغريات في قياس الاستنباط والكبرى هي ( وكلُّ ظهورٍ حجّة ) فعلى ضوء هذا القيد الذي أضافه(قده) إلى التعريف يلزم خروج مباحث الظواهر من التعريف ولا تكون أصوليّة باعتبار أنّها تقع صغريات في قياس الاستنباط وليس كبريات.
ومن هنا حاول السيد الخوئي(قده) في المحاضرات[2]أن يتخلص من هذا الإشكال بهذا التوجيه وذلك بأن يقال:- إنّ علم الأصول هو عبارة عن القواعد التي يحتاج إليها الفقيه بشرط أن لا تحتاج إلى ضمّ كبرياتٍ أصوليّة، أمّا إذا احتاج إلى ضمّ كبرياتٍ غير أصوليّة فلا يضرّ ذلك بأصوليّة المسألة، أمّا إذا احتاجت القاعدة إلى ضمّ كبرى أصوليّة فحينئذٍ لا تكون هذه القاعدة أصوليّة مادام احتاجت إلى ضمّ كبرى أصوليّة في مقام الاستنباط.
وبناءً على هذا تخلّص من الإشكال الذي أُورِد على الشيخ النائيني(قده) حيث إنّ الاشكال الوارد على النائيني هو أنّه يلزم أنّ مباحث الظواهر - مثل الأمر ظاهر في الوجوب - يلزم أن لا تكون من علم الأصول لأنها تحتاج إلى كبرى وهي تقع صغرى، إنّ السيد الخوئي(قده) أجاب وقال صحيحٌ أنّها تحتاج إلى كبرى ولكن تلك الكبرى ليست أصوليّة ومادام تلك الكبرى ليست أصوليّة فذلك لا يؤثر على أصوليّة الصغرى بل تبقى الصغرى من المسائل الأصوليّة وإن احتاجت إلى ضمّ كبرى ولكن تلك الكبرى هي ليست أصوليّة، وما هي الكبرى التي يُحتَج إليه ؟ هي ( كلّ ظهورٍ حجّة )، فقال إنّ هذه الكبرى ليس أصوليّة، ولماذا ؟ قال:- إنّها شيءٌ متّفق عليه فهي ليست أصوليّة وإنما هي من المسائل المتّفق عليها.
وفيه:-
أوّلاً:- يرد عليه نفس ما أوردناه على الشيخ النائيني(قده) حيث نقول إنّه لا معنى لأجل أن نفرّ من الاشكال نضيف قيداً إلى التعريف بعدما فرض أنّ علم الأصول - أي أنّ هذا ليس بصحيحٍ في مقامنا ولعله صحيحٌ في مقامات أخرى - قد دوّن لأجل أن يساعد الفقيه ويعطيه قواعداً مشتركة فهو قد أُسّس ودوّن لهذا الهدف، فحينئذٍ كلّ ما يساعد الفقيه في مقام الاستنباط ينبغي أن يكون أصوليّاً أمّا أنّ تلك القاعدة يلزم أن لا تحتاج إلى ضمّ كبرى أصولية فمن أين هذا ؟!! إنّه قيّد أضيف لأجل التخلّص من الإشكال المذكور.
ثانياً:- إنّه ذكر إنّ مسالة ( كلّ ظهور حجّة ) ليست أصوليّة باعتبار أنّها قضيّة متّفق عليها، ووجه الإشكال:- هو أنّه هل يلزم في علم الأصول أن تكون مسائله مع الخلاف، يعني كلّ مسألة إنّما تصير أصوليّة إذا كانت محلّ خلاف وأمّا إذا لم تكن محلّاً للخلاف فهذه ليست أصوليّة ؟!! إنَّ هذا لا معنى له فإن أصوليّة المسالة لا تحصل بسبب وقوع الاختلاف وإنما الأصوليّة تنشأ من حاجة الفقيه إليها في مقام الاستنباط بعدما كانت قاعدةً عامّةً ولا تختصُّ ببابٍ دون باب.
إذن ما أضافه السيد الخوئي(قده) محلّ إشكالٍ لما أشرنا إليه.


[2] محاضرات في الاصول، الخوئي، ج1، ص6، ط قديمة، تسلسل، 43، ص4، ط جديدة.