36/06/07


تحمیل
الموضوع:- قاعدة مرجعية العرف - قواعد وفوائد.
القاعدة العاشرة:- مرجعيّة العرف.
المقصود من العرف هو الناس بما لهم من فهمٍ وانطباعاتٍ وارتكازاتٍ وعادات، غايته قد يفترض أنّ هذا الفهم والانطباع يكون ثابتاً بلحاظ جميع الناس فيعبّر عنه بالعرف العام، وقد يكون ثابتاً في مساحةٍ ضيّقة فيعبّر عنه بالعرف الخاص، والعرف يجوز الرجوع إليه في بعض الموارد ولا يجوز الرجوع إليه في بعض الموارد الأخرى.
ونذكر أوّلاً الموارد التي يجوز فيها الرجوع إلى العرف:-
المورد الأوّل:- تحديد مفاهيم الألفاظ، فالألفاظ الواردة في النصوص الشرعيّة يجوز الرجوع في تحديد معانيها إلى العرف، ولماذا ؟ إنّ الدليل على مرجعيّة العرف في هذا المجال هو أنّ كلّ متكلّمٍ يوجد عنده تعهّدٌ في أنّه يتكلّم وفق المعاني المتداولة والمفهومة عرفاً والثابتة عند العرف، فعلى هذا الأساس إذا تكلّم عرفيٌّ بكلامٍ فحتما هو يقصد من ألفاظه تلك المعاني المتداولة عرفاً لهذه الألفاظ، وقد انعقدت السيرة على ذلك - يعني ان السيرة جرت على أنّ كلّ متكلم يُلزَم بالمعاني المتداولة عرفاً لتلك الألفاظ وسبب هذا الزام هو ما أشرنا إليه من التعهّد النوعي -.
ولكن ينبغي الإشارة إلى أنّه بالنسبة إلى النصوص الصادرة من الشرع المقدّس لابد وأن تحمل على المعاني الموجودة في عصر الصدور وليس على المعاني الموجودة في عصرنا، والوجه واضحٌ فإنّ المتكلّم بهذه النصوص ملتزمٌ بأنّه يتكلم بهذه الألفاظ وفق معانيها الثابتة في عصره وليس وفق المعاني الثابتة بعد ألف سنة مثلاً أو أكثر، وهذا مطلبٌ ينبغي أن يكون واضحاً.
ومن هنا ينفتح مجال للإشكال:- وهو أنّه من أين نحرز معاني هذه الفاظ في عصر صدور النصّ فإنّ المعاني التي نعرفها نحن هي المعاني المتداولة في زماننا، فهذا اللفظ في زماننا يعطي هذا المعنى ومن قال إنّه في الزمان السابق كان يعطي نفس هذا المعنى ؟! ومادام المدار على المعنى الثابت في عصر الصدور فتتولّد آنذاك مشكلة وهي أنّه كيف نشخّص المعاني الثابتة لهذه الألفاظ في عصر الصدور وأنّها معانٍ في عصر الصدور ؟
ويمكن الجواب:- بأنّا نتمسّك بأصالة عدم النقل، يعني أن نقول:- إنّ هذا المعنى في زماننا ثابت جزماً لهذا اللفظ فلو كان هناك معنىً آخر له غير هذا المعنى فلازمه حصول النقل والأصل وحدة المعنى وبقاء المعنى السابق وعدم حصول النقل والتغيّر.
إذن بضم أصالة عدم النقل يندفع هذا الإشكال ويثبت المطلوب، وهذا ما قرأناه في المعالم.
ولكن بهذا المقدار لم ينحلّ الإشكال إذ نسأل ونقول:- من أين لك هذا الأصل ؟
والجواب:- قد يتمسّك له بدليل الاستصحاب وذلك بأن يقال:- إنّ روايات الاستصحاب قالت:- ( لا تنقض اليقين بالشك ) وهذا مطلقٌ يعني هو لم يقيّد اليقين بكونه يقيناً سابقاً فنتمسّك بالاطلاق فيصير المعنى والتقدير هكذا:- ( لا تنقض اليقين سواء اليقين سابقاً والشك لا حقاً أو كان اليقين الان والشك فيما مضى أو اليقين الآن والشك في المستقبل )، فالحديث إذن مطلقٌ فنتمسّك بإطلاقه.
وهل هذا تام أو لا ؟
والجواب:- إنّه قد يشكّك في ثبوت هذا الاطلاق، ولكن نحن لسنا في هذا الصدد ولنفترض أنّ الاطلاق ثابتٌ ولكن نقول إنّ غاية ما يثبته الاستصحاب وعدم نقض اليقين بالشك هو أنّ هذا المعنى الثابت الآن هو نفس المعنى الذي كان ثابتاً في عصر صدور النصّ، ولكنّ هذا لا يوصلنا إلى مطلوبنا فإنّا نريد أن نثبت أنّ صيغة ( اِفعل ) قد استعملت في الوجوب والاستصحاب لا يقول هي قد استعملت فيه بل هو يقول إنّ المعنى الثابت الآن كان ثابتاً سابقاً أمّا أنها قد استعملت في الوجوب فهذا لازمٌ عقليّ - أو عادي - والاستصحاب لا يثبت اللوازم العاديّة فهو أصلٌ مثبت.
والأوجه التمسّك لإثباتها بالوجوه التالية:-
الوجه الأوّل:- سيرة المتشرّعة من أصحاب الأئمة عليهم السلام، فإن أصحاب الإمام الهادي والعسكري عليهما السلام وصلتهم روايات كثيرة من النبي صلى الله عليه وآله الأئمة السابقين عليهم السلام والفترة لم تكن قصيرة إذ كانت ثلاثة قرون تقريباً واحتمال التغيّر في المعاني في هذه الفترة وجيه وهؤلاء الأصحاب كانوا يأخذون بهذه النصوص ومن دون أصالة عدم النقل لا يمكن الاستفادة من هذه النصوص فإنّ هذه النصوص قد صدرت وأريد منها المعاني الثابتة في عصر الصدور فلو لم يمكن إثبات معاني عصر الصدور بأصالة عدم النقل فحينئذٍ سوف لا يجوز التمسّك بها بل يلزم طرحها والحال أنّهم كانوا يأخذون بها ويتبرّكون بها والأئمة عليهم السلام حثّوهم على ذلك.
إذن سيرة المتشرّعة بنفسها تصير دليلاً على المطلوب.
الوجه الثاني:- سيرة العقلاء، فإنّ الناس في كلّ زمانٍ يشترون الكتب القديمة فنشتري المعلّقات العشر ونشتري تاريخ الطبري وابن الأثير وغيرها ونطالعها، وحينئذٍ نقول:- لو فرض أنّ المعاني الثابتة الآن لا يمكن حمل النصّ عليها فشراء هذه الكتب وطبعها وقراءتها يصير لغواً إذ أنّك تريد أن تعرف مقصود المتكلّم فلو فرض أنّ المعاني التي يقصدها في عصر النصّ لا تعرفها فالشراء والقراءة لها يكون لغواً.
إذن لابد وأن تكون أصالة عدم النقل مقبولة وثابتة وصحيحة حتى نستفيد من هذه الكتب.
وحيث إنّ هذه السيرة لا تنفعنا لوحدها بل حيث يحتمل أنّها تتسرّب إلى النصوص الشرعيّة في يوم من الأيام فعلى الأمام أن يردع عنها من باب الحذر المسبق فسكوته يدلّ على أنّه يرضى بها.
الوجه الثالث:- حديث الثقلين:- ( إني تارك فيكم الثقلين .... ما إن تمسكتم بهما لن تظلّوا بعدي أبداً ) ، حيث أمرنا النبي صلى الله عليه وآله بالتمسّك بالكتاب والسنّة وكيف نتمسّك بهما إذا لم تكن أصالة عدم النقل حجّة ؟ إذ نحن لا نعرف المعاني للكتاب والسنّة بقطع النظر عن أصالة عدم النقل!! فحينئذٍ لابد وأن يكون هذا الأمر بالتمسّك دالاً بالالتزام على حجيّة أصالة عدم النقل حتى يمكن التمسّك بالكتاب والسنة.
الوجه الرابع:- إذا لم نبنِ على أصالة عدم النقل فسوف يلزم سدّ باب الاجتهاد لأنّ المجتهد يريد أن يستنبط من النصّ، والنص لابدّ وأن يفهمه المجتهد، وإنما يفهمه من طريق المعاني الموجودة الآن، ولابد من ضمّ أصالة عدم النقل لهذه المعاني التي يفهمها فلو لم تكن أصالة عدم النقل حجّة لا يمكن ضمّها إلى هذه المعاني وبالتالي لا يمكن أن يجتهد ويتوصّل إلى ما تدلّ عليه النصوص.