36/06/23


تحمیل
الموضوع:- قاعدة دوران الأحكام مدار الأسماء والعناوين - قواعد وفوائد.
بقي أمران تتمة لهذه القاعدة:-
الأمر الأوّل:- ينبغي التفرقة بين الاستحالة في باب الأعيان النجسة وبين المتنجّسات فهي مطهّرة في الأعيان النجسة وليست مطهّرة في المتنجّسات، ولماذا هذه التفرقة ؟
والجواب:- إنَّ الوجه في ذلك هو أنّ الأعيان النجسة عندنا عشرة وما عداها يكون طاهراً فإذا زال عنوان عين النجس حصلت بذلك الطهارة، كعنوان الكلب مثلاً فهو موضوعٌ للنجاسة فإذا زال وتبدّل إلى الملح فهذا عنوانٌ آخر لم يصبّ عليه الحكم بالنجاسة فنحكم آنذاك بالطهارة.
وهكذا بالنسبة إلى المنيّ، فالمنيّ نجسٌ فإذا فرض أنّه تحوّل إلى إنسانٍ فهذا من المناسب أن يكون طاهراً لأنّ عنوان المنيّ هو النجس دون عنوان الإنسان . وهكذا بالنسبة إلى العذرة إذا صارت دوداً.
إذن حيث إنّه في الأعيان النجسة انصبت النجاسة على العنوان فبزوال ذلك العنوان نحكم بالطهارة.
وأمّا في الأعيان المتنجّسة كما لو فرض أنّ الحليب قد تنجّس وبعدما تنجّس صنعناه جبناً فهل يصدق عليه أنه حليب الآن أو لا ؟ نعم العنوان قد تبدلّ وإذا تبدلّ العنوان هل يحكم بالطهارة آنذاك أو لا ؟ كلّا لا يحكم بالطهارة.
وما هي النكتة الفارقة بين الأعيان النجسة والمتنجّسات ؟
والجواب:- إنّه في الأعيان النجسة الحكم منصبّ على العنوان فبزوال العنوان يزول الحكم، أما في المتنجّسات فمصبّ النجاسة ليس هو العنوان وإنما هو الجسم، وبتعبيرٍ آخر حينما يتنجّس الحليب فالذي حمل النجاسة ليست حيثية الحليب وإنما الجسم هو الذي تنجّس فالتنجس يكون ثابتاً لحيثية الجسميّة والشيء أمّا حيثية الحليب فليست محلاً للنجاسة والعرف ببابك، ولذلك نشعر بأنّ هذا الحليب إذا حوّلناه إلى شيءٍ آخر نرى النجاسة باقية وهذا دليل كاشف على أنّ محلّ النجاسة هو حيثية الجسميّة لا حيثية الحليب والجسم نفس الجسم وإنما التي تغيرت هي أوصافه الشخصيّة، هذه هي النكتة الفارقة بين الموردين فالتفت إلى هذا الفارق.
نعم لو فرض أنّ أصل الجسم قد زال أيضاً - أي زال أصل المادة - فحينئذٍ يصير شيئاً آخر وقد زالت النجاسة كالخشب إذا كان متنجّساً فصار رماداً - فإن الخشب لو حوّلناه إلى صورةٍ أخرى فالجسم باقٍ أمّا إذا أحرق فالرماد جسم آخر غير ذلك الجسم الآخر بالنظر العرفي من حيث الجسميّة - بخلاف الحليب إذا صار جبناً فإنّ العنوان قد تغيّر وأما الجسم فهو باقٍ، أما في الخشب إذا صار رماداً فهنا يمكن أن نحكم بالطهارة لأنّ العنوان قد زال.
الأمر الثاني:- نحن وإن جعلنا الأحكام تدور مدار العناوين والأسماء ومستندنا في ذلك هو الظهور العرفي لكن أحياناً تقوم بعض القرائن على أنّ العنوان بحدّه لا مدخليّة له إمّا موسّعةً أو مضيّقةً أو مغايرةً - يعني أنّ القرينة مرّة توسّع من العنوان فتجعل الموضوع أوسع من العنوان ومرّة تضيّقه ومرّة تجعل مصبّ الحكم على شيءٍ آخر غير العنوان - فالمرجع آنذاك إلى القرائن ونحن حينما ادّعينا أنّ الأحكام تدور مدار العناوين نقصد من ذلك ما إذا قطعنا النظر عن القرائن وإلا فمع القرائن نتبع القرينة الخاصّة حينئذٍ وهذا لا محذور فيه فإنّ مستندنا لهذه القاعدة هو الظهور وكلّ ظهور هو حجّة إلا إذا قامت القرينة على الخلاف ونذكر بعض الأمثلة للقرائن:-
فمن أمثلة ذلك:- الأمر بغسل الثوب إذا أصابه البول كما قالت الرواية:- ( اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه )، فهنا وجوب الغسل انصبّ على عنوان الثوب ولكنّ العرف يقول إنّ الثوب قد ذكر من باب المثاليّة ولا خصوصيّة له فالعباءة والجبة أيضاً كذلك، فعنوان الثوب العرفي ليس هو المقصود وإنما المقصود هو كلّ قماشٍ أو كلّ ملبوسٍ - وكم هي حدود التوسعة ؟ فهذا ليس بمهمّ وإنما المهم هو أنّا لم نتقيّد بعنوان الثوب بل توسّعنا إلى غيره أيضاً -.
ومن أمثلة ذلك:- مسألة وجوب الوضوء والتيمم فإن الآية الكريمة قالت:- ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلام فاغسلوا وجوهكم ...... فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً ﴾، فالعنوان الذي أخذته هو ( فلم تجدوا ) وما المقصود من عدم الوجدان ؟ إنّه إذا أردنا أن نتساير مع اللفظ يعني أنّ الماء مفقودٌ، ولكن نوسّع ونقول إنَّ المقصود من عدم الوجدان هو عدم القدرة لقرائن - من ذكر المريض وغير ذلك - فالعنوان سوف يتّسع بسبب هذه القرينة ولا يكون المدار على عنوان عدم الوجدان.
ومن أمثلة ذلك:- المريض حيث قالت الآية الكريمة:- ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ ﴾ فالآية الكريمة جوّزت للمريض التيمم ولكن هل كلّ مريضٍ ؟ فلو فرضنا أنّه مريضٌ ولكن لا يضرّه الماء فهل نحكم بأنّه يجوز له التيمم ؟ كلّا، وإنما المقصود من المريض هو المريض الذي لا يتمكّن بسبب مرضه من الوضوء، فهنا ضُيّق عنوان المريض لا أنّه أخذنا به على سعته.
ومن أمثلة ذلك:- صحيحة معاوية بن عمّار الواردة في المحرِم حيث يحرم عليه الطيب حيث قالت:- ( وإنّما يحرم عليك من الطيب أربعة أشياء المسك والعنبر والورس والزعفران )[1]، فهنا الرواية قد دلّت على أنّ المحرّم هو أربعة عناوين وفي زماننا هذا وجدت عطور بشكلٍ أرقى وأحسن وهل تحتمل أنّ المحرّم هو خصوص تلك الأربعة دون هذه العطور وأنّ تلك الأربعة لها خصوصيّة ؟ كلّا، فإن هذه الأربعة نحملها على المثاليّة إلى الروائح التي كانت بالدرجة العالية بلحاظ تلك الفترة الزمنيّة، فكلّ ما كان عطراً ورائحةً طيّبة بدرجةٍ عاليةٍ يكون محرّماً، فالمدار يكون على كلّ عطرٍ بدرجة عالية.
ومن هذا القبيل:- قوله عليه السلام:-( لا سبق إلّا في خفّ أو حافرٍ أو نصل )[2]، وهل نقتصر على هذه العناوين أو نقول إنّه في تلك الفترة الزمنيّة كانت هذه هي الوسائل المهمّة التي أكّد عليها الشرع والآن لا نحتمل أنّ يكون المدار عليها فإنّه لا يحتمل ذلك.
وقد يقول قائل:- إنّ الإسلام لا يريد هذا ولا ذاك.
قلت:- إنَّ هذا غير صحيح إذ معنى ذلك أنّ الإسلام لا يشجّع على المسابقة في تعلّم هذه الفنون وبالتالي سوف يسيطر علينا الأعداء وهذا غير محتمل، فإذن تحمل هذه الأشياء على المثاليّة على تلك الفترة الزمنيّة.
ومن هذا القبيل:- الآية الكريمة:- ﴿ يا نساء النبي لستنَّ كأحدٍ من النساء إن اتقيتنَّ فلا تخضعنَ بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلنَ قولاً معروفاً ﴾، فهنا الذي أخذ في الآية الكريمة هو عنوان ﴿ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ يعني لا تفعلن ذلك خوف إثارة الشهوة لدى الرجال، ولكن السؤال:- هل يختصّ هذا بالخضوع بالقول فلو فرضنا أنّها لا تخضع بالقول ولكن تعمل شيئاً آخر يوجب أن يطمع الذي في قلبه مرض فهل هذا مشمولٌ أو لا ؟ والجواب:- نعم إنه مشمول، ولذلك يمكن أن نقول كلّ ما يثير شهوة الرجل لا يجوز للنساء فعله حتى العطر ومستند هذا الحكم هو هذه الآية الكريمة، يعني أنَّ هذا العنوان وسّعنا منه بقرينة أنّ العرف لا يرى خصوصيّة للخضوع بالقول فنتجاوز هذا العنوان إلى كلّ ما يوجب طمع الذي في قلبه مرض.