35/01/14


تحمیل
الموضوع:- تنبيهات / التنبيه الرابع ( الأصل المثبت ) / الاستصحـاب / الأصول العملية.
من باب الكلام يجر الكلام انتهى حديثنا فيما سبق إلى أنه هل توجد ثمرة بين الاحتمالين - يعني إذا أصابت النجاسة بدن الحيوان فيوجد احتمالان الأول هو أن بدن الحيوان يتنجس بملاقاة عين النجاسة ويزول التنجس بزوال العين والاحتمال الثاني هو أن بدن الحيوان لا يتنجس أصلاً - ونحن فيما سبق ذكرنا ثمرة ونقلنا إشكالين عليها والأن انشاء الله تعالى نريد أن نتوسّع قليلاً في هذا المجال لأنه بحث ظريف وإن كان مجاله في الفقه ولكن لا بأس بالتعرض إليه هنا لقلّة قراءته والوصول إليه في الفقه فنكرر البحث مع إضافات وهو كما يلي:-
الثمرة بين الاحتمالين:-
ذكر في الثمرة بين الاحتمالين عدة ثمرات.
الثمرة الأولى:- ما تقدمت الاشارة إليه وهي أنه لو كانت النجاسة على بدن الحيوان ثم شككنا في بقائها ثم فرضنا أن اليد أصابت بدن الحيوان وكنّا نشك في بقاء النجاسة فبناءً على أن بدن الحيوان يتنجس نستصحب نجاسة بدن الحيوان ويثبت تنجس اليد لأن موضوع التنجس هو ملاقاة بدن الحيوان والمفروض أن الملاقاة محرزة بالوجدان - أي الملاقاة مع الرطوبة - ونجاسة بدن الحيوان محرزة بالاستصحاب فيثبت التنجس ، وأما بناء على أن بدن الحيوان لا يتنجس فلابد وأن نستصحب بقاء النجاسة ولكن يرد عليه بأن هذا أصلٌ مثبتٌ إذ المهم هو إصابة اليد لتلك النجاسة واستصحاب بقاء النجاسة لا يثبت أن اليد قد لاقت عين النجاسة نعم لو كنّا نعلم بالوجدان ببقاء النجاسة فهنا سوف نعلم أيضاً بالوجدان بإصابة اليد للنجاسة أما إذا فرض أنه لا علم وجداني ببقاء النجاسة بل هناك تعبّد والتعبد يختصّ بمقدار مساحته فحينئذٍ الاستصحاب يقول إن النجاسة باقية أما أن يدك أصابتها فهذا لازم عادي فلا يثبت بالاستصحاب . إذن هذه ثمرة تظهر بين الاحتمالين ، هذا ما ذكرته سابقاً.
وهذه الثمرة قد أشار إليها صاحب الجواهر(قده)حيث قال:- ( ..... لأن استصحاب بقاء العين لا يقضي بثبوت الاصابة ...... نعم لو قلنا بتنجس الحيوان بملاقاة النجاسة واعتبرنا في طهارته زوال العين ...... اتجه الحكم بالنجاسة بملاقاة الحيوان الذي كان عليه نجاسة ولم يعلم زوالها . ولعل هذا هو الثمرة من قولنا بعدم قبول بدن الحيوان النجاسة كالبواطن وليس القول بها والطهارة بالزوال )[1] ، وعبارته واضحة في بيان الثمرة ولا إجمال فيها . ولكن ألفت النظر إلى أنه في الطبعة التي عندي للجواهر العبارة هكذا:- ( اتجه الحكم بالنجاسة لا بملاقاة الحيوان ) والظاهر أن كلمة ( لا ) زائدة وليست في محلها.
وقد أشار إلى هذه الثمرة أيضاً الشيخ الهمداني(قده) في مصباح الفقيه.
[2]
وقد أشكل على هذه الثمرة بإشكالات ثلاثة:-
وقد ذكرت منها سابقاً اشكالين أما الآن فصارت ثلاثة وهي:-
الاشكال الأول:- ما نقلناه عن الشيخ النائيني(قده) وكان حاصله أنه تارةً نبني على أن التنجس يحصل بالسراية واخرى نبني على أنه يحصل بالملاقاة ، فإن بنينا على أنه يحصل بالسراية فالمناسب هو عدم حصول التنجّس على كلا الاحتمالين إذ الاستصحاب على كلا الاحتمالين لا يثبت حدوث السراية فإن السراية لازم غير شرعي لبقاء نجاسة البدن أو لبقاء نفس النجاسة على بدن الحيوان ، وأما بناءً على أنه يتنجس بالملاقاة فالمناسب ثبوت نجاسة اليد على كلا الاحتمالين - يعني بناءً على تنجّس بدن الحيوان وبناءً على عدم تنجسه - لأنها أصابت ولاقت النجاسة جزماً ، هكذا ذكر(قده).
ونحن أشكلنا عليه فيما سبق وقلنا:- إن ما ذكرته بناءً على كون التنجس بالسراية صحيح - أي أنه لا تظهر الثمرة - ولكن بناءً على التنجس تظهر الثمرة إذ بناءً على تنجس بدن الحيوان نحكم بنجاسة اليد لأنها لاقت حتماً بدن الحيوان فإصابة اليد لبدن الحيوان جزميّة وجدانية وكون بدن الحيوان نجسٌ بالاستصحاب ، وأما بناءً على أن بدن الحيوان لا يتنجس فلابد وأن تصيب اليد عين النجاسة ومن أين لك أن اليد أصابت عين النجاسة ؟! إنه لا علم لي بإصابة يبدي لعين النجاسة بل عندي علمٌ بإصابتها للبدن فقط فإذن لا يمكن الحكم بتنجّس اليد .إذن إشكال الشيخ النائيني(قده) مرفوض.
الإشكال الثاني:- ما ذكره السيد الشهيد(قده) وكان حاصله هو أنه حتى لو بنينا على تنجّس البدن فرغم ذلك لا نحكم بتنجس اليد عند إصابتها لبدن الحيوان والوجه في ذلك هو أنه بحسب الواقع إما أن تكون النجاسة موجودة على بدن الحيوان أو ليست موجودة فإذا لم تكن موجودة فيدي لا تتنجس بإصابة بدن الحيوان إذ لو كانت النجاسة ليست موجودة فبدن الحيوان يكون طاهراً وإذا كانت موجودة فهي تتنجس بملاقاة عين النجاسة لا أنها تتنجس بملاقاة بدن الحيوان فإن الملاقاة لعين النجاسة أسبق من ملاقاة البدن فاستصحاب نجاسة بدن الحيوان يكون بلا فائدة وأجزم ببطلانه لأنك ماذا تريد أن تثبت ؟ إنك تريد أن تثبت أن اليد تنجست بملاقاة البدن ونحن نقول إن اليد لا تتنجس بملاقاة البدن لأنه إذا لم تكن هناك نجاسة فالبدن طاهر وإذا كانت هناك نجاسة فاليد تتنجس بملاقاة النجاسة لا بملاقاة البدن ، هذا ما نقلناه عن السيد الشهيد(قده).
[3]
والذي أريد أن أقوله الآن:- إن هذا الإشكال قد ذكره السيد الحكيم(قده) في المستمسك[4]في فصل كيفية تنجس المتنجسات مسالة ( 2 ) من مسائل العروة الوثقى التي بدايتها ( الذباب الواقع ..... ) فإنه في تلك المسألة بعد أن أشار إلى الثمرة بين الاحتمالين - أي تنجس بدن الحيوان وعدم تنجسه - أشكل على الثمرة بما يلي من الاشكال الذي ذكره الشيخ حسين الحلي(قده) وعبارته قريبة مما ذكره الشيخ حسين الحلي(قده).
وممن أشار إلى هذا الإشكال أيضاً الشيخ حسين الحلي(قده) في دليل العروة الوثقى حيث قال ما نصّه:- ( وقد مرَّ الإشكال في هذه الثمرة .... لأن النجاسة إن زالت قبل الدخول في الأناء لم يتنجس الأناء وإن بقيت كان تنجس الماء في الأناء مستندا إلى نفس النجاسة لا إلى متنجسية رجل الذبابة )[5].
ونحن ذكرنا فيما سبق تعليقاً على هذا الإشكال:- بأن هذا يتم فيما إذا فرض أن للنجاسة التي كانت على بدن الحيوان لها جرماً أما إذا كانت خفيفة جداً بحيث أن إصابة اليد لبدن الحيوان تحصل في آن واحد - يعني ملاقاة اليد للنجاسة ولبدن الحيوان في وقت واحد - لا أنه تلاقي أوّلاً النجاسة ثم تلاقي بدن الحيوان بل تلاقيهما في آنٍ واحد فإذا فرضنا هكذا فالثمرة تبقى حينئذٍ سليمة ولا إشكال فيها.
ثم نقلنا ما ذكره السيد الخوئي(قده) عن مصباح الأصول في ردّ هذا الإشكال:- وهو أنه (قده) قال إن المهم هو إثبات النجاسة أما أنها من أيّ منشأ فليس بمهم ، يعني كأنه يريد أن يقول:- إذا فتشنا عن المنشأ فالإشكال واردٌ ولكن المهم هو إثبات أصل النجاسة دون المنشأ وأصل النجاسة يمكن إثباتها حيث أن الشارع عبّدنا ببقاء نجاسة البدن ويلزم من ذلك أن يدنا لو أصابت البدن فيلزم أن تكون متنجسةً فالتعبّد بنجاسة الملاقي - يعني اليد - شيء وجيه بقطع النظر عن المنشأ .
ونحن علّقنا على ما ذكره وقلنا:- نحن نريد أن نثبت نجاسة اليد من خلال المنشأ لا بقطع النظر عنه بل لاحظنا المنشأ وأردنا إثبات نجاسة اليد من خلاله فقلنا إن ملاقاة اليد للبدن جزميّة ووجدانيّة ومقتضى الاستصحاب أن نجاسة البدن باقية فيثبت موضوع تنجّس اليد إذ الملاقاة وجدانية ونجاسة اليد ثابتة بالاستصحاب فتثبت نجاسة اليد . إذن نحن أثبتنا نجاسة اليد من خلال المنشأ لا بقطع النظر عنه.
والجديد الذي أريد أن أقوله هو:- هذا ولكنه(قده) قد تعرّض إلى هذه الثمرة وإلى هذا الاشكال في التنقيح[6]وأجاب(قده) عن الإشكال المذكور بما لعلّه يغاير ما نقلناه من جواب عن مصباح الأصول هو جواب مطوّل وحاصل ما ذكره:- هو أن التنجس - أي تنجس الملاقي - تارةً يكون من باب السبب والمسبّب وأخرى يكون من باب الاعتبار الشرعي عند تحقّق الموضوع ، فإذا فرض أنه كان من باب السبب والمسبّب بمعنى أن نجاسة بدن الحيوان هي سبب لتولّد نجاسة الملاقي – أي اليد – فحينئذٍ الاشكال يكون تامّاً حيث يقال إن نجاسة البدن لا يمكن أن تسبب نجاسة اليد بل اليد تتنجّس قبل البدن بالعين الموجودة على البدن فنجاسة البدن لا يمكن أن تسبّب لنجاسة اليد ولكن الصحيح هو الثاني - يعني أن النجاسة ثابتة بالاعتبار الشرعي بمعنى أنه عند تحقّق موضوع التنجس وهو ملاقاة اليد لبدن الحيوان النجس إن هذا هو موضوع تنجّس اليد فإنه إذا تحقّق فالشارع يعتبر نجاسة اليد الملاقية للبدن ، إنه إذا بنينا على هذا فالإشكال لا يرد حينئذٍ إذ لا نريد أن نقول إن نجاسة اليد تسببّت من نجاسة بدن الحيوان حتى تردّ وتقول هي لم تتسبّب من ذلك بل تسببّت من نجاسة العين الموجودة على البدن كلا فنحن لا نريد أن نحكم بنجاسة اليد من ناحية السببيّة والمسببيّة بل نريد أن نحكم من باب الاعتبار الشرعي عند تحقق موضوعه يعني أن موضوع التنجّس قد تحقق وهو الملاقاة للشيء النجس - يعني ملاقاة اليد لبدن الحيوان المتنجس - فمادام قد تحقق الموضوع فالشارع يقول أنا اعتبر ثبوت النجاسة لليد.
ثم قال(قده) وكيف نثبت أن الاحتمال الثاني هو الصحيح يعني أن نجاسة اليد هي لا من باب السببيّة بل من باب الاعتبار الشرعي ؟ أجاب:- إن هذا شيءٌ ينبغي أن يكون واضحاً وذكر هذا المثال فقال:- لو فرض أنه كان عندنا إناءان وكانت الحالة السابقة للأناء الأول هي طهارة ما فيه بينما الحالة السابقة للأناء الثاني هي النجاسة ثم علمنا بأن واحداً منهما قد تغيرت حالته السابقة - يعني لعلّ الأول تغيرت حالته السابقة فصار نجساً أو أن الثاني تغير والذي كانت حالته السابقة النجاسة فأصبح طاهراً - ففي مثل هذه الحالة ماذا نصنع ؟ إنا نستصحب الحالة السابقة لكل منهما فالأول نستصحب طهارته والثاني نستصحب نجاسته.
ثم بعد ذلك لو فرضنا أن الأناء الأوّل لاقى الأناء الثاني الذي حكم بنجاسته للاستصحاب فهنا هل يحُكم بنجاسة الأناء الأول الذي لاقى الأناء الثاني أو لا ؟
الجواب:- نعم يحكم بتنجّسه والحال أنه بناءً على فكرة السببيّة لا يمكن الحكم بتنجسه فإن الأناء الأول لم تتولد نجاسته من الأناء الثاني جزماً والوجه في ذلك هو أنه إمّا أن نفترض أن المتغير هو الأناء الأول فهذا معناه أنه نجس قبل ملاقاة الثاني بل نشأت من كونه هو نجس ، أو نفترض على أن الذي تغيّر هو الأناء الثاني - أي صار الأناء الثاني طاهراً - والمفروض أن الأناء الأول هو طاهر من البداية فطاهرٌ بطاهر فلا يحصل أي تنجّس . إذن إذا أردنا أن نتعامل معاملة السبب والمسبّب فلا يمكن أن تحصل نجاسة الأناء الأول من الأناء الثاني ، ولكن بلا أشكال يحكم بنجاسة الأناء الأوّل وهذا يدلل على أن الحكم بالنجاسة لم ينشأ من قضية السببيّة بل من قضيّة الاعتبار الشرعي فالشارع يقول مادام قد تحققت ملاقاة ما حُكِم بطهارته - وهو الأناء الأول - مع ما حُكِم بنجاسته - وهو الأناء الثاني - لأنه بالاستصحاب حُكِم بنجاسته فقد تحقّق موضوع تنجّس الأناء الأول وأنا الشارع أحكم واعتبر نجاسة الأناء الأول ولا محذور في ذلك . إذن الأناء الأول نحكم بنجاسته عند ملاقاته للأناء الثاني والحال أنه على السببيّة لا يمكن ذلك وإنما يمكن على فكرة الاعتبار فيثبت بذلك أن فكرة الاعتبار هي الصحيحة ، وبناءً على ذلك فالإشكال الثاني الذي أشار إليه السيد الحكيم(قده) في المستمسك سوف يكون مدفوعاً لأنه تامٌّ بناءً على فكرة السببيّة وليس تاماً بناءً على فكرة الاعتبار.


[1] جواهر الكلام، ج1، 367، 377 في باب الاسئار.
[2] مصباح الفقيه، الهمداني، ج1, ص363، ط جديدة.
[3] التقريرات، السيد الشهيد، ج6، ص201- 202.
[4] المستمسك، الحكيم، ج1، ص472، في فصل كيفية تنجس المتنجسات مسالة2 من مسائل العروة الوثقى التي بدايتها ( الذباب الواقع .. ).
[5] دليل العروة الوثقى، الحلي، ج2، ص575.
[6] التنقيح، الخوئي، ج3، ص191، ط جديدة . ج2، ص206 ط قديمة.