35/02/03


تحمیل
الموضوع:- التنبيه الخامس ( الاستصحاب في الموضوعات المركبة ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
هذا ويمكن الإشكال على ما أفاده الشيخ النائيني(قده):- بأن الاستصحاب السببي أنما يقدّم على المسبّبي لو كأنت السببيّة شرعيّة وأما إذا لم تكن شرعية فحينئذٍ يكون المورد من الأصل المثبت وهذا مطلب واضح وقد تعلمناه منهم وقد أشار إليه(قده) في الكفاية وهنا نقول صحيح أن الشك في بقاء المجموع مسبّب عن الشك في بقاء عدم الكريّة إلى حين الملاقاة إذ لو كأن عدم لكريّة باقياً إلى حين الملاقاة فقد تحقّق المجموع وأن لم يكن باقياً لم يتحقق المجموع ولكن لا يوجد نصٌّ أو مضمونٌ شرعيٌّ يقول ( إذا كان عدكم الكريّة باقياً إلى حين الملاقاة فيا أيها المؤمنون إذن قد تحقق المجموع ) فالمورد ليس من موارد الأثر الشرعي بحيث يكون تحقق المجموع أثراً شرعياً لبقاء عدم الكريّة إلى حين الملاقاة كلا فأن الشارع لم يجعل هذا أثراً لذاك لا في آيةٍ ولا في روايةٍ وإنما هذه ملازمة وسببيّة ليست شرعيّة ومعه يصير المورد من الأصل المثبت وهذه قاعدة عامّة وهي أن السببي يقدّم بشرط أن تكون الملازمة والسببيّة شرعيّة لا أنه متى ما رأيت أن هذا سببي وذاك مسببّي قدّمنا السببي كلا إن هذا ليس بصحيح . إذن جواب الشيخ النائيني(قده) عن هذا الإشكال اتضح أنه محلّ تأمّل.
وأجاب السيد الخوئي(قده)[1]بما محصّله[2]:- إن الحكم حسب الفرض لم يثبت لعنوان المجموع وإنما ثبت لذوات الأجزاء وعليه فلو أريد من إجراء الاستصحاب المعارض لنفي المجموع بما هو مجموع فهذا لا يجري لأن المجموع بعنوانه ليس محطاً للأثر حسب الفرض فما معنى إجراء الاستصحاب لنفي المجموع بعدما كان عنوان المجموع ليس محطاً للأثر بل قد افترضنا أن محطّ الأثر هو ذوات الأجزاء وبما أن ذوات الأجزاء قد ثبت تحققها بالاستصحاب الأوّل بعد ضمّه إلى الوجدان – يعني استصحاب عدم الكريّة إلى حين الملاقاة فهذا يثبت لنا تحقّق ذوات الأجزاء في زمانٍ واحدٍ - فعلى هذا الأساس يلزم تحقّق موضوع تنجّس الماء ولا معنى لإجراء الاستصحاب المعارض بعد فرض أن عنوان المجموع ليس محطّاً للأثر.
وفيه:- صحيح أن عنوان المجموع ليس محطاً للأثر وبالتالي لا معنى لإجراء الاستصحاب المعارض لنفي عنوان المجموع ونسلّم أن محطّ الأثر هو ذوات الأجزاء ولكن نقول:- إنه كما يمكن بالاستصحاب إثبات تحقّق ذوات الأجزاء ليثبت بذلك التنجّس كذلك يمكن بالاستصحاب إثبات انتفاء تحقّق الأجزاء في زمنٍ واحدٍ فينتفي بذلك التنجّس . إذن بالاستصحاب المعارض لا نريد أن ننفي عنوان المجموع حتى يقال إن العنوان المذكور ليس محطاً للأثر بل نريد أن ننفي تحقّق ذوات الأجزاء في زمنٍ واحدٍ فأنه بالاستصحاب الأوّل أريد إثبات تحقق الأجزاء في زمنٍ واحدٍ حتى يثبت التنجّس وحينئذٍ يقال في الاستصحاب الثاني نحن ننفي تحقق الأجزاء في زمنٍ واحدٍ فينتفي الحكم بالتنجّس فتحصل المعارضة وحينئذٍ نقول في المقام إن الاستصحاب الأوّل يثبت التنجّس لأنه حينما نستصحب عدم الكريّة إلى زمن الملاقاة يثبت بذلك أن الملاقاة وعدم الكريّة قد تحققا في زمنٍ واحدٍ فيثبت بذلك التنجّس وحينما نذهب إلى الاستصحاب المعارض نقول هكذا:- إننا نشك هل توجد ملاقاة في زمن عدم الكريّة أو لا فننفي تحقق الملاقاة في زمن عدم الكريّة فصحيح أن الملاقاة هي وجدانيّة ولكن تحققها في زمن عدم الكريّة شيءٌ مجهولٌ لا ندري هل هي ثابتة في زمن عدم الكريّة أو لا فإنهما - يعني الملاقاة والكريّة – لم يكونا موجودين في زمنٍ جزماً وبعد ذلك نشك أن هذه الملاقاة التي تحققت هل تحققت في زمن عدم الكريّة أو لا فننفي بذلك اجتماع الجزأين في زمنٍ واحدٍ وبالتالي ينتفي الحكم بالتنجّس . إذن نحن لا نريد أن ننفي عنوان المجموع بل نريد أن ننفي تحقق الجزأين في زمنٍ واحدٍ لنفي النجاسة فتتحقق آنذاك المعارضة من دون محذورٍ.
والأنسب في مقام الجواب عن إشكال المعارضة التمسك بالجوابين التاليين والجواب الأوّل مختصرٌ مفيدٌ ولا يشتمل على دقّة بينما الجواب الثاني فيه شيءٌ من الدّقة:-
الجواب الأوّل:- أن يقال:- إن الإمام عليه السلام في صحيحة زرارة لم يجرِ الاستصحاب المعارض بل أجرى الاستصحاب الأوّل ولم يعارضه بالاستصحاب الثاني وكفى بفعل الإمام عليه السلام حجّة علينا وبالتالي نقول إن الاستصحاب الثاني لا يعارض الأوّل لصحيحة زرارة ، أما لماذا ؟ فهذا شيءٌ ليس بمهمّ فأن الإمام عليه السلام مادام لم يعارض كفى ذلك ، ولعله لم يجره من باب ما سوف يأتي من أنه إذا كأن عندنا جزآن للموضوع فتارةً يكون كلا الجزأين مجهول التاريخ يعني أن الكرية لا ندري متى حدثت ولا ندري متى حدثت الملاقاة فهما قد حدثا جزماً ولكن لا ندري التاريخ ، واحتمال أن يكون تاريخ الكريّة معلوماً بينما تاريخ الملاقاة ليس معلوماً ، وأخرى يكون بالعكس ، إنه توجد حالات ثلاثة في البين ولا شق رابع لها وسيأتي أنشاء الله تعالى وجود خلافٍ في أنه إذا كان أحدهما معلوم التاريخ والآخر مجهول التاريخ فهل يجري الاستصحاب في معلوم التاريخ أو لا يجري ؟ هناك من قال - كالسيد الخوئي(قده) – إنه يجري الاستصحاب في الشقوق الثلاثة لبيانٍ يأتي فيما بعد ، وهناك احتمال أنه مادام أن تاريخ أحدهما معلوماً فلا يجري الاستصحاب في الذي يكون تاريخه معلوماً لنكتةٍ تأتي أنشاء الله تعالى فيما بعد والمفروض في صحيحة زرارة أن تاريخ أحد الحادثين معلومٌ والحادثان في الصحيحة ما هما ؟ هما الوضوء والصلاة فإن تاريخ الصلاة معلومٌ وهو أنه الآن أريد أن أصلّي غايته عدم ارتفاع الوضوء لا يُعلم فهل أنه ارتفع قبل الصلاة أو أنه ارتفع بعدها فحينئذٍ نقول لعل الإمام عليه السلام لم يجرِ الاستصحاب المعارض - أي استصحاب عدم الصلاة إلى حين وجود الوضوء - من باب أن تاريخ الصلاة معلومٌ بينما تاريخ ارتفاع ذاك مجهولٌ فيجري في ذاك الاستصحاب دون هذا.
والخلاصة:- إن الإمام عليه السلام لم يجرِ الاستصحاب المعارض وهذا شيءٌ مسلّمٌ وكفانا هذا المقدار في الردّ على أصل الإشكال الذي أشار الشيخ النائيني(قده) في أجود التقريرات وإن كنّا لا نعرف النكتة وأنه لماذا لم يجرِ الإمام الاستصحاب الثاني ، ولكن من باب الفائدة الجانبية نقول:- لعل النكتة في عدم إجراء الإمام عليه السلام للاستصحاب المعارض - يعني استصحاب عدم الصلاة إلى حين وجود الطهارة - هي أن الصلاة يعرف تاريخها - وهو أنها وقعت في ساعة قبليّة - فتاريخها معلومٌ ولكن لا يدري بارتفاع الطهارة وأنه متى فحينئذٍ يجري الاستصحاب في بقاء الطهارة لأن تاريخ ارتفاعها يكون مجهولاً ولا يجري في المعارض من باب أنه معلوم التاريخ ، وعلى أي حال المهمّ هو أنه يكفينا أن الإمام عليه السلام لم يجرِ الاستصحاب المعارض.


[1] وهذا الجواب هوعن أصل الشكال الذي سجّله الشيخ النائيني(قده) في أجود التقريرات- وهو اشكال المعارضة بين الاستصحابين-.