35/04/16


تحمیل
الموضوع:- التنبيه السابع ( استصحاب الكلّي واستصحاب الفرد المردّد وغير المردّد ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
وهناك عدّة قضايا ترتبط بهذا الموضوع وهي:-
القضية الأولى:- إن السيد الخوئي(قده) قال هناك فرق بين الملاقي لأحد أطراف العلم الاجمالي في سائر الموارد وبين موردنا ففي سائر الموارد لا نحكم بنجاسة الملاقي - يعني لو لاقت اليد أحد الأطراف نحكم بطهارتها - وذلك لأجل جريان أصالة الطهارة في اليد بينما في مقامنا يوجد استصحاب نجاسةٍ ينقّح وجود نجاسةٍ في الشيء الملاقى فأصل الطهارة لا معنى لإجرائه في اليد لوجود أصلٍ مقدّمٍ عليه وهو الاستصحاب . هذا ما ذكره سابقاً.
وقد يقول قائل:- إن أصل الطهارة يجري في مقامنا أيضاً والوجه في ذلك هو أن أحد الطرفين قد فض تم تطهيره فيجري أصل الطهارة في الطرف الباقي - ينعي الذي لم يُغسَل - بلا معارضٍ وبه نثبت طهارة الملاقى - يعني الطرف غير المغسول أي الطرف الأسفل من العباءة - بأصل الطهارة إذ المعارضة ليست موجودة بعد غسل الطرف الأعلى، وإذا جرى أصل الطهارة في هذا الطرف غير المغسول فيثبت بالتالي طهارة اليد - يعني الملاقي - . هكذا يمكن توجيه أصل الطهارة والحكم بطهارة الملاقي.
والجواب:- إن أصل الطهارة في الطرفين - أعني غير المغسول والمغسول - ساقطٌ بالعارضة حتى بعد فرض غسل الطرف الأعلى فإن غسله لا يزيل المعارضة بل تبقى المعارضة مستمرّة إلى الأبد وذلك لنكتةٍ أشرنا إليها في مبحث العلم الاجمالي حيث قلنا إن غسل أحد الطرفين أو فقدانه بأن نفترض أن الطرف الأعلى قد حُرِقَ مثلاً فتارةً يفترض أن غسل أحد الطرفين - أو خروجه عن محّل الابتلاء أو احتراقه أو غير ذلك - قد حصل قبل العلم الإجمالي وأخرى حصل بعد العلم الاجمالي، فإذا فرض أنه حصل قبل تحقّق العلم الاجمالي فهذا شيءٌ وجيهٌ وتامٌّ كما لو فرض أنه لم يكن عندي علم إجمالي بإصابة النجاسة لأحد طرفي العباءة واتفاقاً غسلت الطرف الأعلى أو فرض أنه فُقِدَ أو خرج عن محلّ الابتلاء وبعد ذلك حصل العلم الإجمالي بأن النجاسة قد أصابته – كما لو مررت بسوق القصّابين وأصابت قطرة دم جزءاً من العباءة إما الجزء الأسفل أو الجزء الأعلى - فالعلم الإجمالي حصل بعد فقدان أحد الطرفين أو خروجه عن محلّ الابتلاء أو غير ذلك فهنا نعم يجري أصل الطهارة في هذا الطرف الموجود من دون معارضة، أما لو فرض أن العلم الإجمالي حصل أوّلاً ثم بعد ذلك خرج أحد الطرفين عن محلّ الابتلاء أو غُسِلَ أو غير ذلك فالمعارضة بين الأصلين تبقى . والنكتة الفنيّة المفرّقة بين الحالتين هي أن المعارضة بين الأصول هي بسبب العلم الإجمالي وفي الحالة الأولى كان الأصلان جاريين بلا معارضٍ لأنه لا يوجد علمٌ إجماليٌّ أسبق فمادام قد فُقِدَ أحدٌ الطرفين قبل العلم الإجمالي فأصله سوف يسقط عن الاعتبار لأنه لا أثر له فيجري الأصل الثاني بلا معارضٍ، وحينما حصل العلم الاجمالي وأحد الطرفين لا يجري فيه الأصل من البداية فيجري الأصل في الطرف الثاني بلا معارضٍ . وأما في الحالة الثانية فالمعارضة موجودة بسبب أن العلم الإجمالي أسبق فالمعارضة مستمرّة إلى أن يحصل فقدانٌ لأحد الطرفين أو يخرج عن محلّ الابتلاء وتبقى المعارضة آنذاك كما هي غايته سوف تتحوّل إلى الفرد القصير والطويل، يعني نقول إنّنا نعلم بأنه إما هذا الطرف الباقي هو الطاهر إلى الأبد أو أن ذلك الذي غُسِل أو خرج عن محلّ الابتلاء هو طاهر إلى فترة الخروج عن محلّ الابتلاء وأما ما بعد الخروج عن محلّ الابتلاء فلا أثر لطهارته، فإذن تحصل معارضة بين أصل الطهارة إلى الأبد وبين ذاك ما قبل خروجه عن محلّ الابتلاء أو ما قبل غسله، فنحن نجزم بأن أحد الأصلين كاذبٌ ولا يجري فالمعارضة إذن مستمرّةٌ موجودةٌ في هذا في الطرف الموجود فأصل الطهارة فيه لا يمكن أن يجري لأنه معارضٌ بأصل الطهارة في ذلك الطرف.
وقد تقول:- أيُّ ثمرةٍ لجريان أصل الطهارة في ذلك الطرف والمفروض أنه قد خرج عن محلّ الابتلاء أو غُسِل أو غير ذلك ؟
قلنا:- إن الثمرة في ذلك تظهر فيما إذا كان له أثراً مستمرّاً رغم فقدانه ففي مثل هذه الحالة يكون أصل الطهارة فيه جارياً قبل فقدانه ويكون معارضاً إلى هذا الأصل فإن أصل الطهارة إذا كان يجري في ذاك قبل فقدانه فأثره مثلاً هو طهارة الملاقي وإذا كان لا يجري فأثره هو نجاسة الملاقي له - أي إذا حصلت ملاقاة قبل فقدانه - . إذن هنا يوجد أثرٌ لأصل الطهارة إذا كان يجري قبل الفقدان في ذلك الطرف لا أنه ليس له أثرٌ أبداً ومادام له أثر فالمعارضة تكون مستقرّة وبالتالي لا يجري أصل الطهارة في هذا الطرف الموجود الذي لم يُغسَل.
والمهمّ الذي أريد أن أقوله هو أن هذا الطرف الذي لم نغسله لا يمكن أن يجري فيه أصل الطهارة لأنه لا زال يعارضه أصل الطهارة في ذلك الطرف الأعلى قبل غسله فالمعارضة موجودة لكن غاية الأمر أنها تتحوّل بين الفرد الطويل والفرد القصير، فلا يحتملنَّ أحدٌ ويقول:- ( لنجري أصل الطهارة في الطرف الأسفل وإذا أجريناه وثبتت طهارته فعلى هذا الأساس نقول إن اليد التي تلاقيه هي طاهرة أيضاً )، إن هذا الكلام لا يأتي رداً على السيد الخوئي(قده).
القضية الثانية:- إن الشبهة التي ذكرها السيد اسماعيل(قده) والجواب الذي ذكرناه عليها هما معاً ناظران إلى حالة كون الأثر مترتباً على الفرد دون الكلّي فإن الشبهة التي ذكرها(قده) هي أن النجاسة لو أصابت أحد القسمين من العباءة - إما الأسفل أو الأعلى - وقد غسلنا أحد القسمين، فمحلّ الشبهة هو هنا، ونحن نقول له إن الأثر هنا هو أثرٌ للفرد فإن نجاسة يدي مترتّبة على يكون الشيء الملاقى نجساً فلابد من إثبات نجاسة الملاقى والملاقى هو الطرف الأسفل والطرف الأعلى ولا يوجد ثالثٌ، فالأثر أثرٌ مترتّب على الفرد - يعني على نجاسة الطرف الأسفل أو على نجاسة الطرف الأعلى - والمفروض أنه لا مثبت لنجاسة الطرف الأسفل إذ لا يقين بنجاسته سابقاً كما لا مثبت لنجاسة الطرف الاعلى إذ لا يقين وذلك الطرف المعلوم عند الله لا يخلو من أحدهما فلذلك نقول لا يمكن إثبات نجاسة الملاقى وبالتالي لا يمكن الحكم على اليد بأنها قد تنجّست، فصحيح هي قد لاقت شيئاً ولكن ذلك الشيء لا طريق إلى إثبات نجاسته لأن الاستصحاب لا يجري في الطرف الأسفل ولا في الطرف الأعلى . إذن محلّ الكلام هو هنا وشبة السيد اسماعيل(قده) هي هنا وجوابنا كذلك هنا . أما إذا فرض أن الأثر كان أثراً للكلّي وليس للفرد فلا تأتي هذه الشبهة وبالتالي لا يأتي جوابنا أيضاً - يعني أنّا لا نحتاج إليه لأن الشبهة لا تأتي - كما لو فرض أن الانسان علم بأن نجاسة قد أصابت إما الطرف الأعلى من بدنه أو الطرف الأسفل منه وغسل الطرف الأعلى وأراد أن يصلّي فهنا هل يجري استصحاب نجاسة البدن وبالتالي هل نحكم عليه بعدم جواز الدخول في الصلاة ؟ نعم يجري استصحاب نجاسة البدن وبالتالي نحكم بعدم جواز الدخول في الصلاة إذ نقول إن البدن كان نجساً سابقاً جزماً والآن نشك - لأنا غسلنا أحد طرفي البدن - فيجري استصحاب بقاء نجاسته فلا يجوز الدخول في الصلاة، إن هذا لا مانع منه، بل نقول أكثر من ذلك فنقول إنا نرجع إلى مثال العباءة ونقول إذا إصابتها نجاسة إما في الطرف الأعلى أو في الأسفل وغسلنا الطرف الأعلى وأردنا الدخول في الصلاة بهذه العباءة فهل يجري استصحاب نجاستها أو لا ؟ وهل يجوز الدخول بها في الصلاة أو لا ؟ والجواب:- إنه يجري استصحاب نجاستها ولا يجوز الدخول بها في الصلاة.
والسؤال:- إنه ما الفارق بين نجاسة الملاقي - أي اليد - حيث قلنا بأنها لا تتنجّس وقلنا أن الاستصحاب لا يجري في الطرفين أو في الكلّي أما هنا بلحاظ الدخول في الصلاة قلنا يجري الاستصحاب ولا مانع فما هي النكتة الفارقة ؟
والجواب:- إن النكتة الفارقة هي أنه في باب تنجّس اليد يكون تنجّس اليد مترتّب على نجاسة الملاقى، يعني أن الشيء الذي تلاقيه اليد لابد وأن يكون هناك مثبتٌ لنجاسته إما علماً وجدانيّاً أو أصلاً تعبّدياً والمفروض أنه لا يوجد علم وجدانيٌّ ولا أصلٌ تعبّدي يثبت نجاسة هذا الملاقى فإنني أُلاقي الطرف الأسفل وهو لا مثبت لنجاسته لعدم اليقين السابق بنجاسته ولا الطرف الأعلى لعدم الشكّ لأنه غُسِل ووجود أصل النجاسة في الثوب لا ينفع لأن المهمّ هو أني أريد أن تكون اليد قد أصابت ذلك الشيء النجس والمفروض أنه لا يوجد أصلٌ يثبت أن ما أصابته يدي هو نجسٌ ووجود تلك النجاسة بنحو الوجود المحمولي لا يثبت أن ما لاقته كان نجساً، فإذن نجاسة اليد هي من آثار نجاسة الملاقى والمفروض أنه لا أصل يثبت ذلك . وهذا بخلافة في مسألة جواز الدخول في الصلاة فإن الأثر مترتب على أن يكون الثوب أو البدن نجساً بقطع النظر عن أطرافه، ومن الواضح أن البدن أو الثوب كان نجساً جزماً والآن نشك في بقاء نجاسته فنستصحب بقاء النجاسة . إذن صار واضحاً أن مورد شبهة السيد اسماعيل(قده) وجوابنا هو ناظر إلى حالة ما إذا كان الأثر أثراً للفرد، أما إذا كان الأثر اثراً للكلّي فالاستصحاب يجري بلا مشكلة ولا يوجد إشكال من طرف السيد إسماعيل ولا من طرفنا فكلّنا متسالمون على أن الاستصحاب يجري ولا يجوز الدخول في الصلاة.
القضية الثالثة:- إن فذلكة جوابنا على السيد اسماعيل(قده) هي أن المورد ليس من استصحاب الكلّي بل هو من استصحاب الفرد المردّد فإشكالك إن ّتمَّ فهو يتمُّ على الفرد المردّد وليس على استصحاب الكلّي، والوجه في كون جوابنا يرجع إلى أن المورد من استصحاب الفرد المردّد هو أن الأثر في موردنا مترتّبٌ ليس على وجود نجاسةٍ في العباءة بل هو مترتّبٌ على نجاسة هذا الطرف الأسفل أو نجاسة هذا الطرف الأعلى فالطرفان لهما خصوصيّة فتنجّس اليد من آثار نجاسة الطرف الأعلى أو الطرف الأسفل - أي من آثار الفرد - والفرد لا يجري فيه الاستصحاب، وليست النجاسة أثراً للكلّي - أي لنجاسة الثوب - فلو كانت نجاسة اليد من آثار نجاسة الثوب فلا بأس بجريان الاستصحاب فنقول إن الثوب كان نجساً والآن هو كذلك، ولكن نجاسة اليد ليست من آثار نجاسة الثوب وإنما هي من آثار نجاسة هذا الطرف الذي لاقيته أو ذاك الطرف فهي من أثار الفرد وليست من آثار الكلّي فلذلك قلنا في مثال الصلاة إنه يجري الاستصحاب لأن الأثر هناك ثابت للكلّي.
وإذا سألتني وقلت:- لماذا صار الأثر هنا للفرد وصار هناك للكلّي ؟
قلت:- هذا يتبع الاستظهار من الأدلّة فإن المستفاد منها هو أن نجاسة الملاقي هي أثرٌ لنجاسة الملاقى الذي أصابته اليد أو غيرها فهو من آثار الجزئي، بينما في مسألة الدخول في الصلاة فالأثر هو أثرٌ للكلّي - أي الثوب إذا كان نجساً - من دون خصوصيّة لهذا الطرف أو ذاك الطرف.