35/06/08


تحمیل
الموضوع:- التنبيه التاســع تعــارض الاستصحــاب مــع غيــره ( تعارض الاستصحابين في باب العلم الإجمالي ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
ومن خلال هذا اتضح أن النقض على الشيخ النائيني(قده) مسجّلٌ وثابتٌ ؛ فإن الانتقاض في كِلا الموردين ثابتٌ بنحو العلم الاجمالي لا أنّه في أحدهما بنحو العلم التفصيلي فلا شكّ وفي الآخر بنحو العلم الاجمالي فيوجد الشك.
بل يمكن اضافة نقضٍ آخر وذلك بأن يقال:- لو فرض أن الشخص بعد أن فرغ من صلاته اليومية - كصلاة الظهر -مثلاً - وسلّم شكّ هل توضأ لصلاة الظهر أو لا فماذا قال الفقهاء ومنهم الشيخ النائيني ؟ إن هذه الصلاة محكومة بالصحّة لقاعدة الفراغ ولكن يلزم الوضوء لأجل الصلوات الآتية وذلك لاستصحاب عدم تحقّق الوضوء، فحينما أريد أن أصلّي صلاة العصر أشك هل يوجد وضوء أو لا، والحالة السابقة هي عدم الوضوء، ففي منتصف الليل كنت نائماً ولا يوجد وضوء وأشكّ هل حصل الوضوء أو لا فأستصحب عدم الوضوء.
ولا تقل:- إذا صار هكذا البناء في الاستصحاب فصلاة الظهر أيضاً يوجد فيها استصحاب كهذا ؟
ولكن هذا قد أجيب عنه:- بأنه صحيحٌ يوجد هناك استصحاب ولكن يوجد ما يتقدّم عليه وهو قاعدة الفراغ، وهذا بخلاف الصلاة الثانية فإن الاستصحاب لا يوجد ما يتقدّم عليه إذ الفراغ يصدق بلحاظ الصلاة الأولى فقط وأمّا الصلاة الثانية فلا فراغ منها بل الآن أريد أن أشرع فيها فقاعدة الفراغ لا مورد لها فيبقى الاستصحاب وحده ونتيجته حينئذٍ لزوم الوضوء للصلاة الثانية، بينما الصلاة الأولى وإن كان هناك مجالٌ للاستصحاب ولكن يوجد ما يحكم عليه وهو قاعدة الفراغ . هكذا قالوا ومنهم الشيخ النائيني(قده).
وحينئذٍ نقول للشيخ النائيني(قده):- كيف تجري هذين الأصلين - يعني قاعة الفراغ والاستصحاب - والحال نحن نعلم بأن أحدهما باطلٌ جزماً، فإمّا أنّي متوضئٌ واقعاً فالاستصحاب بلحاظ الصلاة الثانية يكون باطلاً، أو أكون غير متوضئٍ واقعاً فقاعدة الفراغ بالنسبة إلى الصلاة الأولى تكون باطلة، فأحد هاتين القاعدتين هو باطلٌ جزماً ورغم ذلك حكمت بجريانهما ؟!!
إذن بناءً على ما ذكرت من المحذور الثبوتي وأنه يلزم زوال الشكّ عند العلم بانتقاض أحدى الحالتين إذا كان يزول الشك يلزم هنا أن يزول الشك فلا تجري القاعدتان والحال أن الفقهاء أجروهما وأنت كذلك تجريهما .
وهذا محذورٌ يتسجّل عليه أيضاً بناءً على المحذور الثبوتي الذي ذكره، وبالتأمّل يمكن أيضاً أن نأتي بأمثلةٍ ونقوضٍ أخرى من هذا القبيل بشرط أن تكون مسلّمة - يعني أن تكون موارد مسلّمة ويسلّم بها الشيخ النائيني(قده) مثلاً -، فهذه نقوضٌ تتسجّل عليه.
ومن خلال هذا يتّضح أن المناسب في المقام أن يقال في توجيه عدم جريان الاستصحابين - يعني استصحاب النجاسة في هذا الإناء واستصحاب النجاسة في ذاك الإناء - أن لا نقول بما أفاده الشيخ الأعظم(قده) من التنافي بين الصدر والذيل لما أشرنا من جوابٍ وهو أن المستفاد من قوله ( ولكن انقضه بيقين آخر ) يعني بيقينٍ تفصيليٍّ كاليقين السابق وحيث إن السابق تفصيلي فاللاحق يلزم أن يكون تفصيلياً أيضاً، فعدم الجريان هو ليس للنكتة التي أفادها الشيخ الأعظم(قده)، ولا للنكتة التي أفادها الشيخ النائيني(قده) - أعني المحذور الثبوتي وأنه مع العلم بالانتقاض في إحدى الحالتين يلزم أن لا يكون لدينا شكّ - فإنه بناءً على هذا يلزم ورود النقضين اللذين أشرنا إليهما فيلزم أن لا يجري الأصلان في مورد النقضين والحال هو يجريهما في مورد النقضين فلو كان الشكّ ليس موجوداً يلزم أن لا يجري الأصلان . إذن النكتة في عدم جريان الأصليين التنجيزيّين لا ما أفاده الشيخ الأعظم ولا ما أفاده الشيخ النائيني بل لنكتةٍ ثالثةٍ وهي أن العرف والعقلاء يشعرون بالتناقض بين العلم بانتقاض إحدى الحالتين وبين الحكم ببقاء كلتا الحالتين، إنه يوجد نحوٌ من التنافي بالنظر العرفي وإن كان لا تناقض بالنظر العقلي كما أشرنا، ولكن مادام العرف يرى التناقض ولو لأساسٍ باطلٍ فإن هذه الرؤية العرفيّة سوف توجب انصراف إطلاق دليل الأصل الذي يقول ( لا تنقض اليقين بالشك ) أو يقول ( كلّ شيءٍ لك طاهر ) أو يقول ( كلّ شيءٍ لك حلال ) ... وهكذا إلى خصوص الشبهة البدويّة . إذن الفهم العرفي المذكور يصير سبباً لتحقّق انصراف الإطلاق إلى خصوص الشبهة البدويّة، وهذا طريقٌ سهلٌ ومختصرٌ وهو عرفٌّي ووجدانيٌّ فإن الانسان العرفيّ لا يتقبّل الحكم بالنجاسة على الإناءين اللذين يعلم بأن أحدهما طهر - والحالة السابقة لهما كانت هي النجاسة - . نعم لو ورد دليلٌ خاصٌّ في ذلك بأن جاءت وراية خاصّة وقالت ( في مورد الإناءين اللذين يُعلم بنجاستهما سابقاً ثم علم بطروّ الطهارة على الآخر فالحكم هو جريان استصحاب النجاسة في كليهما )، فلو فرضنا أن الرواية وردت في المورد الخاصّ - يعني في باب العلم الإجمالي - فالعرف يخضع حينئذٍ لهذا وإن كان بعرفيّته قد يشعر بالامتناع من داخله ولكن تسليماً للشرع يتقبّل ذلك، ولكنّ المفروض في مقامنا أنه لا يوجد دليلٌ خاصٌّ وإنما يوجد عندنا إطلاقٌ - يعني شامل للشبهة البدويّة وللشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي - ومثل هذا الشعور بالتناقض والتهافت يصير موجباً لانصراف هذا الاطلاق إلى خصوص الشبهة البدويّة . إذن لا محذور ثبوتيّ كما أفاده الشيخ النائيني ولا محذور إثباتي بالشكل الذي أفاده الشيخ الأعظم، بل هو محذورٌ إثباتيّ بهذا المعنى - أعني أن هذا الشعور بالتناقض عرفاً يوجب انصراف الإطلاق إلى خصوص الشبهة البدويّة.
إن قلت:- ماذا تصنع إذن في الأمثلة المتقدّمة التي سجّلت كنقضٍ على ما ذكره الشيخ النائيني، يعني بتعبير آخر:- في مثال السائل المردّد بين الماء وغيره أو من شكّ بعد الفراغ من الصلاة أنه متوضئ أو أنه لا، فماذا تصنع في هذين المثالين ؟! فإنه بناءً على ما ذكرتَ يلزم أن لا نحكم في المثال الأوّل باستصحاب بقاء الحدث واستصحاب طهارة الأعضاء لعلمنا بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما فدليل الاستصحاب سوف يكون منصرفاً عن مثل هذه الحالة ويختص بمورد الشبهة البدويّة دون هذا المورد الذي يوجد فيه علم إجمالي !! . إذن بناءً على ما ذكرته يرد هذا النقض في المثال الأوّل، ويرد أيضاً في المثال الثاني فإنه يلزم أن تجري قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الصلاة الأولى واستصحاب عدم تحقّق الوضوء بالنسبة إلى الصلاة الثانية، لأنه بالتالي نحن نعلم بأن إحدى الحالتين السابقتين قد انتقضت، فكلتا القاعدتين لا تجريان للانصراف العرفي ن وهكذا في سائر الموارد التي هي من هذا القبيل.
قلت:- إنه يمكن أن نقول إن العرف يشعر بالمنافاة فيما إذا كانت الحالتان السابقتان من جنسٍ واحد، يعني كانت الحالة السابقة في كِلا الطرفين هي النجاسة مثلا ًفهذا نجسٌ وذاك نجسٌ فهنا العرف يصعب عليه أن يتقبّل الحكم ببقاء نجاستهما معاً مع فرض علمه بطروّ الطهارة على أحدهما، فيتحقّق انصراف الاطلاق إلى خصوص الشبهة البدويّة، أمّا إذا فرض أن الحالتين السابقتين لم تكونا من جنسٍ واحدٍ بل كانتا من جنسين مختلفين كما في موردَي النقضين السابقين - أعني من توضأ بالسائل المردّد بين الماء والبول ومن شكّ بعد الصلاة أنه متوضئ أو لا -، فإذا فرض أن الحالة السابقة كانت من جنسين مختلفين كما في المثالين والنقضين السابقين فالعرف إمّا أنه لا يشعر بالتناقض، أو أنّ شعوره بالتناقض شعورٌ ضعيفٌ لا يشكّل انصرافاً والمفروض في الموردين هو اختلاف الجنس لأن الحالة السابقة في المثال الأوّل لهذا الانسان كانت هي أنه محدثٌ والحالة السابقة في الثانية هي أنه كانت اليد طاهرة . إذن الحالة السابقة في أحد الموردين طهارة اليد وفي المورد الثاني هو الحدث وهما من جنسين مختلفين، وهكذا بالنسبة إلى المثال الثاني.
إذن مادامت الحالة السابقة مختلفة فإمّا أنّه لا شعور بالتناقض أبداً أو يوجد شعورٌ ولكنه بدرجةٍ ضعيفة . وإذا فرض أن شخصاً قال إني أشعر بالتناقض بدرجةٍ واحدةٍ في الجميع فنقول له إن المناسب لك أن تدّعي انصراف دليل الاستصحاب وغيره عن حالة العلم الإجمالي ولا مانع من ذلك ولا ينبغي أن تكون الصناعة مقيّدة للوجدان وموجبة لهجره إذا فرض أن هذا الشعور موجودٌ حقّاً . ولكن كما قلت إنّ الذي أشعر به هو أن المنافاة موجودةٌ في حالة وحدة الجنس، وأما في حالة الاختلاف فإما أنّي لا أشعر بالتهافت أو أني أشعر به بدرجةٍ ضعيفةٍ لا توجب الانصراف.
إذن النتيجة:- هي أن الأصول في أطراف العلم الاجمالي سواء كانت ترخيصيّة أم كانت تنجيزيّة فعلى كِلا التقديرين لا تجري للمحذور الإثباتي الذي أشرنا إليه - أعني أن الشعور بالتنافي عرفاً بين العلم بانتقاض أحدى الحالتين السابقتين وبين التعبّد ببقائهما - وهذا الشعور بالتهافت يوجب انصراف دليل الأصل إلى حالة الشكّ البدوي.
وقبل أن ننهي حديثنا عن ذلك لا بأس وأن نشير إلى قضيّة:- وهي أنه هل تترتّب ثمرة - أو ثمرات - على ما ذكره المشهور من جريان استصحاب النجاسة في كِلا الطرفين حتى يختلف ما صرنا إليه عمّا صار إليه المشهور ؟ فهل توجد ثمرة بين ما إذا قلنا بأن الاستصحاب يجري في الطرفين وبين ما إذا قلنا هو لا يجري في الطرفين ؟