35/07/10


تحمیل
الموضوع:- كبرى انقلاب النسبة / التعارض غير المستقر.
المورد الثاني:- العام والمطلق.
إذا ورد دليلان متعارضان بنحو العموم من وجه وأحدهما عام والآخر مطلق ففي مادة الاجتماع - أو بالأحرى مادة المعارضة - ما نفعل ؟
ونذكر لذلك مثالين:-
المثال الأوّل:- تعارض الاستصحاب مع قاعدة الطهارة أو قاعدة الحلّ وقد تقدّمت الاشارة إلى ذلك، فلو فرضنا أنّه عندي ماءٌ كانت حالته السابقة هي النجاسة والآن أشكّ هل أصابه المطر أو لا ؟ فإذا أصابه المطر فقد طهر فإن رؤية ماء المطر للشيء تطهّره ولا يحتاج إلى عصر، فأنا احتمل أنّ هذا الماء النجس قد أصابه ماء المطر وطهر، هنا يتعارض أصلان فاستصحاب النجاسة يقول لي هو باقٍ على النجاسة وقاعدة الطهارة تقول لي هذا طاهر لأنّا الآن نشك هل هو طاهر أو نجس وقاعدة الطهارة تقول:- ( كلّ شيء لك نظيف حتى تعلم أنه قذر ) وهذا لا أعلم أنّه قذر فإذن هو محكوم بالطهارة لقاعدة الطهارة فيتعارضان هنا فماذا نفعل وأيّهما نقدّم ؟ قال الشيخ النائيني والسيد الخوئي (قده) إنَّ الاستصحاب هو المقدّم - وواضح أنّه هو المقدّم من الجنبة الأصولية بلا خلافٍ ولكن كيف التخريج الفنّي ؟ - من باب الحكومة حيث قالا إن المجعول في باب الاستصحاب هو جعل العلميّة[1]، إنّه على رأي العلمين يقال إنّ الاستصحاب بجريانه سوف يولّد لنا علماً بنجاسة هذا الماء المشكوك غايته هو علمٌ بالتعبّد وليس علماً وجدانياً وبذلك يرتفع موضوع قاعدة الطهارة، يعني بجريان الاستصحاب يتولّد لي علمٌ بنجاسة هذا الشيء ومع العلم التعبّدي بنجاسته لا تجري قاعدة الطهارة لأن موردها هو الشكّ، وهذا قد تقدم بيانه.
إذن على رأي العلمين يقدّم الاستصحاب من باب الحكومة عند تعارض الاستصحاب مع قاعدة الطهارة بهذا البيان الذي أشرنا إليه وتقدّم سابقاً . ولكن إذا لم نقبل بهذا الطريق فهل يوجد طريق آخر ؟
هنا قال السيد الشهيد(قده):- إنّه يتقدّم الاستصحاب من باب أنّ العموم فيه أقوى، وكيف هو أقوى ؟ لأجل أن بعض روايات الاستصحاب تشتمل على كلمة ( أبداً ) - يعني ( لا تنقض اليقين أبداً بالشك ) - ولفظ ( أبداً ) مدلوله كمدلول كلمة ( كلّ ) و ( في جميع الحالات ) و ( في كلّ موردٍ ) فدلالتها على العموم بالأداة يعني أنّ العموم عمومٌ وضعي، بينما بالنسبة إلى قاعد الطهارة أو قاعدة الحلّ فهي تشمل المورد بإطلاقها، فيصير تعارضٌ حينئذٍ بين الاطلاق وبين العام فيقدّم هنا العام وهو دليل الاستصحاب لاشتماله على كلمة ( أبداً ).
فإذن اجتمع العام والمطلق وقُدِّم العام على المطلق في مادّة الاجتماع . هذا كمثالٍ على رأي السيد الشهيد(قده).
المثال الثاني لهذا المورد:- هو ما دلّ على أنّ كلّ حيوانٍ يطير فمدفوعه طاهر، ونصّ الرواية وهي صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام:- ( كلّ شيءٍ يطير فلا بأس ببوله وخُرئه )[2]، وهناك رواية أخرى تقول إنّ الحيوان إذا كان يحرم أكل لحمه فمدفوعه نجس كالسباع والقط وغيرهما بينما الدجاجة والشاة وكلّ ما يجوز أكل لحمه فمدفوعه وبوله طاهر، والرواية هي صحيحة عبد الله بن سنان:- ( قال أبو عبد الله عليه السلام:- اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه )[3].
والسؤال:- لو فرض أنّ الحيوان كان مجمعاً لكلا العنوانين - يعني يطير ولا يؤكل لحمه - كالنسر وغيره فهذه حينئذٍ لا يجوز أكلها وهي طاهرة . وهناك مسألة ابتلائية وهي الخفاش فإنه مجمع العنوانين فمدفوعه طاهر أو نجس ؟ فإن أخذنا بالرواية الأولى فهو طاهر، وإذا أخذنا بالرواية الثانية فهو نجس، فهنا ماذا نصنع ؟ إنّ هناك وجوهاً للتقديم وأحدها هو تقديم الحديث الأول الوارد في عنوان الطائر لأن فيه عنوان الكلّ لأن الرواية قال ( كلّ شيءٍ يطير ) فدلالته بلحاظ مادّة الاجتماع بواسطة الأداة - وهي ( كلّ ) - وهذا عموم وضعي، بينما الثاني دلالته بواسطة الاطلاق حيث قالت:- ( اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمة )، ومالا يؤكل لحمه يشمل بإطلاقه ما كان طائراً فيقدّم ذلك الأوّل من باب أنه بالعموم.
والخلاصة لحد الآن:- إذا اجتمع مطلقٌ وعمومٌ وتعارضا بنحو العموم من وجه ففي مادّة الاجتماع والمعارضة قيل إنّ المقدّم هو العموم , ولكن لماذا ؟
يمكن أن نذكر وجهين في هذا المجال:-
الوجه الأوّل:- ما ذكره الشيخ الأعظم(قده) في الرسائل في باب التعادل والتراجيح[4] ووافقه الشيخ النائيني(قده)[5]، وحاصل ما ذكره الشيخ الأعظم:- هو أنّ ظهور العام ظهورٌ تنجيزيٌّ بينما ظهور المطلق ظهورٌ تعليقيٌّ والظهور التنجيزي مقدّمٌ على الظهور التعليقي.
أمّا بالنسبة الى المقدّمة الأولى - يعني أن ظهور العام تنجيزي بينما ظهور المطلق تعليقي - فوجهه واضحٌ فإن انعقاد الاطلاق في المطلق يتوقّف على مقدّمات الحكمة، وواحدة من مقدّمات الحكمة هي عدم القرينة على التقييد - أو بالأحرى عدم وجود ما يصلح للقرينية -، ومن الواضح إنّ العام يصلح أن يكون قرينةً على التقييد فإن المفروض أنّ ظهور العام ليس تعليقيّاً - يعني لا يحتاج إلى مقدمات الحكمة - وإنما هو تنجيزيٌّ بسبب الوضع . إذن ظهور العام تنجيزيٌّ بسبب الوضع والوضع متحقّقٌ، فحينما تقول الرواية:- ( كلّ شيءٍ يطير فلا بأس ... ) فالظهور هنا منعقدٌ إذ الوضع حاصلٌ، فكلمة ( كلّ ) موجودة وهي موضوعة للعموم فالظهور ظهورٌ تنجيزيٌّ، أمّا الرواية الأخرى التي قالت:- ( اغسل ثوبك من أبوال ملا يؤكل لحمه ) فذاك إطلاقٌ والظهور في الاطلاق موقوفٌ على عدم وجود ما يصلح للتقييد، وذاك العام الذي يقول ( كلّ شيءٍ يطير فلا بأس ... ) صالحٌ لتقييد هذا لمطلق لأن ظهوره ظهورٌ تنجيزيٌّ، فعلى هذا الأساس تثبت المقدّمة الثانية أيضاً وهي أنَّ الظهور التنجيزي مقدّمٌ على التعليقي، والنكتة أيضاً صارت واضحة باعتبار أن التعليقي يتوقف انعقاده على عدم وجود ما يصلح للقرينية وحيث إنّ العام صالح للقرينية على التقييد فلا ينعقد ظهورٌ في الاطلاق ويبقى الظهور في العموم وحده لأن ظهوره تنجيزيٌّ فيكون هو المحكَّم.
وناقش صاحب الكفاية(قده)[6] وقال:- صحيحٌ أنّ ظهور العام تنجيزيٌّ، وصحيحٌ أنّ ظهور المطلق تعليقيّ، ولكن نقول:- إنَّ ظهور المطلق يتوقّف على عدم وجود ما يصلح للتقييد فيما إذا كان متّصلاً، يعني شرطه هو القرينة المتّصلة على التقييد، فهي التي تمنع من انعقاد الظهور في الاطلاق أو عدم القرينة على التقييد ولو المنفصلة، وكلامك أيها الشيخ الأعظم يتمّ إذا كان انعقاد الاطلاق موقوفاً على عدم القرينة المتصلة والمنفصلة على التقييد فإنه بمجيء القرينة المنفصلة لا يعود هناك ظهورٌ في الاطلاق فيبقى ظهور العام وحده بلا معارض.
أمّا إذا قلنا إنّ المدار على عدم القرينة المتّصلة فقط دون المنفصلة فحينئذٍ نقول:- حيث إنّ العام قرينةٌ منفصلةٌ - لأنه ليس متصلاً بالمطلق وإنما أحدهما منفصلٌ عن الآخر - فظهور المطلق في الاطلاق ينعقد وذاك أيضاً ينعقد ظهوره في العموم، فكلا الظهورين يكون منجّزاً وثابتاً وبالتالي لا يعود هناك مرجّح لتقديم العموم على الاطلاق بعدما كان ظهور كلٍّ منهما تنجيزياً، والصحيح هو أنَّ المدار على عدم القرينة المتّصلة فقط لا على عدم القرينة المتّصلة والمفصلة . هذا ما أفاده صاحب الكفاية في مناقشة الشيخ الأعظم.
ونحن تأييداً لصاحب الكفاية نقول له:- إنَّ الحقّ معك، يعني أنَّ المدار على عدم القرينة المتّصلة فقط، والوجه في ذلك:- هو أنَّ أصحاب الأئمة عليهم السلام - يعني مثل أصحاب الإمام الصادق عليه السلام - هل كانوا يعملون بالمطلقات التي كانت تصدر من الإمام الصادق أو لا ؟ إنهم كانوا يعملون بها جزماً والحال أنّه يحتمل ورود مقيّدٍ بعد ذلك من الإمام الهادي أو من الإمام العسكري عليهما السلام، فورود المقيّد من الإمام المتأخّر شيءٌ محتملٌ، إنه على رأي الشيخ الأعظم لا يجوز العمل بهذه المطلقات وأنهم كانوا لا يعملون بها، وهل تلتزم بذلك ؟!! كلّا.
إذن المدار على عدم القرينة المتّصلة لا على عدم القرينة للمتّصلة والمنفصلة معاً.
نعم لا أمثّل بالموالي العاديين يعني قد يساعدني شخص ويقول:- إنه يلزم إذا صدرت من الموالي العرفيين مطلقات فلا نتمسّك بها لاحتمال أنه بعد غَدٍ سيذكر لنا المقيّد، فإذن حتى في الموالي العرفيين سوف تلزم المشكلة وليس في أصحاب الأئمة فقط والحال أنّ العقلاء جرت سيرتهم على أنّه إذا صدر مطلقٌ من المولى العرفي كالأب أو المعلم أو الجهة التي يكون أمرها مطاعٌ فإنهم يعملون به بلا توقّف، فعلى رأي الشيخ الأعظم(قده) يلزم عدم العمل بالمطلقات الصادرة من الموالي العرفيين أيضاً.
ولكن هذا يمكن دفعه:- باعتبار أنّ الموالي العاديين عادةً إذا كانوا يريدون التقييد فإنهم يذكرون المقيّد إلى جنب المطلق ولا يفصلونه، فعدم ذكر المقيّد يورث الاطمئنان بأنّ المقيّد ليس موجوداً وإلّا لذكروه، ولذلك أتوقّف من التمثيل بالموالي العرفيين وأمثّل بأصحاب الأئمة عليهم السلام فقط.


[1] ولكن على خلاف بينهما فالشيخ النائيني(قده) قال إنّ المجعول في الاستصحاب هو جعل العلميّة من زاوية الجري العملي لا من زاوية الكاشفية، بينما للسيد الخوئي(قده) قال بل من زاوية الكاشفيّة - والذي قلنا إنه يصير أمارة على رأيه-.
[4] تراث الشيخ الانصاري، الانصاري، تسلسل27، ص97، 98.
[5] أجود التقريرات، الخوئي، ج2، ص503.