35/07/17


تحمیل
الموضوع:- موارد الجمع العرفي التي لم يقع فيها اختلاف / التعارض غير المستقر.
المورد الخامس:- أن يكون أحدهما أظهر أو نصّاً بخلاف الآخر، كما لو فرض أن أحد الدليلين يقول ( لا بأس بترك صلاة الجمعة في زمان الغيبة ) بينما الدليل الآخر يقول ( صلّ في زمان الغيبة صلاة الجمعة )، إنّ الأوّل نصٌّ في جواز الترك والرخصة فيه وإباحته ولا أقل هو أظهر في ذلك، وهذا بخلاف الثاني فإن ( صلِّ ) ظاهر في الوجوب، فهذا ظاهرٌ في الوجوب وذاك الأوّل يقول ( لا باس بترك الجمعة زمن الغيبة ) وهو إمّا نصٌّ أو أظهر في جواز الترك فيكون الأوّل مقدَّماً على الثاني ونؤوّل الثاني ونحمله على الاستحباب لأجل الأول الذي هو نصٌّ أو أظهر في جواز الترك . هذا نحوٌ من أنحاء الجمع العرفي وقد مرَّت علينا أمثلته في البحث الفقهي مراراً.
المورد الساس:- شاهد الجمع . كأن يفترض أنه يوجد عندنا ثلاث طوائف من الروايات طائفة تقول ( تجب صلاة الجمعة ) وطائفة أخرى تقول ( لا تجب الجمعة ) وثالثة تقول ( إن كان الزمان زمان الحضور فتجب الجمعة )، إنّ هذا الثالث يكون شاهدَ جمعٍ فإن مفهومه هو أنه ( وإن لم يكن الزمن زمن الحضور فلا تجب الجمعة ) فيكون هذا الثالث مفصِّلاً بين زمن الحضور فتجب وبين زمن الغيبة فلا تجب، فهذا الدليل الذي يفصلّ بين الزمانين يصلح عرفاً أن يكون شاهدَ جمعٍ بين الروايتين السابقتين فتحمل الرواية الدالة على وجوب الجمعة على زمن الحضور وتحمل الثانية النافية على زمن الغيبة . وهذا ليس تطبيقاً لكبرى انقلاب النسبة فإنّا ذكرنا فيا سبق أن الفرق بين كبرى انقلاب النسبة وبين شاهد الجمع هو أنه في شاهد الجمع نفترض أن الرواية التي تكون شاهد جمع دالة على التفصيل كهذه الرواية فإنها بالمفهوم تدلّ على أنّ الزمن إذا كان زمن الغيبة فلا تجب صلاة الجمعة، أمّا إذا لم يكن لها مفهوم فهذا معناه أنها لا تدلّ على التفصيل فالمورد لا يكون من وموارد الجمع وإنما يصير من موارد كبرى انقلاب النسبة . هذا هو الفارق ولابد وأن نلتفت إليه.
وقد وتقول:- إنه في شاهد الجمع كيف يصير شاهدَ جمعٍ بين الروايتين الأوليين، فما هو مدركه ؟
والجواب:- إن مدركه هو العرف، لأنّا نقول إنّ هذا شاهدَ جمعٍ عرفاً يعني أنّ العرف يصنع هكذا، يعني حينما يرى العرف رواية مفصِّلة بين زمن الغيبة وبين زمن الحضور فنفس هذه الرواية يجعلها العرف شاهد جمعٍ . نعم لو قلت إنّ العرف لا يصنع هكذا فهذا لا بأس به، لكن إذا اعترفنا بأن العرف يصنع هكذا فهذا يكون بنفسه مدركاً، فبالتالي مدرك شاهد الجمع هو العرف والمفروض أنّ المتكلم - كما قلنا سابقاً - يتكلّم وفق الأساليب العرفيّة وحيث أنّ الاسلوب العرفي يقتضي أن يكون هذا شاهدَ جمعٍ فإذن من المناسب تطبيق ذلك على المورد.
المورد السابع:- أن يكون أحد الدليلين وارداً مورد التحديد بخلاف الثاني فيقدّم آنذاك في مورد المعارضة ما كان وارداً مورد التحديد لأن ظهوره يصير أقوى فيتقدّم من باب أقوائية ظهوره.
ومن هذا القبيل:- ( لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب عن ثلاث:- الطعام والشراب، والارتماس، والنساء )، وجاءت رواية أخرى دلّت على أنّ من بقي على الجنابة حتى طلع الفجر فعليه قضاء ذلك اليوم، إنّ هذا يدلّ على أنّ من جملة المفطرات هو البقاء على الجنابة[1]، أو أن هناك رواية دلّت على أنّ الغبار يفطّر، أو الكذب على الله وعلى رسوله هو مفطر ويوجب القضاء، فسوف تحصل المعارضة بين الأولى التي دلّت على أنّ المفطرات ثلاثة لا أكثر وبين هذه الدالة على أنه مفطّر فماذا نصنع ؟
قال جماعة كالسيد الخوئي(قده) وغيره نخصّص الأولى بالثانية فإن الأولى بمفهومها تدلّ على أنّ غير الثلاثة لا يكون مفطراً وهذا مطلقٌ يشمل حتى مثل البقاء على الجنابة والكذب على الله وعلى رسوله والغبار وغيرها فنثلم هذا الاطلاق ونقيّده بتلك الروايات فيصير المورد مورد التخصيص كسائر موارد التخصيص، وعلى هذا أفتوا بأن البقيّة - من البقاء على الجنابة وغيرها – هي من المفطرات.
ولكن في المقابل يوجد رأي آخر وهو أن نقول إنّ الأولى واردة مورد التحديد - أي تحدد المفطرات - فهي تقول ( المفطرات ثلاثة ) وهذا يوجب لها قوّةً في الظهور بحيث يوجب أنّ نحمل ذاك الآخر - أي ( من بقي على الجنابة قضى ذلك اليوم ) -حمله على الاستحباب، فإذنه وإن كان ظاهراً في وجوب القضاء لكن لأجل أقوائيّة ذاك لأن ذاك وارد مورد التحديد فيكون في ظهوره أقوى من ذلك الآخر . فالمقصود هو أنه عند التعارض فما كان وارداً مورد التحديد يكون مقدّماً على غيره.
المورد الثامن:- ما إذا كان تقديم أحدهما يوجب تخصيص المورد المستهجن بخلاف ما لو قدّم الآخر فإنه لا يلزم منه المحذور المذكور فيقدّم ما لا يلزم منه ذلك، ومثاله آية النبأ - ﴿ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ﴾ - مع دليلٍ آخر يدلّ على حجيّة خبر الثقة في الموضوعات، إن النسبة بينهما هي العموم من وجه لأن الأوّل يدلّ على أن خبر الفاسق ليس بحجّة من دون فرقٍ بين الموضوعات والأحكام - فهو يقول ﴿ إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا ﴾ فهو خاصّ بالفاسق وعامٌّ من ناحية الموضوعات والأحكام - أمّا الثاني فهو دالّ على أنّه إذا كان الخبر إخبارٌ عن الموضوع كأن يكون هذا الماء كرّ أو أنَّ الوقت قد دخل أو غير ذلك من الموضوعات وكان المخبِر ثقةً فهو حجّة، إنّ هذا الثاني أعمّ من ناحية أنّ الموضوع هو الثقة سواء كان فاسقاً أو غير فاسق فهو عام من هذه الناحية ويشمل الاثنين معاً وخاصٌّ باعتبار أنه وارد في الموضوعات فهو يدلّ على حجيّة خبر الثقة في خصوص الموضوعات دون الأحكام، وهما يجتمعان ويتعارضان في خبر الثقة الفاسق في الموضوعات كما لو جاءنا ثقة فاسق وأخبرنا بموضوعٍ من الموضوعات كأن أخبرنا بأن الوقت قد دخل وما شاكل ذلك فتحصل المعارضة فأن الأوّل يدلّ على عدم الحجيّة لأنه قال إنّ المدار لو كان فاسقاً فتبينوا حتى في الموضوعات بينما الثاني يقول مادام هو ثقة ففي الموضوعات هو حجّة وإن فاسقاً والمفروض أنّ هذا في الموضوعات فيكون حينئذٍ حجّة فيتعارضان في إخبار الثقة عن موضوعٍ، ولكن إذا أردنا أن نقدّم الثاني فالنتيجة سوف تصير هي أنّ خبر الثقة وإن كان فاسقاً هو حجّة في الموضوعات وهذا يلزم منه تخصيص المورد المستهجن، ولماذا ؟ لأن مورد آية النبأ هو الوليد - على ما ذكر في أسباب نزول الآية – حيث جاء وأخبر بارتداد جماعةٍ فإذا أردنا أن نخصّص فمادّة الاجتماع نخرجها حينئذٍ من الدليل الأوّل ونبقيها تحت الدليل الثاني الدال على الحجيّة فيلزم من ذلك تخصيص المورد المستهجن لأنّ المورد من الموضوعات والآية الكريمة قد دلّت على أنه لا يكون إخبار الفاسق فيه حجّة فلو ثبتت الحجيّة له يلزم تخصيص واخراج مورد الآية وشأن نزولها وذلك مستهجن . إذن يلزم أن نقدّم الأوّل الذي لا يلزم منه هذا لمحذور.
المورد التاسع:- ما إذا كان تقديم أحدهما على الآخر موجباً لاستثناء القدر المتيقّن من الدليل الآخر.
وفرق هذا عن سابقه هو أنه في السابق يلزم تخصيص المورد أمّا على هذا فلا يلزم تخصيص المورد وإنما يلزم تخصيص وإخراج ما هو المتيقّن من الدليل الآخر.
ومثال ذلك:- رواية جميل التي قالت:- ( إن على كلّ حقٍّ حقيقةً وعلى كلّ صوابٍ نوراً فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه )[2]، إنّ هذا يدلّ على أنّ المخالف للكتاب هو ليس بحجّة فدعوه والحجة هو خصوص الموافق، فإذا جاءنا دليل آخر دلّ على حجية خبر الثقة وكان مخالفاً للكتاب فتحصل المعارضة فإن مقتضى الدليل الثاني هو الحجيّة لأنه يقول ( خبر الثقة حجة ) وبأطلاقه يشمل الموافق والمخالف للكتاب والأوّل يقول إن المخالف ليس بحجّة والحجّة هو الموافق فقط، فقد يقال:- نقدّم الثاني لأنّه وارد في الخبر بينما الأوّل وارد في مطلق الأمارة لا خصوص الخبر لأنّ الأوّل قال ( إن على كلّ حقّ حقيقة وعلى كلّ صوابٍ نوراً فما وافق .... ) ولم يقل ( الخبر .. ) فهو ليس وارداً في خصوص الخبر وإنما في كلّ أمارة، فإذن الدليل الوارد في الخبر لنجعله مخصّصاً للأوّل الذي هو عام، ولا أقل نقدّمه على الأوّل فتكون النتيجة هي استثناء الخبر وبالتالي يصير الخبر حجّة حتى لو كان مخالفاً ولا يلزم أن يكون موافقاً.
وجوابه:- صحيح أنّ الدليل الأوّل هو لم يرد في خصوص الخبر بل ورد في كلّ أمارة ولكن القدر المتيقّن من الأمارة المتعارفة والغالبة والمتداولة هو الخبر، فالخبر هو القدر المتيقن من الدليل الأوّل فصحيح أنّ الدليل الأوّل لم يأخذ عنوان الخبر ولكن الخبر هو القدر المتيقّن منه إذ هو الأمارة المتعارفة والمتداولة، وعلى هذا الأساس لو قدّم لدليل الثاني الدال على حجيّة خبر الثقة حتى لو كان مخالفاً للكتاب على الأوّل فيلزم حينئذٍ إخراج القدر المتيقّن فإن الخبر هو القدر المتيقّن من الأمارة - من قوله ( فما كان موافقاً فخذوه وما كان مخالفاً فدعوه ) - فيلزم من تقديم الثاني على الأوّل استثناء وإخراج القدر المتيقّن، فإذن في مثل هذه الحالة لا نقدم الثاني على الأوّل، بل نعكس ونقدّم الأوّل على الثاني الذي لا يلزمه هذا المحذور.
هذه انحاءٌ تسعةٌ للجمع العرفي، وحينما ذكرناها لا نقصد منها الحصر بل لعله توجد أنحاءٌ أخرى يعثر عليها الفقيه حينما يواجه الروايات، فنفس عملية الاستنباط ومواجهة الروايات قد تجعله يلتفت إلى وجهٍ عرفيّ جديدٍ، فلذلك لابد من إعمال النظر من هذه الناحية.


[1] ومصطلح ( هذا مفطر ) يعني يوجب القضاء ففي باب الصوم حينما يقال مفطر يعني يوجب القضاء لا أن صومك فسد فيجوز لك أن تتناول الطعام والشراب كيفما تريد، كّلا بل مواصلة الصوم ثابتة وهو باقٍ على الصوم.