35/08/11


تحمیل
الموضوع:- مقتضى القاعدة الثانوية في المتعارضين / أحكام التعارض المستقر.
المناسب سقوطه بلحاظ مادّة المعارضة فقط، فإن عنوان المخالفة ينطبق على المقدار المذكور وما زاد على ذلك - أعني مادّة الافتراق - حيث لا يصدق عليه عنوان المخالف للكتاب فلا موجب لسقوطه عن الحجيّة.
إن قلت:- إنّ هذا يعني التبعيض في الصدور، يعني إنّ الخبر صادرٌ في مادّة الافتراق وليس بصادرٍ بلحاظ مادّة المعارضة والاجتماع وهذا لا معنى له فإنه إذا كان صادراً فهو صادرٌ بلحاظهما وإذا لم يكن صادراً فهو ليس صادراً بلحاظهما أيضاً أمّا أن يكون صادراً بلحاظ مادّة الافتراق وليس بصادرٍ بلحاظ مادّة الاجتماع فهذا لا وجه له بل لا يمكن.
قلت:- ليس المقصود هو التبعيض في أصل الصدور وإنما ذلك هو تبعيضٌ في التعبّد بالصدور الذي يعبّر عنه بالحجيّة، فهذا تبعيضٌ في الحجيّة - أي في التعبّد بالصدور - ولا محذور في مقام التعبّد بالصدور أن يعبّدنا الشارع من هذه الزاوية دون تلك رغم التلازم بينهما، إنّ هذا شيءٌ ممكن.
إن قلت:- سلّمنا هذا وأنه لا محذور من ناحية التفكيك لأنه تفكيكٌ من حيث التعبّد بالصور وليس تفكيكاً من حيث أصل الصدور ولكن كيف تُثبِت هذا التفكيك في مقام التعبّد فإن الدليل المهمّ على حجيّة الخبر هو السيرة ومن قال إنّ السيرة منعقدة على ذلك - يعني أنها تطرح الخبر من حيث مادّة المخالفة وتأخذ به من حيث مادّة الاجتماع التي يصدق فيها عنوان المخالفة وتأخذ به من حيث مادة الافتراق التي لا يصدق عليها عنوان المخالفة - ؟ إن هذا التفكيك كما ذكرنا هو ممكنٌ ولكن ليس كلّ ممكنٍ هو واقع فعليك أن تثبت لي وقوع هذا التفكيك في مقام التعبّد، وحيث لا نجزم بأنّ السيرة قد انعقدت على هذا لتفكيك لأنها دليلٌ لبّي فعلى هذا الأساس لا مثبت لحجيّة الخبر المخالف بلحاظ مادّة الافتراق.
قلت:- إنّ ما ذكر شيء وجيه - يعني لابد من اثبات أن العقلاء يفككون بالشكل المذكور – ولكن نحن ندّعي أنّ هذا التفكيك ثابتٌ عقلائياً، فإنّا نشعر بارتكازاتنا العقلائيّة أنّه لا مبرر لسقوط الخبر بلحاظ مادّة الافتراق ونأبى ذلك وهذا الإباء الذي نشعر به عقلائياً هو يدلّ على أنّ الارتكاز العقلائي والسيرة العقلائيّة هي على الأخذ بالخبر في مادّة الافتراق، وعلى هذا الأساس لا موجب للتشكيك من هذه الناحية.
والنتيجة النهائية:- إنّ الخبر يسقط عن الحجيّة بلحاظ مادّة الاجتماع - أعني المعارضة - دون مادّة الافتراق.
الأمر الثالث:- إنّ المخالف للكتاب ساقط عن الحجيّة كما ذكرنا ولكن هل نتعدّى إلى مخالفة كلّ دليل قطعيّ وإن لم يكن كتاباً كما إذا فرض أنّه كانت لددينا سنّةٌ قطعيّةٌ فجاءت روايات متعدّدة من أهل البيت عليهم السلام كعشر روايات مثلاً تدلّ على أنّ الخمر نجس - أي أنها تورث القطع أو الاطمئنان - فإذا جاءت رواية واحدة ظاهرها الطهارة فيصدق على هذه الرواية أنها مخالفة للدليل القطعي ولكن هذا الدليل القطعي ليس هو الكتاب الكريم وإنما هو سنّةٌ شريفة، فهل أنّ مخالفة الدليل القطعي الذي لا يصدق عليه عنوان الكتاب الكريم يكفي لسقوط الخبر عن الحجيّة وأنَّ ما دلّ على أنّ المخالف ليس بحجة شامل لهذا المورد أو نبقى متعبّدين لخصوص عنوان مخالفة الكتاب الكريم ولا نتجاوز أكثر من ذلك ؟ وهذه قضيّة مهمّة تنفعنا في مقام الاستنباط كثيراً.
المناسب هو التعميم، والوجه في ذلك هو أنّ مخالفة الكتاب الكريم إنما أوجبت سقوط الخبر المخالف عن الحجيّة باعتبار أنّه يمثّل دليلاً قطعياً على الحكم الشرعي ولا خصوصيّة لكونه كلام الله عز وجل وإنما لأجل أنّ هذا الكلام الشريف يدلّ على الحكم الشرعي وإلّا فبما هو كلامٌ فلا يوجب سقوط المخالف عن الحجيّة، نعم إنّ كلام الله بعنوانه يؤثر مثلاً في احترامه الزائد وفي السجود له إذا تلي - كآية السجدة - أمّا من الزاوية التي نبحثها فلا يؤثر، والزاوية التي نبحثها هي أنّ الخبر المخالف هل يسقط عن الحجيّة إذا خالف الكتاب الكريم ؟ نعم يسقط عن الحجيّة لكن لا لأنّه يخالف الكتاب بما هو كتاب بل لأنّه يخالف الدليل القطعي على الحكم الالهي والحكم الشرعي، وحيث إنّ السنّة الشريفة تمثّل الحكم الالهي والشرعي أيضاً فمخالفة الدليل القطعي على الحكم الالهي ولو من جهة السنّة الشريفة يكفي حينئذٍ.
إذن المناسب هو التعميم لمطلق الدليل القطعي على الحكم الشرعي لقرينة مناسبات الحكم والموضوع، فإن المناسب لسقوط الخبر المخالف عن الحجيّة هو أنّه يسقط لأجل أنه مخالفٌ للدليل القطعي للحكم الالهي الشرعي من دون خصوصيّة لكون ذلك كلام الله فهذه الحيثية ليس لها تأثير من هذا الجانب.
إن قلت:- لعلّ الروايات حكمت بسقوط المخالف للكتاب الكريم لا لمجرد أنّه مخالفٌ للدليل القطعي على الحكم الشرعي بل هناك إضافة فهو سقط عن الحجيّة لأنه مخالفٌ للدليل القطعي على الحكم الشرعي بإضافة أنّه لا يحتمل فيه التقيّة، فالكتاب الكريم هو دليلٌ قطعيٌّ على الحكم الشرعي وليس فيه احتمال التقيّة فإنّ الله تعالى لا يتقي، فعلى هذا الأساس مادام هذا الاحتمال موجوداً فلا يمكن أن تعدّى إلى ما كان مخالفاً للسنّة القطعيّة لأن السنّة القطعيّة يحتمل فيها التقيّة ويكفينا مجرد الاحتمال.
قلت:- هذا إذا تمّ فهو يتمّ في السنّة القطعيّة للأئمة عليهم السلام ولا يتمّ في السنّة القطعيّة للرسول صلى الله عليه وآله فإن التقيّة ظهرت واحتيج إليها بعد عهد الرسول وليس في زمانه، ولكن نقول هو لا يتمّ حتى في سنّة الأئمة عليهم السلام القطعية باعتبار أنّ احتمال التقيّة يأتي في الرواية والروايتين والثلاث والأربع فيحتمل أنّ هذه الرواية قد صدرت من الإمام تقيّةً وهكذا الرواية الثانية والثالثة والرابعة أمّا أن تصدر عشر روايات تقيّة - وهذا العدد هو الذي يكوّن الاستفاضة والسنّة القطعيّة - فهذا يكون احتمال التقية فيه بعيداً فإن التقيّة تحتاج إلى خبرٍ أو خبرين أو ثلاث لا هذا الكمّ الهائل، فنفس الكمّ الهائل يُضعّف من احتمال التقيّة ويزيله.
إذن مادام الكمّ هائلاً فيصدق حينئذٍ على السنّة القطعيّة أنّها دليلٌ قطعيٌّ على الحكم الالهي من دون أن يحتمل فيه التقيّة فيكون المخالف له ساقطاً عن الحجية.
إذن المناسب التعدّي من مخالفة الكتاب الكريم إلى ما يخالف السنّة القطعيّة، ولذلك نحن في الفقه نسير على هذا المسير، يعني متى ما فرض أنّه توجد روايات في حكمٍ معيّن بكمٍّ هائلٍ بحيث تشكّل عنوان السنّة القطعيّة فالرواية المخالفة لو كانت واحدة أو اثنين نقول هي ساقطة عن الاعتبار في حدّ نفسها لأنها مخالفة للسنّة القطعيّة - أي للدليل القطعي على الحكم الالهي-.
إن قلت:- إنّ الحكم الالهي إذا كان قطعيّاً في هذا الجانب فمن البديهي أن تسقط الرواية المخالفة عن الحجيّة من دون حاجة إلى دليلٍ خاص يدلّ على ذلك، فالقضية أوضح من أن تحتاج إلى دليل، وذلك باعتبار أنّ هذا الدليل إذا كان قطعيّاً فلازم قطعيّته القطع ببطلان ما يقابله وإلا فالقطع بهذا لا يجتمع مع احتمال صواب ذاك لأنّ هذا معناه أنّه لا يوجد قطعٌ أو اطمئنانٌ، فمتى ما قطعت في هذا الجانب وأنّ الحكم الالهي هو هذا فيلزم أن أقطع ببطلان المخالف، وهذا حكمٌ على القاعدة وبديهيٌّ ولا يحتاج إلى دليلٍ ولا إلى رواية . وهذا الكلام يُسرّى حتى إلى المخالف للكتاب الكريم فإن الكتاب الكريم مادام يفيد القطع فالمخالف له سوف يُقطَع ببطلانه حينئذٍ ومع القطع ببطلانه يكون ساقطاً عن الحجيّة على طبق القاعدة بلا حاجة إلى رواياتٍ تدلّ على ذلك.
وبالتالي هذا إشكالٌ ليس على تعميم المخالف لكلّ ما يخالف الدليل القطعي أعم من الكتاب أو السنّة الشريفة وإنما هذا إشكال على أصل المطلب، يعني حينما قيل إنَّ المخالف للكتاب الكريم هو ساقطٌ عن الاعتبار فهذا مطلبٌ مسلّم ولا يحتاج إلى أن نستدلّ له بالروايات بل هو حكمٌ على القاعدة إذ مع القطع في هذا الجانب يستحيل أن يكون ذلك الثاني محتمل الصواب بل يلزم القطع ببطلانه فسقوطه على الحجيّة يكون على طبق القاعدة بلا حاجة رواية . ولازم هذا أن تصير الروايات إرشاداً إلى هذا الحكم البديهي وإلا فنحن لا نحتاج الى الروايات.