33/12/19


تحمیل
 الموضوع / تنبيهات / قاعدة لا ضرر / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 وقبل أن نذكر الجواب ينبغي أن نلتفت إلى أن الجواب الذي يلزم ذكره لدفع الاشكال المذكور أن يكون دافعاً لجميع الصيغ الثلاث ، وأيضاً يلزم توفر خصوصية ثانية في الجواب وهي أن يكون دافعاً للإشكال في جميع موارده لا أنه يدفعه بلحاظ القصاص والديات مثلاً دون الخمس والزكاة أو يدفعه بلحاظ هذه الأربع دون الجهاد والضمان . إذن لابد وأن يكون الجواب دافعاً للإشكال بلحاظ جميع هذه الموارد وايضا يكون دافعاً له بصيغه الثلاث ، وهذه قضية نؤكد عليها من جهة أن أجوبة القوم - كما سوف نتعرض إليها فيما بعد انشاء الله تعالى - لا تشتمل على هاتين الخصوصيتين وإنما الجواب الذي سوف نذكره هو المشتمل على هاتين الخصوصيتين . إذن أوّلاً نذكر الجواب الصحيح المشتمل على هاتين الخصوصيتين وبعده نذكر أجوبة القوم.
 وحاصل الجواب الصحيح أن يقال:- نحن نسلم أن الأحكام الشرعية تشتمل على ملاكات في متعلقاتها فالله عز وجل حينما أوجب الصلاة إنما أوجبها لمصلحة فيها وهكذا أوجب القصاص لمصلحة فيه خلافاً للأشاعرة حيث لا يبنون على التحسين والتقبيح العقليين فلا يرون من اللازم نشوء الأحكام الشرعية من ملاكات في متعلقاتها أما نحن العدلية حيث نرى أن ذلك شيء قبيح والعقل يحكم باستحالة صدور القبيح من الحكيم المطلق فيلزم وجود مصلحة غايته أن هذه المصلحة قد تكون عائدة إلى الشخص وقد تكون عائدة إلى المجتمع وقد تكون عائدة للاثنين معاً فان المصلحة اللازمة لا يتحتم أن تكون راجعة إلى الفرد إذ يكفي لانتفاء القبح وثبوت حسن التشريع ثبوت المصلحة ولو كانت عائدة إلى المجتمع.
 وإذا عرفنا هذا فنقول:- حيث أن جميع الأحكام الشرعية تشتمل على مصلحة في متعلقاتها فلا يصدق أنها أحكام ضررية بل هي أحكام ذات مصلحة وما ينشأ عن المصلحة لا يكون ضررياً وقبيحاً بل الأمر بالعكس فعدمه سوف يكون ضررياً فيد السارق توجد مصلحة في قطعها بأن لا يعود هو إلى السرقة ويكون ذلك عبرة للآخرين فقطع اليد يكون شيئاً في موقعه المناسب ولا يكون حكماً ضررياً بل الأمر بالعكس إذ لو لم يشرّع ذلك للزم الضرر حيث أن المجتمع سوف يكون ارتكاب السرقة عنده أمراً هيناً وسهلاً مادام لا يوجد حائل يحول دون وقوعه في ذلك ، نعم ربما يتضرر نفس الشخص بقطع يده ولكن بالتالي سوف ينتفع المجتمع ككل والشارع حينما ينفي الضرر في أحكامه إنما ينفيها من زاويته ومن ناحيته فيقول أنا كمشرع لا يوجد من زاوية تشريعاتي ضرر نعم هذا الفرد ربما يتضرر ولكنه إذا نظرنا من زاوية التشريع فلا يوجد فيه ضرر بل توجد مصلحة ونفع فعلى هذا الأساس لا يصدق على قطع يد السارق أنه حكم ضرري من جهة الشارع نعم هو ضرري من جهة الفرد أما من جهة الشارع فهو ذا مصلحة.
 وأيضاً يكون الأمر واضحاً في جميع موارد الديات والقصاص فانها من هذا القبيل ، وأما بالنسبة إلى الزكاة الخمس والكفارات فأمرها أوضح فإن المجتمع لا يمكن أن تسير عجلته الاقتصادية إلا بذلك وربما يعود النفع إلى الفرد أيضاً فالزكاة حينما تؤخذ من الفرد تصرف في مواردها وأحد مواردها سبيل الله ومن مصاديق سبيل الله بناء الجسور وتعبيد الطرق وما شاكل ذلك فإنه بالتالي يكون ذلك نفعاً عائداً إلى المكلف الباذل نفسه ، ونظام الضرائب - إن لم تكن فاحشة - شيء عقلائي وتتداوله الدول الآن بل الدولة لا يستحكم أمرها عادة إلا بنظام الضرائب غايته بشرط أن لا تكون فاحشة فنظام الضرائب شيء عقلائي وذا مصلحة ومطلوب فمن زاوية المشرِّع سوف لا يصدق أن حكمه مضر بل يكون حكمه نافعاً وذا مصلحة.
 ويتضح بهذا أيضاً وجه الجواب بالنسبة إلى الصلاة والصوم والحج فإنه وإن كان يوجد فيها ضيق على المكلف كأن يستيقظ صباحاً وقد يكون فيه تضييق على حريته وسلب لها ولكن في ذلك نفع عائد إليه معنوياً وتربيةً له وبعد الكسر والانكسار لا يصدق حينئذ أن هذا الحكم مضرّ له بل هو نافع له إذ ربّاه تربية صالحة . إذن مادام قد افترضنا وجود مصلحة للفرد أو للمجتمع أو للاثنين معاً فلا يكون مثل هذا الحكم ضررياً .
 نعم قد تشكل بالنسبة إلى مسألة تنجس المرق الكثير إذا كان قد أصابته نجاسة فإن النص [1] - وهي صحيحة زرارة الواردة في المرق والاخرى الواردة في الدهن - دل على أنه لابد وأن يراق ويجتنب وهذا ضرر على المالك ، وهكذا قد يشكل على المريض إذا أجنب نفسه عمداً فانه قد ورد النص بأنه يجب عليه أن يغتسل ما دام أجنب عن عمدٍ [2] ، وكما ورد في ماء الوضوء وأنه إذا لم يوجد إلّا بأضعاف قيمته لزم شراؤه [3] ، فإنه في هذه الموارد الثلاثة مثلاً يلزم التضرر فكيف ندفع الاشكال في مثل هذه الموارد الثلاثة أو ما شاكها - إن كان - ؟
 والجواب:- إن جوابنا السابق يأتي هنا فنقول:- حتماً توجد مصلحة لأجلها شُرِّع هذا الحكم غايته نحن نجهلها فإذا سلمنا بوجود مصلحة عائدة إلى الفرد أو المجتمع أو الاثنين معاً فسوف لا يكون مثل هذا الحكم ضررياً.
 إن قلت:- هذا وجيه بناءً على أن الاحكام تابعة لمصالح في متعلقاتها ولكن لِمَ لا نقول هي ناشئة من مصالح في أصل الجعل ، والمصلحة في أصل الجعل وإن كانت غير معقولة عادة ولكن في بعض الموارد قد تكون مقبولة من قبيل قوله تعالى ( فبظلم من الذين هادوا حرَّمنا طيبات أحلّت لهم ) [4] إن سبب التحريم هو الظلم الذي حصل منهم ، إذن المصلحة هي ليست في المتعلق وإنما المصلحة هي ظلمهم فكيف ندفع الإشكال إذا كانت المصلحة من هذا القبيل ؟
 والجواب:- هو الجواب السابق حيث نقول:- مادام توجد مصلحة للتحريم والحكم فبالتالي لا يصدق على مثل هذا الحكم أنه ضرري من جهة الشارع فمن زاويته يكون هذا الحكم صالحاً للمكلف ومربيّاً ونافعاً له والحديث يريد أن ينفي الضرر من زاوية الشارع نفسه.
 وعلى هذا الأساس يندفع الاشكال بتمام صيغه الثلاث لا بصيغة دون أخرى ، ويندفع أيضاً في جميع الموارد لأن النكتة التي ذكرناها - وهي نكتة وجود المصلحة - نكتة سيّالة ، هكذا ينبغي أن يجاب عن هذا الاشكال.


[1] الوسائل 1 205 5 من أبواب الماء الضاف ح 1 ، وهكذا رواية السكوني في نفس المصدر ح3.
[2] الوسائل 3 373 17 من أبواب التيمم.
[3] كما ورد ذلك في الوسائل 3 389 26 من أبواب التيمم.
[4] النساء الآية 160.