34/02/09


تحمیل
 الموضوع / التنبيه الخامس / تنبيهات / قاعدة لا ضرر / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 الوجه الخامس:- وهو للشيخ النائيني(قده) أيضاً [1] وحاصله:- إن الحديث لو شمل الأحكام العدمية لزم تأسيس فقه جديد ، وحيث أن هذا باطل فيترتب عليه أن الحديث لا يشمل الأحكام العدمية ، أما كيف يلزم تأسيس فقه جديد ؟ نرجئ ذلك إلى ما بعد إكمال هذه الوجوه لأن الحديث في ذلك يحتاج إلى شيء من التطويل.
 الوجه السادس:- إن الحديث لو شمل الأحكام العدمية فسوف يلزم توجه العدم إلى العدم وذلك شيء ليس بعرفيّ وإن كان أمراً مقبولاً بحسب الدقة إما لأجل أن نفس توجيه العدم إلى العدم هو شيء مرفوض عرفاً أو لأجل أن نتيجة عدم العدم هو طلب الوجود فالمناسب التعبير بطلب الشيء الموجود فلا معنى عرفاً لأن تقول ( لا لا أحب الشاي ) بل قل ( أحب الشاي ) .
 وبالجملة:- العرف يرفض توجيه العدم إلى العدم ، وإذا قبلنا بهذا فنقول في مقامنا:- إن حديث لا ضرر فيه كلمة ( لا ) فلو شمل الأحكام العدمية يعني عدم الضمان الذي ذكرناه في المثال الأول من الأمثلة المتقدمة فيلزم توجيه النفي إلى النفي فالنفي الأول هو الموجود في حديث لا ضرر والنفي الثاني هو عدم الضمان فلزم توجيه النفي إلى العدم . فإذن الحديث لا يشمل الأحكام العدمية لهذا البيان ، هكذا قد يخطر إلى الذهن - وهذا لم يتبناه أحد -.
 وفيه:- نسلم أن توجيه العدم إلى العدم ليس شيئاً عرفياً ولكنه مرفوض عرفاً فيما إذا قُصد على مستوى المراد الاستعمالي بحيث استعمل التكلم كلامه موجهاً العدم إلى العدم - أي في مقام الاستعمال - إذ يقال له لماذا تقول ( لا لا أحب الشاي ) بل قل ( أحب الشاي ) ، أما إذا فرض أنه لم يلزم ذلك على مستوى الاستعمال وإنما يلزم على مستوى المراد الجدي والواقعي فهو شيء لا محذور فيه ، ومن المعلوم أن غاية ما يلزم من شمول حديث لا ضرر للأحكام العدمية هو الثاني وإلّا فعلى مستوى الاستعمال فلا يوجد إلّا نفي واحد وهو ( لا ضرر ) ولم يتوجه النفي إلى النفي ، وعليه فلا مشكلة من هذه الناحية.
 الوجه السابع:- إن روايات لا ضرر ذكرت قيداً - أعني قيد ( في الاسلام ) - وقالت ( لا ضرر ولا ضرار في الاسلام ) ومن المعلوم أن الموقف الذي يمثل الاسلام ويصدق عليه عنوان ( في الاسلام ) و ( في شريعة الاسلام ) هو الحكم الوجودي أما السكوت وعدم الحكم فلا يمثل موقفاً للشريعة وللإسلام ، فأنا لو سكت عن بيان شيءٍ فلا يقال إن موقف فلان كذا فهذا لا معنى له فإني لم أتكلم وإنما يتضح الموقف لو بينت وتكلمت . إذن بقرينة قيد ( في الاسلام ) نستنتج اختصاص حديث لا ضرر بالأحكام الوجودية وعدم شموله للأحكام العدمية.
 وفيه:- إن القيد المذكور في ذيل الحديث قد تقدم الكلام فيه إذ لم يثبت بشكل واضح ثبوته القيد ، ولكن لو تنزلنا وقلنا بأنه ثابت فالسكوت أحياناً ينتزع منه الموقف وذلك فيما إذا فرض أن السكوت كان سكوت صاحب الشريعة الذي يليق به أن يتكلم فإذا سكت عن الحكم بالضمان ولم يحكم به كان ذلك موقفاً منه ويصحّ بالتالي أن نقول إن موقفه هو عدم الحكم بالضمان ، وإنما يتم هذا في سكوت الشخص العادي كما أوضحنا سابقاً.
 تأسيس فقه جديد:- ذكرنا في الوجه الخامس أن الشيخ النائيني(قده) ذكر أن لازم شمول الحديث للأحكام العدمية تأسيس فقه جديد ، وذكر في هذا المجال ثلاثة أمثلة:-
 المثال الأول:- ما إذا فرض أن الشخص تلف منه شيء من دون متلف كأن نزل المطر على الكتبة وأتلفها فإن هذا ضرر حيث تلفت أشياء ثمينة ، وحيث أن الضرر منفيٌ وعدم الضمان في هذه الحالة ضرر وهو منفيٌ فيلزم بناءً على شمول الحديث للأحكام العدمية ثبوت الضمان على بيت المال ، وهذا هو الفقه الجديد ولا يلتزم أحد بذلك.
 وهكذا لو فرض أن شخصاً قد احترقت داره فيلزم أن نرجع إلى بيت المال لأن عدم الضمان في هذا المورد ضرر والحديث يشمله فيثبت الضمان على بيت المال.
 بل يمكن أن نصعد اللهجة أكثر كما لو فرض أن شخصاً كان سبباً لتلف الدار مثلاً وهرب فيلزم أن يثبت الضمان على بيت المال.
 فالخلاصة:- في هذه الامثلة وهي كثيرة إنه يلزم أن يكون بيت المال ضامناً وهذا شيء لا يمكن الالتزام به.
 المثال الثاني:- إذا فرض أن عبداً كان تحت الشدة - أي أن مولاه كان يؤذيه ويقسو عليه - فيلزم أن نحكم بانعتاقه بشكل قهري لأن عدم الانعتاق في هذه الحالة ضرري فإذا شمل حديث لا ضرر عدم الانعتاق فيلزم تحقق الانعتاق القهري وهذا شيء لا يمكن الالتزام به أيضاً.
 المثال الثالث:- لو فرض أن امرأة متزوجة غاب عنها زوجها أو سُجِن ولم ينفق عليها أحد لفترة طويلة أو فرض أنه موجود ولا ينفق عليها ففي هذه الحالات يلزم ثبوت الولاية للحاكم الشرعي أو لها على الطلاق لأن عدم ثبوت الولاية يلزم منه الضرر فإذا شمل الحديث الأحكام العدمية لزم من ذلك ثبوت الولاية للحاكم الشرعي أو لها ، وهذا شيء جديد أيضاً لا يمكن الالتزام به.
 وفيه:-
 أما بالنسبة إلى المثال الأول:- فالضرر لم ينشأ من الشارع ومعلوم أن حديث لا ضرر ينفي الضرر الناشئ من الشرع والشريعة أما الذي ينشأ من أمور أخرى لا ترتبط بالشرع والشريعة فهو ليس ناظراً له ، وهذا ينبغي أن يكون من المطالب الواضحة ، ومعلوم أنه في الأمثلة المذكورة - كنزول المطر من السماء أو احتراق الدار - لم ينشأ الضرر من الشرع والشريعة وإنما نشأ من عوامل خارجية عادية لا ربط لها بالشارع والحديث ناظر إلى الله عز وجل بما هو شارع لا بما هو خالق ومكوِّن . وعلى أي حال هذا مطلب ينبغي أن يكون واضحاً فلا معنى لتسجيله نقضاً على فكرة شمول الحديث للأحكام العدمية.
 وأما بالنسبة إلى المثال الثاني فيمكن أن يقال:- إن الضرر لم ينشأ من العبودية والرقيّة وإنما نشأ من وجوب الإطاعة فوجوب الاطاعة يكون ضررياً لا أن الرقيّة بنفسها ضرريّة ، فنقول لمثل هذا العبد ( لا تجب عليك إطاعة مولاك ) إنه آنذاك يرتفع عنه الضيق.
 من باب الكلام يجر الكلام نقول:- إن نفس هذا الشيء يذكر بالنسبة إلى المرأة المتزوجة فإنه أحياناً قد تكون في ضيق من ناحية أن الزوج يضيّق عليها في الخروج أو تكون أخلاقه سيئة ففي مثل هذه الحالة يكون الحرج والضيق من ناحية وجوب الاطاعة له فنقول لها أخرجي بالمقدار الذي يرتفع عنك الضرر والحرج ، أما أن نقول إن أصل الزوجية تزول فكلا إذ أن أصل الزوجية ليست ضررية في حقها كما افترضنا.


[1] رسالة لا ضرر 420.