34/05/21


تحمیل
 الموضوع: الدليل الثالث للاستصحاب ( التمسك بالأخبار ) / أدلة الاستصحاب / الاستصحـاب / الأصول العملية.
 وفيه:- إن تمامية ما ذكر يتوقف على أن ننتهي إلى التشبث بما هو حجّة والحجّة هو إما الاطمئنان أو عنوان الشهادة.
 أما بالنسبة إلى الاطمئنان:- فقد اعترف هو(قده) أن غاية ما يحصل هو الظن القوي ومعلوم أن الظن القوي إذا لم يبلغ درجة الاطمئنان لا ينفع شيئاً ، نعم قد يكون مقصوده هو الاطمئنان بأن هذه الرواية هي من المعصوم عليه السلام لأن هذه الكتب معدّة لنقل روايات المعصومين فإنه إذا كان يقصد هذا فهو جيد من الجنبة الفنيّة ، نعم تبقى دعوى الاطمئنان قضيّة يصعب قبولها من جهة أنه قد تحصل غفلة عن هذه القضيّة فيتصور الراوي أو صاحب الأصل أن هذه الرواية هي عن المعصوم أو بالأحرى يكون غافلاً عن ذلك فإننا أحياناً نقرأ الرواية ( قلت له ) ولا نلتفت إلى حيثية كونها مضمرة ثم بعد ذلك ينبّهنا الغير على ذلك فقضيّة الغفلة قضيّة واردة في هذا المجال ، مضافاً إلى أنه لعله أعمل عنصر الحدس - يعني أن هذا الذي سجّلها في أصله حصل له حدس بأن هذه الرواية هي عن الإمام عليه السلام - وما دام نحتمل الحدس أو الغفلة فكيف يحصل لنا الاطمئنان بأنها عن الإمام ؟ وواضح أن هذا الذي ذكرته من احتمالي الغلفة وقضيّة الحدس يتم فيما إذا فرض أن الذي ذكر الرواية في الكتاب الحديثي هو شخصٌ آخر غير زرارة أما إذا فرض أن لزرارة أصلاً وسجّلها فيه بهذا الشكل فلا معنى للغفلة آنذاك كما لا معنى للحدس ولكن من أين لنا هذه الحتميّة وأن الرواية موجودة بهذا الشكل في أصل زرارة حتى يقال إن الغفلة والحدس لا معنى له آنذاك في حق زرارة لأنه هو الراوي للرواية فكيف يغفل وكيف يحدس ؟! بل نحتمل أن الذي ذكرها في الأصل هو شخص ثانٍ أو ثالثٍ - أي الواسطة الثانية أو الثالثة أو الرابعة ... - فهو قد سمعها معنعنة ثم بعد أن سمعها معنعنة بواسطة شخصين أو ثلاثة سجلها في أصله بتخيّل أنها عن الإمام عليه السلام حدساً أو غفلة ، فحينما ندّعي احتمال الغفلة أو الحدس لا ندّعيه في حق مثل زرارة وإنما ندّعيه في حق الوسائط الأخرى . هذا إذا كان الشيخ الهمداني(قده) يقصد التمسك بالظن أو بالاطمئنان.
 وأما بالنسبة إلى احتمال كون ذلك من باب الشهادة وليس من باب الظن القوي أو الاطمئنان:- فيرد عليه نفس ما ذكرناه فيقال:- من قال أن هذا يشهد بأن هذه الرواية هي من الإمام ؟ فلعله كان غافلاً فتصوّر أنها منه فهو ليس ملتفتاً إلى هذه الناحية حتى يشهد بأنها من الإمام ، أو أن الشهادة منه كانت حدسيّة ، أو أنه لا يريد الشهادة أصلاً من باب أنه يرد أن يجمع كل ما هو موجود نظير ما صنعه الشيخ المجلسي(قده) في بحاره فيجمع كل ما وصل إليه ويترك التحقيق لآخرين بعد ذلك .
  إذن جميع هذه البيانات قابلة للتأمل.
 والأجدر أن يتمسك بالبيان التالي:- وهو ما أشرنا إليه في مبحث الفقه غير مرَّة والذي من خلاله تثبت حجيّة جميع المضمرات لا خصوص مضمرات الأجلّة وحاصله أن يقال:- إن ذكر الضمير من دون مرجعٍ قضيّة مستهجنة عرفاً فلو دخل علينا شخص وقال ( قلت له ) أو ( سألته ) فإنا نستهجن منه ذلك مادام لا يوجد هناك شخصٌ معهودٌ . إذن حينما يُضمِر المتكلم فلابد من وجود شخصٍ معهودٍ وإلا كان الإضمار مستهجناً وليس مقبولاً عرفاً . ثم نقول:- من هو ذلك الشخص المعهود بين الجميع والذي يعرفه الجميع ويستحق أن يشار إليه بالضمير ؟ إنه لا يوجد من يليق بذلك في الوسط الشيعي إلا الامام عليه السلام فيتعيّن أن يكون هو ذلك الشخص المعهود وبذلك يثبت مطلوبنا.
 نعم من حقك أن تقول:- لعله كان يوجد هناك عهدٌ بين الطرفين - أي بين الناقل للرواية وبين الذي رواها عنه وسمعها منه - كأن هناك عهدٌ أن المسؤول هو محمد بن مسلم مثلاً فكان هناك عهد بين زرارة وبين من سمع من زرارة الحديث بأن ذلك الشخص المسؤول هو محمد بن مسلم فيرتفع الاستهجان آنذاك.
 والجواب:- إن هذا الاحتمال وجيه إذا فرض أن هذا الشخص الذي سجّل هذه الرواية أراد أن يسجّلها لنفسه ويحتفظ بها له فقط أما إذا كان يريد أن يسجّلها كي تُنقَل إلى الأجيال فيما بعد فالعهد لا يوجد بلحاظ تلك الأجيال إلا بالنسبة إلى الامام عليه السلام فيتعين إذن أن يكون ذلك الطرف المعهود هو الإمام عليه السلام.
 إن قلت:- لعل ذلك الشخص المسؤول ذكر في بداية الرواية وكان هو محمد بن مسلم مثلاً وحيث إنه حصل التقطيع بعد ذلك من قبل أصحاب المعاجم الحديثية فُذكر الضمير من باب أنه أريد نقل نفس الفقرة كما هي والحال أن ذلك الشخص المعهود قد ذكر في بداية الرواية وأنه محمد بن مسلم فكيف ننفي مثل هذا الاحتمال ؟ فإنه لو كان هذا الاحتمال موجوداً فإنه يأتي في كل رواية مضمرة وبالتالي لا يمكن أن نثبت أن ذلك الشخص المعهود هو الإمام ؟
 قلت:- بما أن صاحب المعجم الحديثي - أيّاً من كان - هو شخصٌ يعرف دقائق الأمور وهو أمينٌ حسب الفرض فحينئذ يقال إن مقتضى الدقة زائداً الأمانة يحتّم بأنه لو كان الشخص المنقول عنه في البداية هو محمد بن مسلم فالمناسب أنه لا يذكر الضمير إلا مع إبراز قرينة على ذلك بحيث ينقل الأمانة بشكلها الكامل وإلا كان هذا خيانةً منه وحيث أنّا قد فرضناه أميناً فهذا الاحتمال ينتفي وعليه يثبت بهذا البيان الذي هو عرفي وعقلائي أن ذلك الشخص المسؤول في بداية الرواية يتعيّن أن يكون هو الإمام إذ لا يصلح أن يكون معهوداً إلا الإمام عليه السلام ، وهذا بيان ظريف وسيّال في جميع المضمرات.
 والنتيجة من كل هذا:- هي أن صحيحة زرارة الأولى لا إشكال فيها من حيث السند وإنما الكلام من حيث الدلالة.
 وأما الدلالة:-
 وأما بالنسبة إلى الدلالة فإن الاستشهاد ليس هو بالفقرة الأولى من الرواية المذكورة فإن الفقرة الأولى هي قوله عليه السلام:- ( الرجل ينام وهو على وضوء أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ فقال:- يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والأذن فإذا نامت العين والأذن والقلب وجب الوضوء ) وإنما موضع الاستشهاد هو الفقرة الثانية - أعني قوله ( قلت فإن حرك على جنبة شيء ولم يعلم به ؟ قال لا حتى يستيقن أنه قد نام حتى يجيء من ذلك أمر بين والا فإنه على يقين من وضوئه لا تنقض اليقين أبداً بالشك ) -.
 ولكن من باب القضية الجانبية:- وهي أن زرارة في سؤاله الأول أراد أن يسأل عن ماذا ؟ فإنه حينما قال ( الرجل تصيبه الخفقة والخفقتان ) فهو يريد أن يسأل عن ماذا ؟
 يحتمل أن يكون السؤال عن شبهة حكميّة ويحتمل أن يكون عن شبهة مفهوميةٍ حكميّة وهذه المصطلحات لا بأس بأن نهضمها بشكل جيّد ، وتوضيح ذلك هو أن الشبهة تارةّ تكون مفهوميّةً يعني أن المفهوم مجملٌ ولازم إجماله الشك في الحكم ومن هنا تصير كل شبهة مفهوميّة هي حكمية حتماً ، وأما المفهوميّة بدون أن ترجع إلى الحكميّة فهي بعيدة عن نظر الأصولي وخارجة عن بحثه فإن البحث عن مفهومٍ لا يؤثر على الحكم لغوٌ وبلا فائدة من قبيل أن الدار على ماذا تصدق ؟ فهل تصدق على المساحة التي فيها غرفة من دون ساحة دار أو يلزم أن يكون فيها ساحة دار ؟ إنه شكّ في المفهوم ولكن لا يترتب عليه أثرٌ وشكٌ في الحكم وإذا لم يترتب عليه ذلك فيكون خارجاً عن نظر الأصولي.
 إذن كل شبهة مفهوميّة هي شبهة حكميّة وليس كل شبهة حكميّة هي مفهوميّة ، فالتدخين نشك هل حرام أو ليس بحرام ؟ إنه شبهة حكميّة وليس شبهة مفهوميّة وهذا واضح.
 وباتضاح هذا نقول:- إن زرارة حينما سأل الإمام عليه السلام وقال له:- رجل كان على وضوءٍ أَتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ إن سؤاله عن ماذا فهل هو عن شبهة مفهوميّة أو هو عن شبهة حكميّة من دون اشتباهٍ في المفهوم ؟ كلاهما محتمل فيحتمل أن تكون الشبهة مفهومية يعني أن مفهوم النوم الذي ينقض الوضوء هو يشكّ فيه وهل أنه وسيع ويشمل الخفقة والخفقتين أو أن النوم الناقض هو خصوص النوم العميق فيحتمل أن يكون سؤاله عن مفهوم النوم الناقض شرعاً وهل هو الوسيع أو الضيق وهذا سؤال وجيه ، ويحتمل أيضاً أنه يعرف النوم وأنه يختص بالحالة الشديدة والخفقة والخفقتان ليستا منه ولكنه يسأل من باب أنه يحتمل أنه قد أثبت الشارع للخفقة والخفقتين حكم الناقضيّة كما أثبتها للنوم فالسؤال يكون عن شبهةٍ حكميّةٍ من دون أن تكون مفهوميّة فيحتمل أن زرارة سأل عن شبهة مفهومية - يعني حكمية - ويحتمل أنه سأل عن شبهة حكمية وليست مفهومية . وهذا لا يؤثر وليس هو مورد الاستشهاد ولا أثر له في هذا المجال فالتفت إلى ذلك وإنما المهم هو الفقرة الثانية.