34/06/06


تحمیل
 الموضوع:- الدليل الثالث للاستصحاب ( التمسك بالأخبار ) / أدلة الاستصحاب / الاستصحـاب / الأصول العملية.
 قلنا إن الرواية قد اشتملت على ستة أسئلة:-
 السؤال الأول:- هو أن زرارة سأل الإمام عن الناسي للنجاسة وأجاب عليه السلام بلزوم الإعادة ، وقد دلت على ذلك روايات أخرى تؤكد ما دلت عليه هذه الصحيحة من وجوب الإعادة على الناسي ، ولكن توجد رواية أخرى وهي صحيحة العلاء [1] دلت على عدم وجوب الإعادة . إذن عندنا طائفتان إحداهما دلت على وجوب الإعادة وبعضها علّل بأنه إما أنه تجب الإعادة ليهتم المكلف أو أن ذلك عقوبة على عدم اهتمامه ، والطائفة الثانية دلت على عدم وجوب الإعادة ، وقد وقع الكلام في كيفية الجمع وأمر ذلك موكولٌ إلى الفقه.
 والسؤال الثاني:- أن زرارة سأل عن حالة العلم الإجمالي - يعني من علم بإصابة النجاسة للثوب جزماً ولكنه لم يشخّص موضعها وبالتالي حصل له علم إجمالي بالنجاسة - ثم رآها بعد الصلاة وأجاب الإمام عليه السلام بوجوب الإعادة.
 وهذان السؤالان كلاهما خارجان عن محل الكلام والمهم هو السؤال الثالث.
 السؤال الثالث:- وهو أن زرارة سأل وقال إني لو ظننت بأن النجاسة قد أصابت ثوبي وفحصت فلم أرَها ثم بعد أن فرغت من الصلاة فرأيت - أو ( فرأيته )على اختلاف النسخة - وقد حكم عليه السلام بعدم لزوم الإعادة ، وهنا سأل زرارة عن السبب العلّة والذي دعاه إلى السؤال هو أنه باعتبار أن الصلاة حتماً وقعت مع النجاسة فلماذا لا تجب الإعادة حينئذٍ كما وجبت في مورد السؤال الثاني الذي كان فيه علم إجمالي فهناك وقعت الصلاة في النجاسة وهنا كذلك أيضاً والإمام عليه السلام أجاب بالاستصحاب وقال:- ( لأنك كنت على يقينٍ من طهارتك ثم شككت فليسلك أن تنقض اليقين بالشك أبداً ) إن هذا هو مورد الشاهد الأول في هذه الصحيحة . وفي هذا المجال نبحث عن أمور ثلاثة:-
 الأمر الأول:- هل أن جواب الإمام عليه السلام في هذه الفقرة الثالثة يدل على حجيّة الاستصحاب أو لا ؟
 الأمر الثاني:- لو دلت هذه الفقرة على الاستصحاب فهل هي تدل على حجيّته بنحو العموم - أي في بقيّة الموارد - أو يختص ذلك بموردها ؟
 الأمر الثالث:- كيفية تطبيق الاستصحاب على مورد السؤال فإن في ذلك شيئاً من الخفاء كما سوف يتضح ؟
 أما بالنسبة إلى الأمر الأول:- فقد يقال إنه من المحتمل أن تكون ناظرة إلى قاعدة اليقين - والتي يقصد منها أن من تيقن بشيءٍ ثم شك في أصل يقينه وصحة يقينه وليس في البقاء بل في أصل الحدوث السابق فإذا قلنا بعدم الاعتناء للشك والحكم بأن اليقين يقين صحيح فحينئذ إذا قلنا إنه يبنى على اليقين ولا يعتنى بالشك فهذا تعبير آخر عن قاعدة اليقين - والوجه في ذلك هو أن زرارة قال:- ( ظننت أنه قد أصاب ثوبي نجاسة فنظرت ولم أرَ ) وتعبيره بأني نظرت فلم أرَ عبارة أخرى عن حصول اليقين بأن النجاسة لم تصب الثوب ثم بعد ذلك قال ( فرأيت ) يعني بهذا تزلزل اليقين السابق الذي حصل بسبب الفحص وعدم العثور على النجاسة إن هذا شيء وجيه والإمام عليه السلام أراد أن يقول إنه مادام حصل لك اليقين بسبب الفحص وعدم رؤية النجاسة ثم شككت في أصل اليقين فابنِ على اليقين - يعني على صحة يقينك ولا تنقضه بالشك - إن هذا شيء محتمل.
 وبكلمة أخرى:- إنه في مورد هذه الفقرة يوجد يقينان لا يقين واحد أحدهما ما أشرنا إليه وهو الذي تولّد بسبب الفحص وعدم الرؤية واليقين الآخر هو الذي كان ثابتاً قبل ظن الإصابة فإنه قبل أن يظن المكلف بإصابة النجاسة هو على يقينٍ من طهارة الثوب ، وحينئذ فكما يمكن أن يكون الإمام عليه السلام قد لاحظ اليقين قبل ظن الإصابة والذي نتيجته الاستصحاب - فإن ذلك اليقين لم يتزلزل وإنما يشك في بقاء تلك الطهارة المتيقنة سابقاً - وقال إن ذلك اليقين ابنِ عليه ورؤيتك للنجاسة بعد الصلاة لا تمنع من الاستصحاب فكما يحتمل هذا وهو الذي ينفعنا ونريد أن نثبته كذلك من المحتمل أن يكون الإمام عليه السلام ناظراً إلى اليقين المتولّد بسبب الفحص وعدم العثور وهذا اليقين يتزلزل بنفسه عند رؤية النجاسة بعد الصلاة فرؤية النجاسة هذه بعد الصلاة بالنسبة إلى اليقين الأوّل لا تزلزله وإنما توجب الشك في بقاء تلك الطهارة المتيقنة وأما بالنسبة إلى اليقين الثاني المتولّد بسبب الفحص وعدم الرؤية تُزلزل أصل اليقين فبلحاظ اليقين الأول يثبت الاستصحاب وبلحاظ اليقين الثاني تثبت قاعدة اليقين وكما يحتمل أن الإمام عليه السلام ناظر إلى اليقين الأوّل الذي لازمه حجيّة الاستصحاب يحتمل أنه ناظر الى اليقين الثاني الذي نتيجته حجيّة قاعدة اليقين . إذن كيف تثبت أن الرواية دالة على الاستصحاب بعد وجود هذين اليقينين ؟


[1] الوسائل، ب42 من أبواب النجاسات.