33/07/20


تحمیل
 الموضوع / قاعدة لا ضرر / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 ويمكن أن يشكل على هذا البيان:-
 أولاً:- لو تم هذا البيان فيلزم أن نقبل جميع مراسيل الشيخ الصدوق حتى إذا لم يكن الإرسال بلسان ( قال ) بل ما كان بلسان ( روي ) ، والوجه في ذلك هو أنه قال في مقدمة الفقيه ما نصه ( ولم أقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه بل قصدت إلى ايراد ما أفتي به وأحكم بصحته وأعتقد فيه أنه حجّة فيما بيني وبين ربي ) فان هذه العبارة تدل على أنه جازم باعتبار جميع أحاديث كتابه لأنه قال ( بل قصدت إلى ايراد ما أفتي به وأحكم بصحته وأعتقد فيه أنه حجة فيما بيني وبين ربّي ) فلو فرض أن جزم الشيخ الصدوق باعتبار الحديث كان كافياً فيلزم أن نحكم باعتبار جميع أحاديث كتابه لا ما كان الإرسال فيه بكلمة ( قال ) فقط ، وهذا أشبه بالجواب النقضي.
 وثانياً:- ان جزم الشيخ الصدوق حجّة عليه ولا يكون جزم شخصٍ حجّة على غيره ولعله لو اطلعنا على الحديث الذي جزم الصدوق باعتباره لم نوافقه على جزمه ، وصحيحٌ أنه قمة في التحقيق والبحث وشيخ الفن ولكن هذا لا يعني أنه لا يخطأ ونحن نوافقه في كل ما يعتقد به والّا صرنا مثل الفقهاء الذين جاءوا بعد زمان الشيخ الطوسي - حسب ما نسب اليهم ابن ادريس - فانهم كانوا مقلدة له والسبب في ذلك هو هيبة وهالة الشيخ الطوسي التي كانت تسيطر عليهم بحيث اعتبروا أن كل ما يقول صحيح.
 والخلاصة:- ان جزم الشيخ الصدوق لا يلزم أن يكون مصيباً بل لعله مخطئاً فلا يكون حجّة علينا.
 ان قلت:- بناءً على هذا يلزم أن نلغي حجيّة توثيقات الرجالي ، يعني بالتالي يلزم أن يكون توثيق النجاشي وهكذا توثيق الشيخ الطوسي والكشي وغيرهم من القدماء ليس معتبراً ولا يكون حجّة لأن النجاشي مثلاً هو قد جزم بوثاقة الحسن بن محبوب مثلاً وهو ليس معاصراً له بل هو متقدم عليه بمائة سنة أو أكثر فلابد من وجود وسائط بينهما وحيث أنها مجهولة فيدخل ذلك التوثيق تحت الخبر المرسل ، وكما أن الإرسال في باب الروايات ليس بحجّة فيلزم أن لا يكون حجّة في باب التوثيقات أيضاً ، وهذه هي الشبهة المعروفة في حجيّة توثيقات الرجالي.
 وإذا ادعيت ان توثيقات الرجالي حجّة لأجل فكرة الوضوح ، بمعنى أنه كانت هناك كتب رجالية كثيرة في زمان النجاشي والشيخ الطوسي وقد استند إليها هذان العلمان وصار الأمر واضحاً - يعني أن هذا ثقة أو ذاك ليس بثقة - ولا يُحتَاج إلى خبرٍ معنعنٍ كما هو الحال في زماننا فلو سُئلت هل أن الشيخ الطوسي ثقة عادل ؟ فتقول:- نعم بلا اشكال وكذلك الشيد الأول والثاني والمفيد ..... وهكذا فان المستند في هذا التوثيق هو الوضوح فانك طالعت كتباً كثيرةً ورأيت أن الشيخ الطوسي مورد توثيق جميع أصحاب هذه الكتب فصارت وثاقته قضية واضحة وهذا ما يعبر عنه بالوضوح ، وهذا ليس أمراً حدسيّاً بل هو أمر حسّي ومتى ما دار الأمر بين أن يكون النقل حسيّاً أو حدسيّاً فبعد امكان كونه حسيّاً بدرجة مقبولة فنتمسك بأصالة الحسّ التي جرت عليها سيرة العقلاء ولم يُردع عنها وبذلك تثبت حجيّة قول الرجالي في باب التوثيقات.
 وهو كلام وجيه ولكن نفس هذا الكلام يمكن أن نسحبه إلى مراسيل الشيخ الصدوق - مثل مرسلة ( لا ضرر ) - ونقول:- لعله كان هناك وضوح في نقل هذه الرواية وهناك كثرة كاثرة تنقلها فنضم إلى ذلك أصالة الحسّ فيثبت بذلك استناد النقل إلى الوضوح الحسّي وهو يكفي في حجيّة نقل الرواية كما كان يكفي في حجيّة توثيق الرجالي.
 قلت:- هل تقصد من تطبيق أصالة الحسّ إثبات أن هذا النقل قد نشأ من وصول الرواية كابر عن كابر وثقة عن ثقة ؟ أو تقصد بذلك أنها وصلت من طريق التواتر ؟ أو رواية الآحاد المقرونة بالقرينة القطعية الحسية ؟
 فان قصدت الأول فجوابه:- ان أصالة الحسّ كما تلتئم مع نقل الثقة عن ثقة تلتئم مع النقل من غير طريق الثقاة فان ذلك نقل عن حسّ أيضاً وأصالة الحسّ حيادية من هذه الناحية ، فالذي ينقل عن أشخاص هم ليسوا بثقاة هو بالتالي قد نقل عن حسّ .
 وأما إذا قصدت الثاني ببيان أن النقل الجزمي لا يكون إلا من خلال هذين - اما التواتر أو خبر الآحاد المقرونة بالقرينة القطعية - فنحن ندعي من خلال أصالة الحسّ أن نقل الشيخ الصدوق كان نقلاً عن جزمٍ حسيّ - يعني كان من خلال تواتر أو من خلال اخبار آحاد مقرونة بالقرينة القطعية الحسية - فإذا كنت تقصد هذا فجوابه:- ان هذا شيء نادر واحتمال ضعيف - ولا نريد أن نقول هو معدوم - إذ لو كان هناك تواتر لبانت آثاره ولما اختصّ الشيخ الصدوق بالاطلاع عليه . وهكذا الخبر المقرون بالقرينة الحسيّة القطعية هو احتمال ضعيف وأصالة الحسّ انما يصح تطبيقها فيما إذا كان احتمال الاستناد إلى الحسّ احتمالاً معتدّاً به وكان شيئاً قريباً ووجيهاً لا ما إذا كان بعيداً .
 إذن تطبيق أصالة الحس في المقام لإثبات أن هذا النقل حسيّ وحجّة شيء مرفوض سواء قُصِد به اثبات الأول أو الثاني فانه لا يمكن إثبات ذلك من خلال أصالة الحس.
 ان قلت:- ان احتمال ثبوت التواتر ليس ضعيفاً بعد الالتفات إلى أن أصحابنا لا تنقلون الخبر النبوي عادةً إلا إذا كان قد وصل من طريق أئمة أهل البيت عليهم السلام فالذي لم يرد من خلال الائمة عليهم السلام لا يسجلونه في جوامعهم الحديثية ولكن هذا لا ينافي ثبوت التواتر في حديث ( لا ضرر ) إذا نظرنا إلى روايات العامّة ورواياتنا والشيخ الصدوق لعله استند إلى هذا التواتر الثابت بلحاظ روايات العامّة وضمّ هذه الروايات ، وأصحابنا لم ينقلوا ذلك لانهم لا يسجّلون إلا ما ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وبذلك لا يكون استناد الصدوق إلى التواتر شيئاً ضعيفاً بل يكون له درجة من الوجاهة ، ومعه يصح تطبيق أصالة الحسّ لإثبات أن هذا الجزم وهذا الوضوح حصل بسبب الحسّ الناشئ من التواتر.