33/07/01


تحمیل
 الموضوع / شرطية الفحص في جريان أصل البراءة / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 هذا وقد ذكر السيد الخوئي(قده) [1] في مقام الدفاع عن الفاضل التوني:- بأنه يمكن أن يكون مقصوده هو أن أصل البراءة حيث أنه أصل امتناني وقد شرّعه الشرع من باب الامتنان حيث قال صلى الله عليه وآله ( رفع عن أمتي تسعة أشياء ..... ) وكلمة ( رفع ) مع كلمة ( أمتي ) اما بنحو الانفراد أو بنحو الاجتماع يستفاد منهما أن هذا الرفع امتناني لأجل الامتنان على الأمة الاسلامية فإذا قبلنا بهذا فحينئذ لا يمكن تطبيقه في موردٍ يلزم منه مخالفة المنّة ، ومن الواضح أنه لو لزم تضرر مسلم بسبب جريان أصل البراءة فيلزم من تطبيق الحديث مخالفة الامتنان فلا يمكن تطبيقه ومقامنا من هذا القبيل فان من فتح قفص الطائر المملوك للغير فهرب وأردنا أن نرفع الضمان عنه فرفعه بالحديث يلزم منه تضرر مالك الطير فلا يمكن آنذاك تطبيق حديث الرفع لأنه يلزم منه تضرر شخص آخر ومتى ما لزم منه ذلك فلا يجري لأنه خلاف الامتنان.
 وهذه النكتة خاصة بحديث الرفع ولا تجري في بقية الأصول فان حديث الرفع يشتمل على كلمة ( رفع ) وكلمة ( عن أمتي ) بينما بقية أدلة الأصول العملية مثل ( لا تنقض اليقين بالشك ) لا يشتمل على ذلك . إذن كلام الفاضل التوني يصير وجيهاً.
 وفيه:-
 أولاً:- نسلم كل ما قيل من أن حديث الرفع امتناني ، ولكن يوجد عندنا بديل عن حديث الرفع لم تؤخذ فيه نكتة الامتنان وهو قاعدة قبح العقاب بلا بيان - أي البراءة العقلية - فان المشهور ومنهم السيد الخوئي والفاضل التوني يبنيان عليها فبالتالي يمكن إثبات براءة من فتح القفص - بالبراءة العقلية لا الشرعية -.
 إذن ليس من شرط جريان البراءة عدم لزوم الضرر ، كلا بل حتى لو لزم الضرر فالبراءة قابلة للجريان غايته البراءة العقلية.
 ولا يقولن قائل:- نحن كلامنا في البراءة الشرعية ؟
 إذ نجيب:- نحن نريد أن نثبت البراءة بأي وسيلة ، وما دامت البراءة العقلية موجودة فنثبتها بها.
 إذن ليس من شرط البراءة عدم لزوم التضرر لأن البراءة العقلية موجودة.
 وثانياً:- نتمكن أن نقول:- ان البراءة الشرعية يمكن أن تجري ، وذلك باعتبار أن مستند البراءة الشرعية لا ينحصر بحديث الرفع بل هناك مستندات أخرى من قبيل ( ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم ) أو ( كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام ) فان مثل هذين الحديثين لا يوجد فيهما كلمة ( رفع ) و ( عن أمتي ) . إذن على هذا الأساس يمكن أن تثبت البراءة الشرعية بهذين الحيثين أو بأحاديث أخرى.
 ولنفرض أن البراءة الشرعية إذا لاحظنا فيها حديث الرفع فلا يمكن أن تجري ، ولكن إذا لاحظنا بقيّة النصوص فهي قابلة للجريان ، وحيث أن مستندها عندهم لا ينحصر بحديث الرفع بل هناك نصوص أخرى وهي لا تشتمل على نكتة الامتنان فيمكن إذن إثبات جريان البراءة الشرعية رغم وجود الضرر.
 وثالثاً:- ولو تنزلنا وقلنا ان بقية الأحاديث هي امتنانية أيضاً وحالها حال حديث الرفع ولكن يمكن أن نقول:- هناك فرق بين الامتنانين - أي بين الامتنان في حديث الرفع والامتنان في بقية الاحاديث - فانه في حديث الرفع عبّر بكلمة ( عن أمتي ) وهذا معناه أن الامتنان امتنان على الأمة وبلحاظ مجموع الأمة الاسلامية ومعه يكون تطبيق الحديث في حق من فتح باب القفص وان لزم منه الامتنان على هذا الشخص الذي فتح باب القفص ولكنه يلزم خلاف المنّة بلحاظ الآخر والحديث يريد الامتنان بلحاظ الأمة وليس بلحاظ الشخص فلا يجري لأن الامتنان فيه امتنان على المجموع وعلى الأمة ، وهذا بخلافه في بقيّة أحاديث التي من قبيل ( ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم ) فانه حتى لو سلمنا كونه امتنانياً ولكنه لم يثبت كون امتنانيته بلحاظ مجموع الأمة إذ لم يذكر هذا اللفظ هناك ومعه يصح تطبيه في حق الشخص الذي فتح القفص فانه يلزم الامتنان بلحاظه رغم أنه يلزم الضرر في حق الآخر إذ الحديث لا يريد أن يمتن على مجموع الأمة بل على الأفراد والامتنان على الأفراد حاصل برفع الضمان عن هذا الشخص.
 يعني بحسب النتيجة ان الامتنان في حديث الرفع امتنان نوعي فلا يمكن أن نطبق الحديث ما دام يلزم منه خلاف المنّة بلحاظ الشخص الآخر ، بينما الامتنان بلحاظ بقيّة المستندات ليس نوعياّ فيمكن تطبيقه في حق الشخص الذي فتح القفص وان لزم خلاف المنّة بلحاظ الشخص الآخر.
 والخلاصة من كل هذا:- ان أصل البراءة ليس أصلاً امتنانياً اما باعتبار أن البراءة العقلية لم تؤخذ فيها نكتة الامتنان ، أو لأن بعض مستندات البراءة الشرعية - مثل حديث الحجب - لم يؤخذ فيه عنصر الامتنان ، أو حتى لو سلمنا الامتنانية في بقيّة المستندات فهي امتنانية شخصية.
 ان قلت:- إذا كان حديث الرفع ليس امتنانياً لأجل ما ذكر فكيف قال الفقهاء بصحة بيع المضطر - كما لو اضطر المكلف إلى بيع داره لأجل العلاج - ؟ وقد أشكل عليهم بأنه كيف يقع صحيحاً والحال أنه مضطر وقد قال صلى الله عليه وآله ( رفع ما اضطروا إليه ) ؟ وأجابوا بأن حديث الرفع امتناني والحكم بعدم صحة البيع مخالف للمنّة لأن لازمه أن هذا الشخص سوف لا يتمكن من الحصول على المال لأجل العلاج .
 إذن الفقهاء سلّموا بأن حديث الرفع امتناني فكيف تقول الآن ان أصل البراءة ليس امتنانياً أوليس هذا تناقضاً ؟
 قلت:- ان حديث الرفع يشتمل على مجموعة فقرات وواحدة منها ( رفع ما لا يعلمون ) وهي عبارة أخرى عن أصل البراءة ، وواحدة منها ( رفع ما اضطروا إليه ).
 أما ( رفع ما اضطروا إليه ) فهو امتناني بقرية كلمة ( أمتي ) وكلمة ( رفع ) فيأتي ما ذكره الفقهاء ويكون تاماً ، أما فقرة ( رفع ما لا يعلمون ) فهو أيضاً امتناني ولكن يوجد بديل له وهو البراءة العقلية من جانب وحديث الحجب وبقية المستندات من جانب آخر فانه لأجل وجود البدائل بلحاظ فقرة ( ما لا يعلمون ) قلنا بأن أصل البراءة ليس امتنانياً - أي لا يختص الرفع فيه بحالة الامتنان - فان مدركه لا ينحصر بحديث الرفع ، بينما الرفع في المضطر حيث ينحصر مدركه بحديث الرفع ولا توجد له بدائل فلأجل هذا انتفى التناقض ، فلا تناقض بين ما يقوله الفقهاء في مسألة المضطر من أن الرفع عن المضطر امتناني وبين ما قلناه من أن أصل البراءة ليس امتنانياً فانا نقصد من كون أصل البراءة ليس امتنانياً باعتبار وجود البدائل ، وهذه نكتة ظريفة فلا تغفل عنها.
 وبعد اتضاح هذا ندخل في قاعدة لا ضرر.
 
 
 قاعدة لا ضرر
 
 وقبل أن ندخل في هذا الموضوع نلفت النظر إلى بعض الملاحظات الجانبية:-
 الملاحظة الأولى:- ان قاعدة ( لا ضرر ) فقهية وليست أصولية وإنما ذكرت في علم الأصول تطفلاً ومن باب الكلام يجرّ الكلام ، وإنما نبهنا على ذلك لأن الطالب أحيانا يتصور أن كل ما ذكر في علم الأصول فهو أصولي ، كلا فانه توجد أبحاث أقحمت في علم الأصول من باب الاستطراد وأحدها قاعدة لا ضرر.
 وقد تسأل:- لماذا هي قاعدة فقهية حتماً ولا يمكن أن نقول بأنها قاعدة أصولية ؟ وبتعبير آخر:- ما هو الميزان في كون المسألة أصولية حتى نقول ان هذا الميزان لا ينطبق على قاعدة لا ضرر فهي ليست أصولية ؟
 والجواب:- ان الفارق بين المسألة الفقهية والأصولية هو أن المسألة الفقهية هي تلك المسألة التي تتضمن حكماً شرعياً كليّاً من قبيل ( الصلاة واجبة ) و ( شرب الخمر حرام ) ...... وهكذا ، أما المسألة التي لا تتضمن حكماً شرعياً ولكنها تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي فهي أصولية ، من قبيل الملازمة بين وجوب الشيء وحرمة ضده مثلاً فهذه الملازمة ليست حكماً شرعياً وإنما هي حكم عقلي ولكن نستنبط منها حكماً شرعياً وهو حرمة الضد للواجب مثلاً ، فالإزالة إذا كانت واجبة فضدها يصير حراماً . اذن هذا ضابط المسألة الأصولية وذاك هو ضابط المسألة الفقهية .
 وتعال إلى المقام فنقول:- ان قاعدة ( لا ضرر) - كما سوف يأتي انشاء الله تعالى - ماذا نستفيد منها ؟ نستفيد منها ان كل حكم شرعي إذا أوجب ثبوته الضرر - كوجوب الوضوء بالنسبة للمريض - فهو مرفوع والوجوب ليس بثابت ، وهذا حكم شرعي وبالتالي تكون القاعدة فقهية وليست أصولية.


[1] مصباح الاصول 2 513.