33/06/07


تحمیل
 الموضوع / شرطية الفحص في جريان أصل البراءة / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 شرطية الفحص في جريان أصل البراءة
 ان الشيخ الأعظم في الرسائل بعد أن فرغ من بحث أصل البراءة والاشتغال ذكر عنواناً وهو ( خاتمة في شرائط جريان الأصول العملية ) بحث فيه أنه ماذا يشترط في جريان البراءة ؟ وهل يلزم الفحص عن الدليل ؟ وبعد الفحص وعدم العثور على الدليل فهل تجري آنذاك البراءة أو أن أصل البراءة ليس مشروطاً بالفحص ؟ وهذا الكلام ذكره بلحاظ إلى أصل البراءة ونفسه يأتي في أصل الاشتغال وأصل التخيير ، والمهم هو البحث عن أصل البراءة.
 ولذلك نطرح هذا التساؤل:- ان الفقيه إذا واجهته مسألة وكان الشك فيها شك في ثبوت التكليف فهل من حقه أن يجري البراءة من دون أن يبحث عن دليل محتمل في المسألة أو لابد من الفحص أوّلاً فإذا لم يعثر عليه فآنذاك يجري البراءة ؟ وهذه كما ترى مسألة مهمة تستحق البحث .
 وواضح أن هذا الكلام لا يأتي إذا كان مدرك البراءة هو قاعدة قبح العقاب بلا بيان - بناءً على تسليمها - فان العقل إنما يحكم بقبح العقاب فيما لو فرض أن المكلف فحص ولم يعثر على الدليل ، وهذا مطلب ينبغي أن يكون واضحاً.
 إذن البراءة العقلية مختصّة بحالة ما بعد الفحص فان العقل لا يحكم بها إلا كذلك وهذا مطلب واضح ، وإنما الكلام كل الكلام في البراءة الشرعية التي مستندها مثل ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) فان لسان هذا الدليل كما ترى مطلق إذ لم يقل ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون إذا كان قد حصل الفحص ) أو ما شاكل ذلك من تعبير ، بل مطلق ولأجل أنه مطلق وقع الكلام في وجه لزوم الفحص ، والكلام تارةً يقع في الشبهة الحكمية وأخرى في الشبهة الموضوعية:-
 لزوم الفحص في الشبهة الحكمية:- أما إذا كانت الشبهة حكمية كالشك في حرمة التدخين أو وجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو ما شاكل ذلك فالظاهر اتفاق كلمة الفقهاء على لزوم الفحص وأن البراءة الشرعية لا تجري قبل الفحص ، ولا نحتمل وجود فقيه يقول بأن البراءة الشرعية تجري في الشبهة الحكمية من دون فحص ، وإنما الكلام في التخريج الفنّي لذلك.
 وأنا أريد أن الفت نظركم إلى هذه القضية:- وهي أن بعض النتائج الفقهية أو الأصولية مسلّمة وإنما الكلام والحيرة في التخريج الفنّي لها ، فالفقية يبحث عن الدليل لتكييف تلك النتيجة الفنيّة الثابتة عنده فهو لايبحث عن النتيجة بل يبحث عن طريقها وتكييفها ، كما في ( ان الماء طاهر ومطهر ) فهذه قضيّة مسلّمة ولكن المشكلة في التكييف الفنّي فانه ربما يكون صعباً ،
 والخلاصة:- لا اشكال في وجوب الفحص في الشبهة الحكمية ، ولكن كيف التخريج الفنّي حتى نقيّد إطلاق ( رفع ما لا يعلمون ) ؟
 قد يذكر في هذا المجال بعض الوجوه كما يلي:-
 الوجه الأول:- التمسك بفكرة الإمضاء ، بمعنى أن أدلة البراءة الشرعية ليست تأسيسية ، أي لم تأتِ لتؤسس مطلباً جديداً ليس بعقلائي وإنما هي امضائية للحكم العقلائي ، وإذا سلمنا بهذا فحينئذ نقول:- لو رجعنا إلى العقلاء لوجدنا أنهم يحكمون بالبراءة بعد حصول الفحص وعدم الوصول إلى دليلٍ على الحرمة ولا يحكمون بها قبل أن يحصل الفحص ، ولازم هاتين المقدمتين - أعني أن أدلة البراءة امضائية وأن العقلاء لا يحكمون بالبراءة إلا بعد الفحص - أن مثل حديث ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) لا يوجد فيه إطلاق شامل لحالة ما قبل الفحص إذ المفروض أنه يمضي ما عليه العقلاء والمفروض أن العقلاء لا يحكمون بالبراءة إلا بعد الفحص ، فالنتيجة هي أن حديث الرفع لا إطلاق فيه بعد الالتفات إلى كونه امضائياً لا تأسيسياً.
 وقد يشكل عليه بالإشكالين التاليين:-
 الإشكال الأوّل:- صحيح أن حديث الرفع إمضائي ولكن ما المانع في أن يكون الإمضاء الشرعي أوسع مما عليه العقلاء ؟ فالشارع يمضي ما عليه العقلاء مع توسعةٍ بأن يكون المقصود ( أني أمضي البراءة بعد الفحص التي هي ثابتة عندكم أيها العقلاء وأنا أزيدكم شيئاً وأقول ان البراءة ثابتة حتى قبل الفحص فاني أريد أن أوسع عليكم فامضي ما عندكم مع توسعة ) .
 وبالجملة:- ما دام يوجد إطلاق في دليل الإمضاء فلنتمسك به وبذلك تثبت البراءة حتى في حالة ما قبل الفحص ، وعليه فلا يكون الفحص شرطاً في جريان البراءة رغم أن دليل البراءة إمضائي وليس تأسيسياً ولكن يمكن أن تكون النتيجة أوسع ، هكذا قد يشكل.
 وجوابه:- ان لازم فكرة الإمضاء اتحاد دليل الإمضاء مع الحكم الممضى من حيث السعة الضيق ، وأما إذا لم يتّحد بأن كان دليل الإمضاء - في مقامنا - أوسع فهذا معناه أنه ليس امضائياً ويلزم بذلك خلف الفرض فانه يلزم أن يكون تأسيسياً وليس امضائياً.
 الإشكال الثاني:- أن يقال:- إنّا فحصنا عن مسألة الفحص قبل إجراء البراءة فلم نجد دليلاً يدلّ على لزومها وإذا لم نعثر على دليلٍ على لزوم الفحص فنجري البراءة عن لزوم الفحص قبل إجراء البراءة وبذلك يثبت أن الفحص ليس بلازم قبل إجراء البراءة إذ لا دليل عليه.
 وجوابه:- ان لسان ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) ناظر إلى كل شبهةٍ بخصوصها ، فهذه الشبهة بخصوصها - أعني مسألة التدخين مثلاً - تجري البراءة فيها بعد الفحص - وتلك المسألة بخصوصها - أي مثل الدعاء عند رؤية الهلال - تجري البراءة فيها لو حصل الفحص ... وهكذا ، فكل شبهةٍ خاصةٍ - وأأكد على كلمة ( خاصة ) - تجري البراءة عنها لو حصل فحصٌ ، ولا يدل - أي لسان ( رفع ما لا يعلمون ) - على البراءة في الشبهة الكلّيّة العامّة كما هو مفروض كلامنا إذ في محلّ كلامنا قلنا هكذا:- هل يلزم الفحص عن الشبهة - أي الشبهة الكليّة - من دون ملاحظة شبهةٍ معينةٍ أو لا ؟ وحيث لا دليل فتثبت البراءة في الشبهة الكليّة أنه لا يلزم الفحص فيها ، وهذا لا يدلّ عليه لسان ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ).
 هذا مضافاً إلى أنك قد قلت:- انّا فحصنا فلم نجد دليلاً يدل على لزوم الفحص في الشبهة التي يراد إجراء البراءة فيها.
 ونحن نقول:- بل نحن فحصنا ووجدنا الدليل وهو نفس سيرة العقلاء وارتكازهم ، فقد ذكرنا قبل قليل أن دليل الإمضاء ناظر إلى ما عليه العقلاء وهم يقولون بأن البراءة تجري لو فرض حصول الفحص ، فهناك ارتكاز وسيرة عقلائية وحكم عقلائي على لزوم الفحص قبل إجراء البراءة وحيث أنه لا ردع عن هذا الارتكاز أو هذه السير إذ الرادع ليس إلا إطلاق حديث ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) والمفروض أنه وارد مورد الإمضاء فلا يثبت له الإطلاق فيبقى الارتكاز بلا رادع فيكون حجَّة وبذلك يكون دليلاً على لزوم الفحص قبل إجراء البراءة.
 إذن هذا الإشكال الثاني مدفوع لهذين الجوابين.
 والأجدر أن يشكل على هذا الوجه:- بأن فكرة الإمضاء ليست ثابتة من الأساس ، فمن قال ان حديث ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) ورد مورد الإمضاء !! فانه لا يوجد في لسان الدليل ما يلوح منه ذلك فلو كان يوجد في لسانه كما وجد في مثل ألسنة الاستصحاب ( فليس لك أن تنقض اليقين بالشك ) فان التعبير بفقرة ( فليس ينبغي ) يوحي بأن النظرة امضائية وليست تأسيسية ، وهذا بخلافه في ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) إذ لا يوجد فيه ما يوحي بذلك حتى نلتزم بفكرة الإمضاء. إذن دعوى فكرة الإمضاء غير ثابتة من الأساس.
 نعم قد تقول:- ان العقلاء يحكمون بالبراءة فإذا كانوا يحكمون بها فهذا اللسان سوف يكون امضائياً.
 ونحن نقول:- ما المانع من أن يكون هذا اللسان تأسيسياً فيريد أن يثبت حكماً أوسع مما عليه العقلاء فيكون حكماً تأسيسياً لا امضائياً.
 هذا مضافاً إلى أنه قد ذكرنا في أبحاث سابقة أن العقلاء لم يثبت أن سيرتهم على البراءة عند الشك في أصل التكليف خلافاً لما ذهب إليه المشهور من أن العقلاء يحكمون بالبراءة عند الشك في أصل التكليف ، ونحن قلنا ان العقلاء عند الشك في التكليف إذا حصل منهم ظنّ بالتكليف فلا نسلّم أنهم يحكمون بالبراءة ، فأصل سيرة العقلاء على البراءة عند عدم العلم هي محل إشكال ، يعني أن البراءة بعرضها العريض محل إشكال عندنا . ولكن لو تنزلنا وصرنا ضمن المشهور فمع ذلك نقول:- لا مثبت لكون لسان ( رفع ) لسان إمضاء وليس لسان تأسيس.