32/11/24


تحمیل

استدراك:- قلنا في الدرس الماضي انه إذا تركهما معاً فعلى رأي الشيخ العراقي يكون كلاهما مباحاً ، وهنا نستدرك ونقول انه يكون عاصياً - لأن كلامنا في الشبهة الوجوبية - لأن الترخيص في ترك كل واحد مشروط بفعل الآخر حيث أنه لم يفعل هذا ولا ذاك فيكون عاصياً بلحاظ كليهما ، وهذا بخلافه على التقييد بالأوَّلية فان المباح يكون هو الاول فقط وعلى التقييد بالثاني يكون المباح هو الثاني فقط . هذا استدراك لما سبق.

 وأما لو فرض أنه فعلهما معاً - أي صلى الظهر وصلى الجمعة - فعلى رأي الشيخ العراقي سوف يكون مرخصاً في ترك كلٍّ منهما لأنه حيث أتى بالثاني فيكون مرخصاً في ترك الاول وحيث أتى بالأول يكون مرخصاً في ترك الثاني ، وسوف يلزم من الترخيص في ترك كليهما الترخيص في المخالفة القطعية . وهذا إشكال يسجل على الشيخ العراقي ، وسيأتي إنشاء الله تعالى التعرض إليه.

 وعلى أي حال لو أتى المكلف بكلا الطرفين فسوف يكون مرخَّصاً بترك كليهما.

 بينما على التقييد بالأوَّلية سوف يكون المرخص فيه هو خصوص الاول بناءاً على التقييد بالأولية ، أو الثاني بناءاً على التقييد بالثانوية ، وليست الرخصة ثابتة لكليهما . وهذه قضية ليست مهمة.

 ولنعد إلى صلب الموضوع فان السيد الخوئي(قده) أشكل على الشيخ العراقي(قده) بأن التقييد المشروط الذي اقترحته ليس بأولى من التقييد بالأوَّلية أو بالثانوية ، وما دام ليس بأولى فتتساقط جميع أنحاء التقييد الثلاثة .

وفيه:- انه يرد عليه نفس ما أشرنا إليه في رد الجواب السابق فنقول:- ان التقييد الذي اقترحه السيد الخوئي(قده) هو في حد نفسه معارَض ومستلزم للترجيح بلا مرجح ، إذ التقييد بالأوَّلية ليس بأولى من التقييد بالثانوية ، وهكذا التقييد بالثانوية ليس بأولى من التقييد بالأولية حتى إذا غضضنا النظر عن التقييد الذي اقترحه الشيخ العراقي ، فلنفترض أنا أثبتنا بطلان ما اقترحه الشيخ العراقي فانه رغم هذا يبقى التقييد الذي اقترحه السيد الخوئي معارَض في حد نفسه سواء قبلنا التقييد الذي اقترحه الشيخ العراقي أم لا ، وهذا بخلاف التقييد الذي اقترحه الشيخ العراقي فانه في حد نفسه ليس معارضاً إذ هو يقيد كلا الطرفين في آن واحد ولذلك يكون هو الأرجح لعدم التعارض فيه..

ان قلت:- يمكن أن ندافع عن السيد الخوئي ونقول انه (قده) اقترح تقييدين التقييد بالأوَّلية والتقييد بالثانوية ونحن رددنا عليه بأنه لا مرجح لأحد التقييدين على الآخر فيسقط كلا التقييدين عن الاعتبار ، ولكن من الصواب ان ندافع عنه ونقول ان التقييد بالثاني باطل في حد نفسه لأنه تقييد يستلزم المخالفة القطعية ، فإذا بطل فيبقى التقييد بالأولية بلا معارض وبذلك يعود تقييداً وجيهاً وتتم المعارضة بينه وبين التقييد الذي اقترحه الشيخ العراقي.

 أما كيف ان التقييد بالثاني يستلزم المخالفة القطعية ؟

 وذلك باعتبار أنه لو فرض أن المكلف ترك الاول - أعني صلاة الظهر - فعندما يترك الثاني - أعني صلاة الجمعة - فلا يمكن التمسك بالأصل لإثبات الرخصة في هذا الترك لأن الفرض أنه قد ترك الاول والترخيص في ترك الثاني بعد فرض أنه قد ترك الاول هو ترخيص في المخالفة القطعية ، وعليه فيكون هذا الترخيص في الثاني باطلاً في حد نفسه فلا يكون معارضاً بالتقييد بالأول.

والجواب:- ان دليل الأصل حينما يشمل الثاني ويقول أنت مرخص في ترك صلاة الجمعة فهذا الترخيص ليس ترخيصاً بعد فرض تحقق الترخيص الأول ، يعني هو لا يقول أنا أرخصك في الثاني بعد أن رخصتك في ترك الاول حتى يلزم من ذلك الترخيص في المخالفة القطعية وإنما يقول أنا أرخصك في ترك الثاني بعد عصيانك بترك الاول ، فان المكلف حينما ترك الاول فهو قد عصى إذ المفروض أن دليل الأصل يختص بالثاني فترك الاول ترك عصياني لا ترك جائز شرعاً حتى يكون ضم الترخيص الثاني إليه مستلزماً للترخيص في المخالفة القطعية . وهذه نكتة ظريفة يجدر الالتفات إليها.

الجواب الثالث:- ما أفاده الشيخ النائيني(قده)[1] وحاصله:- ان التقابل بين الإطلاق والتقييد هو تقابل الملكة وعدمها ، ولازم ذلك أنه إذا امتنع أحدهما امتنع الآخر ، وحيث يمتنع الإطلاق في المقام فيمتنع التقييد ، يعني أن إطلاق دليل الأصل وشموله لكلا الطرفين بنحو الإطلاق الاحوالي والأفرادي هو شيء ممتنع لأنه يلزم منه المخالفة القطعية ، فإذا امتنع ذلك امتنع الترخيص المشروط يعني التقييد بترك الآخر - فيما لو كانت الشبهة تحريمية - أو بفعل الآخر - فيما لو كانت الشبهة وجوبية - إذن فكرة الترخيص المشروط باطلة.

وفيه:- صحيح ان التقابل هو تقابل الملكة وعدمها ، والملكة هنا هي التقييد ولازم ذلك أنه إذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق لا أنه إذا امتنع الإطلاق امتنع التقييد فان الذي قرأناه في المنطق ان الملكة إذا امتنعت امتنع عدمها لا أنه إذا امتنع عدم الملكة امتنعت الملكة ، وبما ان الملكة هي التقييد فامتناع التقييد يوجب امتناع الإطلاق لا أنه إذا امتنع الإطلاق امتنع التقييد . وهذا من بديهيات الأمور. وعليه فهذا الجواب الثالث باطل أيضاً.

[1] أجود التقريرات 2 245.