32/10/19


تحمیل

توجيه الاحتمال السادس ومناقشته:- وأما الاحتمال السادس أعني أن أخبار من بلغ ناظرة الى حالة ثبوت الاستحباب بطريق معتبر وهي جاءت لتؤكد المحركية ، فهي إذاً لا تنفع إذا كان البلوغ بطريق ضعيف فلعله يوجه بأنه ورد في بعض أخبار من بلغ التعبير التالي ( من بلغه ثواب على شيء من الخير ) فقد ذكرت كلمة ( من الخير ) وإنما يكون الشيء خيراً إذا كان قد ثبت بطريق معتبر ، فبهذه القرينة ندعي أن الأخبار المذكورة ناظرة الى هذه الحالة ، أعني حالة ما إذا ثبت استحباب الشيء بطريق معتبر.

وجوابه واضح حيث يقال:- ان كلمة ( خير ) كما يصح استعمالها في مورد الخير الواقعي - الذي يجزم بكونه خيراً واقعاً - كذلك يصح في موارد الخير الظاهري ، فنفس الكلمة المذكورة لا يمكن أن نستفيد منها الوصول بطريق معتبر بل لو كان الطريق المعتبر قد أخذ بعين الاعتبار في هذه الروايات لكان من المناسب أن تسلط عليه الأضواء في نفس أخبار من بلغ وأن يشار إليه بشكل واضح لا أن تهمل الإشارة إليه.

 إذن لا يوجد دليل على الاحتمال المذكور بل لعل الشاهد ثابت على العكس وهو ما أشرنا إليه.

 هذا كله في الاحتمالات الستة المذكورة.

 وقد اتضح مما سبق أن الاحتمالات الستة لم يثبت شيء منها بدليل بل كلها قابل للمناقشة ، ولكن لو تنزلنا وقلنا أن الاحتمالات المذكورة هي محتملة في حد نفسها لا أنها باطلة بضرس - لو قبلنا هذا - فنقول يوجد احتمال سابع لابد من أخذه بعين الاعتبار أيضاً وهو ما أشرنا إليه في كلماتنا السابقة حيث قلنا انه من المحتمل أن تكون أخبار من بلغ تحث على الفعل وتعطي الثواب بنحو ما بلغ لا لشيءٍ سوى التحفظ على المستحبات الواقعية ، فلأجل أن يحافظ المولى على الإتيان بالمستحبات الواقعية يقول للناس ( كل شيء بلغكم عليه ثواب فافعلوه وأنا أعطيكم الثواب الذي بلغ ) ولكن ذلك لا لأجل أن الفعل يصير مستحباً في حد نفسه - أي الذي بلغ عليه الثواب - ولا لأجل أن البلوغ الضعيف يصير حجة ، ولا لأجل أن ذات العمل بقطع النظر عن البلوغ هو مستحب كما قال صاحب الكفاية ، ولا لأجل الانقياد كما قال الشيخ الأعظم والسيد الخوئي ، ولا لأجل مجرد التفضل لا كثر ، ولا لتأكيد محركية المستحب الواصل بطريق معتبر ، بل هذا الحث والتفضل بالثواب هو لأجل التحفظ على المستحبات الواقعية والاهتمام بالإتيان بها ، ان هذا شيء محتمل - يعني يحتمل ان يكون إعطاء هذا الثواب لهذه النكتة - ووجيه ، ولا نريد أن نقول هو المتعين والمقصود حتماً بل إنما نبرزه على مستوى الاحتمال الوجيه - ولا إشكال في وجاهته - ومعه فتصير أخبار من بلغ مجملة ، يعني تصير مرددة بين احتمالاتٍ متعددة ومنها هذا الاحتمال ومعه لا يمكن أن نستفيد منها الاستحباب الشرعي النفسي كما يحاوله القائلون بالقاعدة المذكورة.

 إذن لا يمكن إثبات الاستحباب الشرعي للفعل ولا إثبات حجية البلوغ بطريق ضعيف بأخبار من بلغ بعد وجود الاحتمال الذي أشرنا إليه حيث تصير أخبار من بلغ مجملة ومرددة بين عدة احتمالات ولا مثبت للاحتمال النافع للقائلين بحجية قاعدة من بلغ ، والاحتمال النافع هو إثبات الاستحباب الشرعي الذي كان هو الاحتمال الثاني ، أو حجية البلوغ بطريق صحيح والذي كان هو الاحتمال الأول ، ان النافع هو أحد هذين الاحتمالين ، أو بإضافة الاحتمال الثالث الذي تبناه الشيخ الخراساني(قده) .

 ان النافع هو هذه الاحتمالات الثلاثة ، والمفروض أنه يوجد احتمال سابع وهو ما أشرنا إليه ، ومعه لا مثبت لأحد هذه الاحتمالات الثلاثة.

أبحاث أخرى:-

 وهناك أبحاث أشير إليها من قبل الأصوليين في أخبار من بلغ:-

من قبيل :- هل البلوغ يصدق على فتوى الفقيه ؟ فلو أفتى فقيه باستحباب عمل معين - كالمصافحة بعد الصلاة لو فرضنا ذلك ، أو قلب فص الخاتم أثناء القنوت كما يصنع العوام - فهل يمكن تطبيق أخبار من بلغ على فتواه مع فرض عدم وجود خبر ولو ضعيفاً يدل على الاستحباب ؟

ومن قبيل:- ان الفقيه إذا قبل بقاعدة التسامح في أدلة السنن وفرض أنه أفتي باستحباب العمل في موردٍ استناداً الى هذه القاعدة ، بمعنى أنه كان يوجد خبر ضعيف ولكنه أفتى على طبقه بالاستحباب لقاعدة من بلغ ، ولكن نقول هل يلزم على الفقيه أن يبين للناس أنه يوجد في هذا المورد خبر ضعيف قد استند إليه حتى يقصدوا البلوغ والاستناد الى الخبر الضعيف فان الاستحباب ثابت للبلوغ ولا يصدق البلوغ والثواب عليه وتحقق المستحب إلا إذا قصده المكلف ، فهل يلزم ان يبلغه بذلك أو يكتفى بذكر النتيجة في الرسالة العملية مثلاً من دون حاجة الى هذا التطويل ؟

ومن قبيل:- هل أن قاعدة من بلغ تشمل المكروهات أو تختص بالمستحبات ؟ فلو ورد من خلال خبر ضعيف ( يكره شرب الماء ليلاً حالة الوقوف - لو فرضنا - ) فهل يمكن للفقيه أن يفتي بالكراهة استناداً الى أخبار من بلغ والحال أن موردها هو المستحبات لأنها تقول ( من بلغه ثواب على عمل ) والثواب على العمل يكون في المستحبات لا في المكروهات ، فهل يمكن تعميمها للمكروهات أو لا ؟

ومن قبيل :- أنه ما الفارق العملي والثمرة العملية بين الاحتمال الأول - من الاحتمالات الستة المتقدمة - والاحتمال الثاني فانه على الاحتمال الأول كان يقال بحجية البلوغ الواصل بطريق ضعيف وعلى الاحتمال الثاني كان يقال باستحباب العمل بعنوانه الثانوي - يعني بعنوان البلوغ - فهل يوجد فارق عملي بين هذين الاحتمالين أو أن الفارق نظري لا أكثر؟

 ان هذه وما شاكلها أبحاث أشار إليها الأصوليون ، ولكن بعد أن اتضح أن القاعدة ليست بثابتة من الأساس لأن أخبار من بلغ يوجد فيها احتمال سابع - وهو ما أشرنا إليه - فانه بعد هذا لا تبقى هناك حاجة الى ذكر هذه الأبحاث.

التنبيه الثالث

هل يصح التمسك بالبراءة في الشبهات الموضوعية ؟

 هناك كلام في أنه لو سلمنا بجريان البراءة في الشبهة البدوية الحكمية - كمسألة التدخين حينما نشك هل أنه مباح أو حرام - خلافاً لما نسب الى الإخباريين حيث نسب إليهم أنهم يقولون بالاحتياط ، فنسأل ونقول هل البراءة تجري في الشبهة الموضوعية البدوية ؟ كما لو فرض أنه كان يوجد إناء واحد لا ندري أنه ماء أو خمر فهل يجوز تطبيق البراءة والتناول ؟

 وحينما نبحث هذه المسالة لا نأخذ بعين الاعتبار مسالة الفحص ولنفترض الآن أنا فحصنا ولكن بقي الشك على حاله ولم نهتدِ الى شيءٍ - وطبيعي يوجد كلام هل الفحص لازم أو ليس بلازم لتطبيق البراءة ولكن هذا نرجئه الى مبحث الخاتمة - فهل التناول أو لا ؟

 المعروف بين الأصوليين الجواز ، والوجه في ذلك التمسك بإطلاق أخبار البراءة من قبيل ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) أو ( لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها ) أو ما شاكل ذلك من العمومات فانها بعمومها أو بإطلاقها تشمل الشبهة البدوية ، بل توجد رواية لعلها خاصة بالشبهة الموضوعية من قبيل رواية عبد الله بن سنان ( كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه )[1] .

 هذا ولكن نقل الشيخ الأعظم(قده) في الرسائل شبهةً في هذا المجال ولا أدري هل يوجد قائل بها أو لا والشبهة تقول:- ان المناسب هو الاحتياط دون البراءة في الشبهات الموضوعية.

 والوجه في ذلك:- هو أن الذمة قد اشتغلت بترك شرب الخمر فانه يحرم شربه ، وما دامت الذمة قد اشتغلت بذلك فيلزم تحصيل الفراغ اليقيني فان الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني ولا يتحقق الفراغ اليقيني إلا بترك المشكوك ، وعليه يلزم الاجتناب في الشبهات الموضوعية لقاعدة الاشتغال . هذه شبهة ذكرها(قده).

 وقد أجاب(قده) عنها في الرسائل:- بأن الحكم بحرمة الخمر انحلالي ، فهو ينحل بعدد أفراد الخمر ، فلو كانت أفراد الخمر عشرة فيوجد عشرة تحريمات وإذا كانت مائة فيوجد مائة تحريم لا أنه يوجد تحريم واحد ، والقرينة على الانحلال هي أن المكلف لو شرب أحد الأواني وترك البقية لَعُدَّ مطيعاً بلحاظ البقية وعاصياً بلحاظ ذلك الواحد وهذا ان دل على شيءٍ فإنما يدل على الانحلال إذ لو كان التكليف واحداً لكان عاصياً فقط لا أنه مطيعٌ وعاصٍ ، فإذا قبلنا بفكرة الانحلال سيرتفع الإشكال حيث يقال ان الذمة قد اشتغلت يقيناً بترك الأواني العشرة التي يجزم بكونها خمر والفراغ اليقيني لا يحصل إلا بترك تلك العشرة ، وأما الإناء الحادي عشر والذي افترضنا أنه مشكوك فلا يجزم باشتغال الذمة بتركة حتى يقال يلزم الفراغ اليقيني فان لزوم الفراغ اليقيني فرع الاشتغال اليقيني وحيث لا اشتغال يقيني فلا يلزم الفراغ اليقيني .

 نعم لو كان التكليف الذي اشتغلت به الذمة واحداً لكان للشبهة المذكورة مجال ، وان كان سيأتي دفع ذلك رغم وحدة التكليف ، أما بعد فرض تعدد التكليف وانحلاله فلا مجال للشبهة من الأساس.

 هذا ولكن الشيخ الخراساني(قده) في الكفاية فصَّل في الشبهة الموضوعية ولم يقل بجريان البراءة مطلقاً كما قال الشيخ الأنصاري(قده) ، حيث قال:- تارة يكون التكليف متعدداً ومنحلاً كما في مثال أواني الخمر فالحق في مثله جريان البراءة عن المشكوك لما أشرنا إليه ، وأما إذا التكليف واحداً فالمناسب هو جريان الاشتغال.

[1] الوسائل كتاب التجارة ب4 من أبواب ما يكتسب به ح1.