36/04/19


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء.
الكلام في المقام الثاني في الشبهة المصداقية: إذا شككنا في خروج بعض أطراف العلم الإجمالي عن محل الابتلاء، أو دخوله فيه بنحو الشبهة المصداقية كما إذا شككنا في أنّ الإناء الذي نشك في نجاسته هل هو موجود في بلدٍ قريبٍ بحيث يكون داخلاً في محل الابتلاء، أو في بلدٍ بعيدٍ جدّاً، فيكون خارجاً عن محل الابتلاء، الكلام يقع في أنّ هذا الشك هل يوجب سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز كما هو الحال فيما لو علمنا بخروج الطرف عن محل الابتلاء، وإذا سقط العلم الإجمالي عن التنجيز جاز الرجوع إلى البراءة في الطرف الداخل في محل الابتلاء، أو أنّه لا يسقط العلم الإجمالي، ولو لأجل إمكان الرجوع إلى الإطلاق لإثبات فعلية التكليف في ذلك الفرد المشكوك، وبالتالي يبقى العلم الإجمالي على حاله ويكون منجّزاً ومانعاً من الرجوع إلى البراءة في الطرف الداخل في محل الابتلاء، ومن هنا يظهر أنّ الكلام لابدّ أن يقع في أمرين:
الأمر الأوّل: في جواز الرجوع إلى إطلاق دليل التكليف لإثبات حكمه في هذا المشكوك بنحو الشبهة المصداقية وعدم جواز التمسّك به على غرار ما تقدم في الشبهة المفهومية حيث طُرح هذا البحث وأنّه هل يمكن التمسّك بالعام ؟ أي بدليل التكليف لإثبات فعلية التكليف في الطرف المشكوك، أو لا ؟ هنا أيضاً لابدّ من الكلام عن ذلك.
الأمر الثاني: على تقدير عدم صحّة الرجوع إلى العام لإثبات حكمه في الفرد المشكوك؛ وحينئذٍ تصل النوبة إلى الأصول العملية، فهل يصح الرجوع إلى البراءة في الفرد المشكوك، أو لا يصح ؟ وعلى تقدير صحة الرجوع إلى البراة في الفرد المشكوك؛ حينئذٍ البراءة في الطرف الداخل في محل الابتلاء تكون معارضة بالبراءة في ذلك الفرد المشكوك وتحصل حالة التساقط، وبالتالي يتنجّز العلم الإجمالي. وأمّا إذا قلنا بعدم إمكان الرجوع إلى البراءة في الطرف المشكوك؛ حينئذٍ لا مانع من الرجوع إلى البراءة في الطرف الداخل في محل الابتلاء؛ لأنّ البراءة فيه تكون بلا معارض، وهذا معناه عدم منجّزية العلم الإجمالي.
أمّا بالنسبة للأمر الأوّل: فهنا رأيان:
الرأي الأوّل : في محل الكلاميقول بعدم جواز التمسّك بدليل التكليف في الفرد المشكوك في محل الكلام، باعتبار أنّ محل الكلام، موضوع الخطاب الشرعي مقيّد بعدم الخروج عن محل الابتلاء بحسب الفرض؛ لأنّه يعتبر في صحّة التكليف ويعتبر في موضوع الخطاب الدخول في محل الابتلاء، فهو مقيّد بعدم الخروج عن محل الابتلاء، فإذا شككنا في فردٍ أنّه خارج عن محل الابتلاء، أو ليس خارجاً عن محل الابتلاء، فمن الواضح أنّه لا يجوز التمسّك بالدليل لإثبات فعلية التكليف فيه؛ لأنّ هذا تمسّك بالدليل في الشبهة المصداقية، وهو غير جائز.
بعبارةٍ أخرى: أن المكلّف يشك بنحو الشبهة المصداقية في أنّ هذا داخل في محل الابتلاء، أو ليس داخلاً في محل الابتلاء. هذا هو فرض الكلام، وحيث أنّ دليل التكليف مقيّد بالدخول في محل الابتلاء، أو مقيّد بعدم الخروج عن محل الابتلاء؛ فحينئذٍ لا يحرز تحقق موضوع الدليل في هذا الفرد؛ لأنّ موضوع الدليل هو ما إذا كان المورد داخلاً في محل الابتلاء؛ حينئذٍ يكون دليل التكليف شاملاً له؛ لأنّ موضوع دليل التكليف مقيّد بالدخول في محل الابتلاء، فإذا شككنا في أنّ هذا داخل، أو غير داخل في محل الابتلاء لا يجوز التمسّك بالدليل في هذه الشبهة المصداقية؛ لأننا لا نحرز تحقق موضوع الدليل، موضوع الدليل هو ما يكون داخلاً في محل الابتلاء، وما يكون المكلّف قادراً عليه بالقدرة عرفية، وأنا أشك في أنني قادر على هذا، أو لا ؟ فلا يجوز التمسّك بالدليل في المقام. هذا الرأي هو الذي اختاره السيد الخوئي(قدّس سرّه).
الرأي الثاني يقول بجواز التمسّك به ولا مانع من التمسّك به في المقام باعتبار أنّ المخصص لبّي في محل الكلام، ومن يختار هذا الرأي الثاني يُفصّل بين ما إذا كان المخصص لبّياً وبين ما إذا كان المخصص لفظياً، فيقول: إن كان المخصص للدليل لفظياً، وشككنا بنحو الشبهة المصداقية، فلا يجوز التمسّك بالعام للسبب الذي ذكرناه سابقاً، باعتبار أنّ المخصص اللّفظي يوجب تقييد العام بقيدٍ عدمي وهو عدم المخصص بحيث يكون موضوع الحكم في العام هو عدم المخصص، هذا يكون دخيلاً في موضوع حكم العام، يعني عدم الخروج عن محل الابتلاء في محل كلامنا يكون دخيلاً في موضوع التكليف، فالتكليف إنّما يثبت في موردٍ لا يكون خارجاً عن محل الابتلاء، وأمّا إذا شككنا في أنّ المورد داخل في محل الابتلاء، أو خارج عن محل الابتلاء، فلا يمكن التمسّك بذلك الدليل؛ لأنّه تمسّك بالدليل في الشبهة المصداقية. هذا إذا كان المخصص لفظياً، فالتزموا بنفس ما التزم به صاحب الرأي الأوّل.
وأمّا إذا كان المخصص الذي يوجب خروج بعض الأفراد مخصصّاً لبّياً، فالأمر يختلف، هنا قالوا لا مانع من التمسّك بإطلاق الدليل، أو بعمومه، باعتبار أنّ مرجع المخصص اللّبي كالإجماع والسيرة وحكم العقل، إلى القطع واليقين؛ بل في الحقيقة قالوا أنّ المخصص هو القطع واليقين؛ فحينئذٍ يختص ما يخرج عن العام وعن الدليل بالفرد المتيقّن خروجه منه، وأمّا غير الفرد المتيقن خروجه، يعني ما يُشك في خروجه عن العام وعدم خروجه يبقى مشمولاً للعام، ففرق بين المخصص اللّفظي وبين المخصص اللّبي، في المخصص اللّفظي كما أوضح صاحب الكفاية(قدّس سرّه) ما يُلقى إلى المكلّف عبارة عن حجّتين، الدليل العام والمخصص اللّفظي، حجّتان، كل منهما حجّة في أنّ هذا الفرد هل هو داخل في هذه الحجّة، أو في هذه الحجّة ؟ في هذه الحالة لا يمكن التمسّك بالعام لإثبات حكمه في الفرد المشكوك. أمّا في موارد المخصص اللّبي فالمُلقى إلى المكلّف هو حجّة واحدة وهو عبارة عن الدليل العام، غاية الأمر أنّ المكلّف يقطع بعدم شمول الدليل لحالة الخروج عن محل الابتلاء، عدم شمول الدليل لحالة الخروج عن محل الابتلاء لم تنشأ من وجود حجّة عليها مُلقاة من قبل الشارع، وإنّما المكلّف قطع بأنّ حالة الخروج عن محل الابتلاء خارجة عن الدليل، ففي كل موردٍ يقطع المكلّف بخروج الفرد عن محل الابتلاء؛ حينئذٍ يكون قطعه عليه حجّة، ويمكنه أن لا يعمل بالعام؛ بل لا يكون العام حجّة حينئذٍ؛ لأنّه قطع بخروج هذا عن العام، ومن الواضح بأنّ العام لا يكون حجّة فيما قطع المكلّف به. وأمّا ما لا يقطع المكلّف بخروجه عن العام، فالعام يبقى حجّة فيه ولا مبرّر لرفع اليد عن هذه الحجّة وعدم الالتزام بها، فيجوز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية إذا كان المخصص لبيّاً، وحيث أنّ المخصص في المقام لبّي؛ لأنّ المخصص هو حكم العقل والاستهجان وأمثال هذه الأمور التي ترجع كلّها إلى القبح العقلي وإلى المخصص اللبّي؛ وحينئذٍ لا مانع من الرجوع إلى الدليل لإثبات حكمه في الفرد المشكوك وإن كانت الشبهة مصداقية. هذا الرأي الثاني هو ظاهر كلام الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه)، وظاهر كلام صاحب الكفاية(قدّس سرّه)، كلٌ منهما التزم بهذا التفصيل كبروياً، والتزما بإمكان التمسك بالعام في الشبهة المصداقية إذا كان المخصص لبّياً، وهذا إذا طبقناه، فلازمه أن يلتزما في محل الكلام بجواز التمسّك بإطلاق دليل التكليف لإثبات حكمه في الفرد المشكوك.
على هذا الرأي الثاني لا تصل النوبة إلى البحث الآخر، أي الرجوع إلى الأصول العملية؛ لأنّه يوجد دليل اجتهادي وهو إطلاق دليل التكليف، فيمكن التمسّك به لإثبات فعلية التكليف في الفرد المشكوك بنحو الشبهة المصداقية؛ وحينئذٍ يتنجّز العلم الإجمالي. نعم، على الرأي الأوّل ينفتح المجال للحديث عن ما هو مقتضى الأصل العملي في المقام.
بالنسبة إلى الرأي الثاني الذي التزم به الشيخ الأنصاري وصاحب الكفاية(قدّس سرّهما) هناك ملاحظات كثيرة عليه، والمحققون المتأخّرون لم يلتزموا بهذا التفصيل، وذكروا بأنّه لا فرق بين المخصص اللّبي والمخصص اللّفظي في أنّ كلاً منهما يمكن تصوّر الشبهة المصداقية فيه؛ لأنّ مرجع كلام الشيخ وصاحب الكفاية (قدّس سرّهما) كأنّه يريد أن يقول أنّ الشبهة المصداقية لا تُتصور في المخصص اللّبي؛ لأنّ المخصص في الواقع والحقيقة هو القطع واليقين، فما يقطع به المكلّف يكون خارجاً عن العام، أمّا ما يشك فيه المكلّف، فلا يكون خارجاً عن العام، كأنّهم يريدون أن يقولوا لا توجد حالة شكٍ في الخروج عن العام وعدم الخروج عنه، العام حتماً هو يشمل الأفراد المشكوكة، يعني المشكوكة من حيث الدخول في محل الابتلاء، والخروج عنه بنحو الشبهة المصداقية، هذه الأفراد التي يُشك في دخولها أو خروجها بنحو الشبهة المصداقية العام قطعاً يشملها، ليس لدينا شكّ في هذا، فأين الشكّ بنحو الشبهة المصداقية ؟ يوجد لدينا دليل عام مُلقى من قبل الشارع، دليل التكليف في محل الكلام، وخرج عنه ما يقطع المكلّف بخروجه عنه، يعني ما يقطع المكلّف بخروجه عن محل الابتلاء؛ لأنّ هنا يحصل قطع بخروجه عن الدليل، ليس لدينا حالة شكٍّ حينئذٍ نشك فيها أنّ هذا الفرد هل هو خارج عن العام، أو لا ؟ كل ما يبقى هو داخل في العام؛ لأنّه لا يوجد حجّتان نشكّ في دخول أحدهما في هذا، أو دخوله في الأخرى، هناك حجّة واحدة مُلقاة من قبل الشارع، وهي العام، ويجب الأخذ بعمومه، إلاّ إذا قطع المكلّف بعدم شموله لموردٍ؛ حينئذٍ نرفع اليد عن العام؛ لأنّ العام لا يكون حجة في ما يقطع المكلّف بخروجه عنه، وما عدا ذلك هو معلوم الدخول في العام، فيُتمسّك فيه بالعام ويمكن إثبات حكم العام فيه. هذا هو مفاد كلامهما(قدّس سرّهما).
الاعتراض يقول: يمكن تصوّر الشبهة المصداقية بالنسبة إلى العام في ما إذا كان المخصص لبّياً كما يمكن تصورها فيما إذا كان المخصص لفظياً، ما هي المشكلة في أن يكون الدليل المخصص اللّبي يدل على إخراج شيء بعنوان عام ؟ مخصص لبّي، فرضاً حكم العقل، لكن ما يخرجه هو عنوان عام من قبيل المثال الذي يُمثل به في هذا الباب وهي مسألة حكم العقل بعدم جواز لعن المؤمن في مقابل(لعن الله بني أمية قاطبة)، في مقابل هذا الكلام هناك حكم العقل بخروج هذا العنوان من الدليل الدال على اللّعن لهم قاطبة، خرج المؤمن منهم، هذا عنوان عام والعقل هو الحاكم به، والدليل لبّي، والمخصص لبّي، فأيّ ضيرٍ في أن نفترض الشبهة المصداقية في هذا المجال ؟ بأن نشكّ في أنّ شخصاً من بني أمية هل هو مؤمن، أو لا ؟ ونتكلّم في أنّه هل يجوز التمسّك بالعام، أو لا يجوز ؟ يمكن تصوّر الشبهة المصداقية، يعني نشكّ في أنّ هذا هل هو خارج عن العام، أو لا ؟ فإن كان مؤمناً فهو خارج عن العام، وإن لم يكن مؤمناً، فهو باقٍ داخل في العام، ليس الخارج من العام هو فقط ما يُقطع بكونه مؤمناً، العقل لم يحكم بعدم جواز لعن ما تقطع بكونه مؤمناً، وإنّما حكم العقل بقبح لعن المؤمن، هذا عنوان عام في مقابل العام، ويمكن أن نتصوّر شخصاً نشك في كونه مؤمناً، أو لا، وبالتالي نشكّ في خروجه عن العام أو في دخوله فيه، فيجري فيه نفس الحديث الذي يقال في المخصص اللّفظي بلا فرقٍ بينهما، والقطع واليقين يؤخذ على نحو الطريقية في هذه المقامات وليس له موضوعية، العقل يحكم بعدم جواز لعن المؤمن، هذا العنوان هو الذي يكون خارجاً عن العام، لكن بحكم العقل. مرّة يدلّ دليلٌ على عدم جواز لعن المؤمن، ومرّة يحكم العقل بعدم جواز لعن المؤمن، والقطع إذا وُجد، فهو قطع طريقي وليس موضوعياً، هنا إذا شككت في أنّ هذا مؤمن، أو لا، يعني اشكّ في أنّه داخل في العام، أو خارج عنه، فهي شبهة مصداقية، فإذا كان العام بعد إخراج المؤمن منه اختص بغير المؤمن، يعني أصبح موضوع الّلعن هو غير المؤمن من بني أميّة، أنا اشك في انطباق هذا العنوان على هذا الفرد، ومعه لا يمكن التمسّك بالدليل؛ لأنّه شبهة مصداقية لذلك الدليل؛ لأنّ الدليل يقول لعن كل بني أميّة إذا كان غير مؤمن، وأنا اشك في أنّ هذا مؤمن، أو ليس مؤمناً، فكيف يمكن التمسّك بإطلاق هذا الدليل لإثبات جواز اللّعن في هذا الفرد المشكوك ؟ لا فرق بين المخصص اللّبي وبين المخصص اللّفظي. هذا بالنسبة إلى البحث الأوّل.
إذا انتهينا إلى هذه النتيجة وهي عدم جواز التمسّك بالدليل لإثبات حكمه في الفرد المشكوك؛ لأنّه تمسّك بالدليل في الشبهة المصداقية؛ حينئذٍ ننتقل إلى البحث الثاني، والدليل الاجتهادي غير موجود، لكن هل يمكن الرجوع إلى البراءة في الفرد المشكوك، أو لا يمكن الرجوع إلى البراءة في الفرد المشكوك ؟ هل يمكن إجراء البراءة في ما اشكّ في كونه خارجاً عن محل الابتلاء، أو داخلاً في محل الابتلاء ؟ بعد وضوح أنّ ما يكون خارجاً عن محل الابتلاء حتماً لا تجري فيه البراءة، لكن ما أشكّ في دخوله وخروجه هل يمكن إجراء البراءة فيه، أو لا ؟
في هذا البحث أيضاً يوجد رأيان:
الرأي الأوّل: أيضاً هو الذي اختاره السيد الخوئي(قدّس سرّه)، حيث يرى عدم جواز الرجوع إلى البراءة، وأنّ البراءة لا تجري في الفرد المشكوك، وأنّ دليل البراءة لا يمكن التمسّك به لإثبات البراءة في الفرد المشكوك، وعللّ ذلك بأنّ ما يمنع من التمسّك بالعام أو المطلق في الشبهة المصداقية يمنع من التمسّك بدليل البراءة في الشبهة المصداقية أيضاً، فلا فرق بين دليل التكليف وبين دليل البراءة في أنّ كلاً منهما لا يجوز التمسّك به في الشبهة المصداقية، والشبهة في محل الكلام هي شبهة مصداقية لكلٍ منهما، شبهة مصداقية لدليل التكليف؛ ولذا منعنا من جواز التمسّك به، وشبهة مصداقية لدليل البراءة؛ ولذا نمنع من التمسّك بدليل البراءة في محل الكلام.
توضيح المطلب: كأنّه يريد أن يقول أنّ أصالة البراءة حيث أنّ مفادها الرفع، فهي إنّما تجري في المورد القابل للوضع؛ لأنّ التقابل بين الرفع وبين الوضع هو تقابل الملكة والعدم، الوضع هو الملكة والرفع هو العدم حيث يمكن أن يكون المورد قابلاً للوضع، فكل موردٍ يكون قابلاً للوضع والمقصود بالوضع هو وضع التكليف فيه، كل مورد يكون قابلاً لوضع التكليف فيه يكون قابلاً للرفع، والعكس بالعكس، كل موردٍ لا يكون قابلاً لوضع التكليف فيه لا يكون قابلاً للرفع، فإذا أثبتنا في موردٍ أنّه يستحيل وضع التكليف فيه، يستحيل فيه الرفع ولا يكون مشمولاً لدليل البراءة؛ لأنّ مفاد البراءة هو الرفع، والرفع إنّما يمكن حيث يمكن الوضع، فإذا لم يكن الوضع ممكناً، فالرفع أيضاً لا يكون ممكناً، وكأنّه يريد أن يقول: أنّ دليل البراءة، بناءً على هذا البيان مقيّد بإمكان الوضع، ومفاده الرفع، والرفع إمكاناً واستحالة منوط بإمكان الوضع واستحالته. إذن: دليل البراءة إنّما يستطيع أن يثبت الرفع في موردٍ حينما يكون الوضع فيه ممكناً، وهذا معناه أنّ إمكان الوضع أُخذ قيداً في دليل البراءة، دليل البراءة يثبت الرفع مقيّداً بإمكان الوضع، فإمكان الوضع مأخوذ قيداً في دليل البراءة، إذا كان إمكان الوضع مأخوذ قيداً في دليل البراءة. وبعبارة أخرى: أنّ دليل البراءة خرج عنه ما لا يمكن فيه الوضع؛ لأنّ ما لا يمكن فيه الوضع لا يمكن فيه الرفع، فلا يشمله دليل البراءة. إذن: هو مقيّد بإمكان الوضع حتّى يشمله دليل البراءة، فإذا كان مقيّداً بذلك؛ فحينئذٍ نأتي لبيان الشبهة المصداقية بالنسبة لدليل البراءة، أنّ المكلّف بحسب الفرض يشك في أنّ هذا الفرد خارج عن محل الابتلاء، أو غير خارج عن محل الابتلاء، وهذا إذا أردنا أن نترجمه فنترجمه إلى أنّ المكلّف يشكّ في إمكان وضع التكليف فيه، أو عدم إمكانه؛ لأنّه إن كان داخلاً في محل الابتلاء يشمله التكليف، ويمكن وضع التكليف فيه، وإن كان خارجاً عن محل الابتلاء، فلا يمكن وضع التكليف فيه؛ لأنّه خارج عن محل الابتلاء ويستحيل وضع التكليف في ما هو خارج عن محل الابتلاء. إذن: شك المكلّف في أنّ هذا داخل، أو خارج عن محل الابتلاء يرجع في الحقيقة إلى شك المكلّف في إمكان وضع التكليف فيه أو عدم إمكانه، مع الشكّ في إمكان الوضع كيف نتمسّك بدليل البراءة، والحال أنّ دليل البراءة مقيّد بإمكان الوضع ؟ اليس هذا تمسّكاً بالدليل في الشبهة المصداقية له ؟ لأنّ الدليل يقول أنا أجعل البراءة في المورد القابل للوضع، فلابدّ أن احرز أنّ هذا المورد قابل للوضع حتّى تجري فيه البراءة ويشمله الدليل. أمّا مع الشكّ في أنّ هذا قابل لوضع التكليف، أو غير قابلٍ لوضع التكليف، فالتمسّك بدليل البراءة لإثبات البراءة فيه يكون تمسّكاً بالدليل في الشبهة المصداقية له، وهذا غير جائز؛ ولذا هو منع من التمسّك بدليل التكليف في الفرد المشكوك بنحو الشبهة المصداقية، ومنع أيضاً من التمسّك بدليل البراءة لإثبات البراءة في الفرد المشكوك؛ ولذا قال: لا مانع حينئذٍ من إجراء البراءة في الطرف الداخل في محل الابتلاء؛ لأنّ البراءة فيه ليست معارضة بشيء، فتجري البراءة في الطرف الداخل في محل الابتلاء؛ وحينئذٍ يسقط العلم الإجمالي عن المنجّزية. هذا هو الرأي الأوّل.