36/04/13


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء.
كان الكلام في التقريب الثالث لعدم صحّة التمسّك بالإطلاق في محل الكلام وكان حاصله هو أنّ التمسّك بالعام غير جائز في محل الكلام؛ لأنّ المخصص لبّي، والمخصص اللّبي يعتبر متصلاً بالعام وفي الشبهة المفهومية إجمال المخصص المتصل يسري إلى العام ويمنع من التمسّك به ويمنع من انعقاد ظهوره في الإطلاق وفي العموم.
قلنا أنّه اعترض على هذا التقريب بمنع الصغرى واعترض عليه بمنع الكبرى، منع الكبرى كان يعتمد على ما ذكره المحقق النائيني(قدّس سرّه) من أنّ مسألة الإجمال إنّما تكون فيما إذا كان الخارج عن العام عنواناً غير مختلف المراتب كما هو الحال في الفاسق الخارج من(أكرم العلماء)، فإذا ترددّ بين الأقل والأكثر، ففي هذه الحالة تتم الكبرى، فيقال بأنّ إجمال المخصص مفهوماً يسري إلى العام ويمنع من التمسّك به، وأمّا إذا كان الخارج هو عنواناً له مراتب وعلمنا بخروج بعض مراتبه عن العموم قطعاً وشككنا في خروج بعضٍ آخر من مراتبه، يقول في هذه الحالة يجوز التمسّك بالعام ويكون الشكّ شكاً في التخصيص الزائد، والشك في التخصيص الزائد يجوز فيه الرجوع إلى العام حتّى إذا كان المخصص متصلاً.
منع هذه الكبرى التي بيّناها بهذا الشكل، قلنا بأنّه أجيب عنه بأنّ غاية ما يصنعه هذا البيان هو حل العلم الإجمالي إلى علمٍ تفصيلي بخروج بعض المراتب وشكٍ بدوي في البعض الآخر، لكن يقول أنّ هذا لا يدفع غائلة الإجمال وسرايته من المخصص إلى العام التي هي محل كلامنا، كلامنا في أنّ الإجمال الموجود في المخصص هل يسري إلى العام، أو لا يسري ؟ سريان الإجمال هو بنكتة أن يتصل بالعام قرينة تصلح أن تكون قرينة على التخصيص، اتّصال هذه القرينة بالعام يمنع من انعقاد الظهور بالعام، ويوجب سراية الإجمال إلى العام، فالنكتة هي الاتصال والانفصال وليست النكتة هي أنّ هناك قدراً متيّقناً خارجاً عن العام قطعاً والباقي يُشك فيه بالشك البدوي، ليست هذه النكتة، وإنّما الكلام في الإجمال وعدمه، وجود قدر متيقن لا يرفع غائلة الإجمال حتّى نقول بمجرّد وجود قدر متيّقن؛ حينئذٍ لا مانع من التمسّك بالعام، الإجمال يثبت بنكتة الاتصال، وهذه النكتة محفوظة في المقام، فإذا كانت القرينة والمخصص متصلاً، فينبغي أن يسري الإجمال من المخصص إلى العام، وهذا ما يمنع من التمسّك به. هذا الجواب عن الاعتراض الثاني، يعني منع الكبرى.
هذا الجواب يمكن أن يُدفع بأن نقول بأنّ المحقق النائيني(قدّس سرّه) في الاعتراض الثاني الراجع إلى منع الكبرى هو في الحقيقة يريد أن يبيّن أنّ الخروج عن محل الابتلاء له مراتب، في بعض مراتبه نقطع بخروجها عن العام، باعتبار أنّ الاستهجان العرفي، أو حكم العقل، ايّ شيءٍ كان يكون ثابتاً بالنسبة إلى تلك المراتب، نستوضح بشكلٍ واضح أنّها خارجة عن محل الابتلاء، فتكون خارجة عن العام ولا يشملها إطلاق دليل التكليف؛ لأنّ شمول إطلاق دليل التكليف لها يعتبر مستهجناً عرفاً، أو يلزم منه تحصيل الحاصل، أو يلزم منه اللّغوية .....إلى آخر المحاذير المتقدّمة، بعض المراتب الأخرى الأمر فيها ليس هكذا؛ إذ لا يوجد هكذا وضوح في الاستهجان، وفي لزوم اللّغوية في توجيه الخطاب، بعض المراتب ــــــــــــ فرضاً ــــــــــ إناء موجود في أقصى البلاد، العرف يستهجن توجيه مثل هذا الخطاب، لكن بعض المراتب الأخرى ليست بهذه المرتبة من الوضوح، ليس هناك وضوح لاستهجان العرف لتعلّق التكليف بها، إذا لم يكن هناك وضوح في الاستهجان العرفي في لزوم اللّغوية وفي كل هذه الأمور، إذا لم يكن هناك وضوح بالنسبة إلى بعض المراتب؛ فحينئذٍ هذه الأفراد لا تكون خارجة بمخصصٍ متصل؛ لأنّ هذه المراتب ــــــــــــ بحسب الفرض ـــــــــــــ مشكوكة، يُشك في دخولها في محل الابتلاء، أو خروجها عن محل الابتلاء، وكون هذه المراتب مشكوكة يستلزم أن لا يكون حكم العقل بالنسبة إليها حكماً ضرورياً كالمخصص المتصل، وإلاّ لو كان حكم العقل بالاستهجان أو بالقبح أمراً ضرورياً بحيث يكون بمثابة المخصص المتصل، لما حصل شك فيها، ينبغي القطع بخروجها عن العام، بينما المفروض أننا نشكّ في أنّها داخلة في العام، أو ليست داخلة في العام تبعاً للشك في دخولها في محل الابتلاء وعدم دخولها، هو يريد أن يقول نفس افتراض الشك في هذه المراتب يستلزم أن لا يكون حكم العقل بالقبح فيها ضرورياً بحيث يكون بمثابة المخصص المتصل، حكم العقل في تلك المراتب التي قلنا بأن حكم العقل فيها يكون واضحاً، هذه المخصص فيها متصل؛ لأنّ حكم العقل هذا ضروري، وحكم العقل إذا كان ضرورياً على ما تقدّم يكون بمثابة المخصص المتصل، لكن المراتب المشكوكة يُفترض فيها أن لا يكون حكم العقل فيها ضرورياً وواضحاً وبديهياً، وإلاّ لو كان بديهياً لما شككنا فيها، فإذا لم يكن حكم العقل في المراتب المشكوكة ضرورياً؛ حينئذٍ نقول أنّ هذه المراتب المشكوكة لو خرجت عن العام، فهي تخرج بمخصصٍ منفصلٍ لا متصل، وبناءً على هذا؛ حينئذٍ إذا شككنا في خروجها عن العام وعدم خروجها، هذا يكون شكّاً في التخصيص بالمخصص المنفصل، هل خرجت عن العام بمخصصٍ منفصلٍ، أو لا ؟ ولا إشكال أنّه في هذه الحالة يجوز التمسّك بالعام، فمرجع كلام المحقق النائيني(قدّس سرّه) إلى أنّه عندما يكون الخروج عن محل الابتلاء له مراتب عديدة، بعض مراتبه خارجة عن العام قطعاً؛ لأنّ بعض مراتبه حكم العقل بالقبح فيها واصل إلى درجة الضرورة والبداهة، فيكون بحكم المخصص المتصل، فيمنع من شمول العام لتلك المراتب، فتكون خارجة عن العام ولا يشملها إطلاق الدليل وعمومه، لكن هناك مراتب مشكوكة الخروج عن محل الابتلاء، نفس افتراض أنّها مشكوكة يعني أنّ حكم العقل بالنسبة إليها ليس ضرورياً، وإلاّ لو كان ضرورياً لما شككنا في دخولها في العام، أو خروجها عن العام؛ بل كان ينبغي القطع بخروجها عن العام؛ لأنّ حكم العقل بالقبح ضروري كما هو الحال بالنسبة إلى تلك المراتب التي قلنا أننا نقطع بخروجها عن محل الابتلاء، كما هناك حكم العقل فيها ضروري ويُحكم بأنّها خارجة عن العام قطعاً، هذه المراتب المشكوكة لو كان حكم العقل فيها ضرورياً لكانت هكذا، بينما نحن نشك في أنّها داخلة في العام أو ليست داخلة في العام ؟ تبعاً للشكّ في أنّها داخلة في محل الابتلاء، أو ليست داخلة في محل الابتلاء ؟ نفس افتراض الشك يعني أنّ حكم العقل بالنسبة إليها ليس واصلاً إلى حد الضرورة، وإلاّ لما حصل شك فيها، فإذا لم يكن حكم العقل فيها ضرورياً، فعلى تقدير أن تكون خارجة عن العام فهي تخرج بالمخصص المنفصل لا بمخصصٍ متصل، فإذا شككنا؛ حينئذٍ يكون الشك بالمخصص المنفصل، هل خرجت من الإطلاق بمخصصٍ منفصل أو لا ؟ وفي مثله يجوز التمسّك بالعام، فالمحقق النائيني(قدّس سرّه) ليس بصدد إثبات أنّ هناك قدراً متيقناً من المراتب، وهناك مراتب يُشك فيها فقط، هو لا يريد إثبات هذا فقط، هو ذكر هذا بلا إشكال، لكنّه ليس بصدد إثبات هذا حتّى يأتي جواب المحقق العراقي(قدّس سرّهّ) عليه، يقول أنّ هذا لم يفعل شيئاً سوى أنّه حلّ العلم الإجمالي، وهذا لا يدفع غائلة الإجمال وسريانه من المخصص إلى العام. كلا، ليس هذا غرضه فقط، وإنمّا هو ذكر هذا لإثبات أنّ هناك مراتباً يُشك في شمول العام لها وعدم شموله، من جهة الشك في دخولها في محل الابتلاء وعدم دخولها في محل الابتلاء. يقول: هذا الشك في هذه المراتب يستلزم أن لا يكون حكم العقل بالقبح بالنسبة إليها ضرورياً، وإلاّ لما شككنا فيها؛ إذ لا يمكن الجمع بين الشك في دخولها في محل الابتلاء مع كون حكم العقل بقبح توجيه الخطاب والتكليف بالنسبة إليها ضرورياً، إذا كان هناك هكذا حكم عقلي ضروري بقبح الخطاب؛ حينئذٍ سوف لن نشك في أنّها داخلة في العام؛ بل قطعاً هي خارجة عن العام، ويكون حالها حال تلك المراتب التي نعلم بخروجها عن محل الابتلاء. إذا فسرنا كلام المحقق النائيني(قدّس سرّه) بهذا التفسير؛ حينئذٍ لا يرد عليه ما ذكره المحقق العراقي(قدّس سرّهّ)، ومن هنا يبدو أنّ الاعتراض الثاني على هذا التقريب على الأقل تام، إن لم نقبل بالاعتراض الأوّل الراجع إلى منع الصغرى، أنّ المخصص في المقام ليس متصلاً؛ لأنّه وإن كان لبّياً، لكنّه ليس متصلاً؛ لأنّه ليس حكماً عقلياً ضرورياً حتّى يعتبر متصلاً بالخطاب بمجرّد صدوره، نعم، هو حكم عقلي صحيح، لكنّه يحتاج إلى تأمّل وتدبّر، ثمّ يحكم به العقل، فإذن: ليس هو بحكم المتصل. هذا إنكار الصغرى.
أقول: إن لم نؤمن بهذا الاعتراض فالاعتراض الثاني الظاهر أنّه بهذا البيان يكون تامّاً. ومن هنا يظهر أنّ كل التقريبات المتقدّمة لمنع التمسّك بالإطلاق في محل الكلام ليست تامّة، لا التقريب الأوّل الذي قد يُفهم من عبارة الكفاية، ولا التقريب الثاني الذي ذكره المحقق العراقي(قدّس سرّهّ) كتفسيرٍ لعبارة الكفاية، ولا هذا التقريب الثالث الذي ذكرناه، كل هذه التقريبات إلى هنا يبدو أنّها غير تامّة .
التقريب الرابع: ذكره السيد الشهيد(قدّس سرّه)،[1] وحاصله: أنّه يدّعي أنّ الخارج عن العام بالتخصيص ليس هو عنوان الخارج عن محل الابتلاء، باعتبار أنّه لم يرد مخصص لفظي يدل على هذا العنوان، في(أكرم العلماء إلاّ الفسّاق) هذا مخصص لفظي يدل على إخراج عنوان الفاسق من العام، في محل الكلام ليس لدينا مخصص لفظي يدل على خروج عنوان الخارج عن محل الابتلاء من إطلاق دليل التكليف أو عمومه، وإنّما المخصص في المقام هو العقل، العقل يحكم بقبح التكليف في موارد الخروج عن محل الابتلاء، وهذا يعني أنّ العنوان الخارج من العام في الواقع والحقيقة هو عبارة عن عنوان(ما يقبح التكليف به) وليس عنوان(الخارج عن محل الابتلاء)، وإن كان الخروج عن محل الابتلاء يوجب حكم العقل بقبح التكليف به، لكن ما يخرج عن العام ليس هو عنوان الخارج عن محل الابتلاء، اصلاً عنوان الخارج عن محل الابتلاء بما هو لا أثر له، المخصص هو العقل، والعقل يحكم بقبح التكليف بما هو خارج عن محل الابتلاء، فالخارج عن إطلاق دليل التكليف في الحقيقة هو عنوان(ما يقبُح التكليف يه) كل شيء يقبح التكليف به يكون خارجاً عن إطلاق دليل التكليف. إذن: الخارج عن إطلاق دليل التكليف ليس هو الخارج عن محل الابتلاء، وإنّما هو عنوان ما يقبح التكليف به وهو الذي يحكم به العقل الذي هو المخصص في المقام؛ حينئذٍ يقول: أنّ فرض الكلام نحن نتكلّم عن شبهةٍ مفهوميةٍ للخروج عن محل الابتلاء، أننا نشكّ في الخروج عن محل الابتلاء، وقلنا أننا مرّة نشك في الخروج بنحو الشبهة المفهومية، ومرّة نشك بنحو الشبهة المصداقية، وكلامنا فعلاً في الشبهة المفهومية.
إذن: فرض الكلام هو شبهة مفهومية لعنوان الخروج عن محل الابتلاء، يعني أن الخروج عن محل الابتلاء مفهومه مجمل، وغير واضح ويدور أمره بين أن يكون له مفهوم وسيع يشمل هذا الفرد المشكوك، وبين أن يكون له مفهوم ضيّق لا يشمل هذا الفرد المشكوك، فإذن: أنا اشكّ في هذا الفرد في أنّه داخل في محل الابتلاء، أو ليس داخلاً في محل الابتلاء ؟ من جهة الشك في مفهوم الخروج عن محل الابتلاء، يقول: أنّ هذه الشبهة المفهومية بعنوان الخروج عن محل الابتلاء تكون شبهة مصداقية للمخصص الذي افترضنا أنّه حكم العقل بقبح التكليف، قلنا أنّ الخارج عن إطلاق الدليل هو ما يقبح التكليف به، الشبهة للمفهومية للخروج عن محل الابتلاء تكون شبهة مصداقية لما يقبح التكليف به، باعتبار أنّ ما يقبح التكليف به مفهوماً ليس لدينا شك به، وإنّما شكّنا هو في أنّ هذا هل هو ممّا يحكم العقل بقبح التكليف به، أو لا ؟ إن كان هذا الفرد داخلاً في محل الابتلاء، فلا يحكم العقل بقبح التكليف به، وإن كان خارجاً عن محل الابتلاء يحكم العقل بقبح التكليف به، هذه الشبهة سوف تكون شبهة مصداقية للقبيح عقلاً والمستهجن عرفاً، هل يوجد حكم عقلي بالقبح، أو لا يوجد حكم عقلي بالقبح ؟ شبهة مصداقية للمخصص وليست شبهة مفهومية، وبهذا ننتهي إلى نتيجة عدم جواز التمسّك بالعام؛ لأنّ التمسّك بالعام في المقام يكون تمسّكاً بالعام في الشبهة المصداقية وهو غير جائز.
إذن: التقريب الرابع يعتمد على افتراض، أولاً: أنّ الخارج عن العام بالتخصيص ليس هو مفهوم الخروج عن محل الابتلاء حتّى يقال فد تكون الشبهة مفهومية بالنسبة له، صحيح يمكن تصوّر شبهة مفهومية للخروج عن محل الابتلاء، لكن ليس هذا هو الخارج عن العام؛ لأنّ المخصص هو العقل، والعقل يحكم بقبح التكليف في ما هو خارج عن محل الابتلاء، فيكون الخارج عن إطلاق التكليف هو كل ما يحكم العقل بقبح التكليف به، هذا ليس فيه شبهة مفهومية، وإنّما الشبهة دائماً بالنسبة إليه شبهة مصداقية، أو قل أنّ المفروض في محل الكلام هو شبهة مفهومية لعنوان الخروج عن محل الابتلاء، والشبهة المفهومية لعنوان الخروج عن محل الابتلاء تكون شبهة مصداقية للمخصص الذي هو ما يحكم العقل بقبح التكليف به، فهل يحكم العقل بقبح التكليف بهذا، أو لا ؟ من قبيل أنّ العقل يحكم بقبح تكليف العاجز، ونشكّ في أنّ هذا عاجز ؟ حتّى يحكم العقل بقبح تكليفه، أو ليس عاجزاً ؟ حتّى يحكم العقل بعدم قبح تكليفه، وهذه شبهة مصداقية، هنا أيضاً القبيح عقلاً نشك في تحققه في هذا الفرد المشكوك؛ لأنّ هذا الفرد المشكوك إن كان داخلاً في محل الابتلاء، فتوجّه التكليف فيه لا يكون قبيحاً. نعم إذا كان خارجاً عن محل الابتلاء يكون قبيحاً، فإذن: يكون شبهة مصداقية لعنوان القبيح عقلاً، وفي الشبهة المصداقية للمخصص لا يجوز التمسّك بالعام.
واضح أنّ هذا التقريب مبني على افتراض أنّ الخارج عن إطلاق دليل التكليف باعتبار أنّ المخصص هو العقل والعقل يحكم بقبح التكليف بما هو خارج عن محل الابتلاء، أنّ الخارج عن إطلاق دليل التكليف هو عنوان ما يقبح التكليف به؛ حينئذٍ يقول: أنّ الشبهة المفهومية لعنوان الخروج عن محل الابتلاء هي شبهة مصداقية لعنوان القبيح عقلاً، وحيث أنّ عنوان القبيح عقلاً هو الخارج عن العام، فيكون شبهة مصداقية بالنسبة له، فلا يجوز التمسّك بالعام. أمّا إذا قلنا بأنّ هذا البيان تام، وسلّمنا بأنّ العقل هو الحاكم، والعقل يحكم بقبح التكليف بما هو خارج عن محل الابتلاء، لكن الذي يخرج عن العام ليس هو عنوان ما يقبح التكليف به، وإنّما هو واقع ما يقبح التكليف به، الموارد التي يحكم العقل بقبح التكليف بها تخرج عن العام، فلا يشملها إطلاق دليل التكليف، الخارج عن العام هو ما يقبح التكليف به بالحمل الشايع الصناعي، واقع ما يقبح التكليف به، هذا ما يقبح التكليف به وليس عنوان ما يقبح التكليف به، المخصص هو حكم العقل، والعقل يحكم بقبح التكليف في الموارد التي تكون خارجة عن محل الابتلاء، فالذي يخرج عن العام هو كل موردٍ حكم العقل فيه بقبح التكليف، فالذي يخرج عن العام هو واقع ما يحكم العقل بقبح التكليف به. إذا انتهينا إلى هذه النتيجة حينئذٍ نقول: أنّ واقع ما يحكم العقل بقبح التكليف به نتيقنه ونقطع به في مراتب من الخروج عن محل الابتلاء كما قال المحقق النائيني(قدّس سرّه)، بعض مراتب الخروج عن محل الابتلاء نقطع بأنّ العقل حكم فيها بقبح التكليف، لكن هناك مراتب مشكوكة، نشك في أنّها هل هي من الموارد التي خرجت عن العام، أو ليست من الموارد التي خرجت عن العام ؟ هذه ليست شبهة مصداقية للمخصص؛ لأنّ الخارج ليس هو عنوان، والشك حينئذٍ يكون أشبه بالشبهة المصداقية له، وإنّما الخارج هو واقع ما حكم العقل بقبح التكليف به، هذا نتيقنه في مراتب، ونشك فيه في مراتب أخرى، والشك في المراتب الأخرى ليس شبهة مصداقية للمخصص، وإنّما هو شك في التخصيص الزائد، هل حكم العقل بقبح التكليف فيها ؟ حتّى تخرج عن العام، أو لم يحكم العقل بقبح التكليف فيها ؟ إن كانت داخلة في محل الابتلاء، فليس هناك حكم عقلي بقبح التكليف فيها، وإن كانت خارجة يحكم العقل بقبح التكليف فيها. إذن: لدينا شك في أنّه هل هي من الموارد التي يحكم العقل بقبح التكليف فيها، أو لا ؟ لدينا موارد نتيقّن أن العقل حكم بقبح التكليف فيها، هذه خارجة عن العام، هذه موارد مشكوكة على تقدير أن تكون خارجة عن العام، فهو تخصيص زائد، فيكون الشك في التخصيص الزائد وفي مثله يتم الكلام السابق وهو أنّه يجوز الرجوع إلى العام عند الشك في التخصيص الزائد.