36/04/07


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء.
كان الكلام في ما إذا كان أحد أطراف العلم الإجمالي خارجاً عن القدرة الشرعية بأن تعلّق به النهي تفصيلاً، كما لو علمنا بأنّ أحد الإناءين المعيّن تعلّق به النهي تفصيلاً مع افتراض العلم بأنّ أحد الإناءين نجس. بيّنّا ما هو الصحيح في المقام، وأنّ هناك فرقاً بين افتراض كون التكليفين من سنخين مختلفين، قلنا هنا لا مانع من تعلّق التكليف به، أن يتعلّق به نهي من جهة النجاسة بالرغم من تعلّق النهي به من جهة الغصب تفصيلاً، لا مشكلة في هذا، كما أن الأصل يجري فيه ويعارض الأصل الداخل تحت القدرة الشرعية وبالنتيجة يكون العلم الإجمالي منجّزاً ولا يسقط عن المنجّزية بذلك. نعم إذا كانا من سنخٍ واحدٍ، قلنا يدخل في مسألة سابقة وهي ما إذا عُلم بحرمة أحد الطرفين تفصيلاً، حرمة مشابهة للحرمة المعلومة بالإجمال، في هذه الحالة قيل بانحلال العلم الإجمالي، وهو الرأي الصحيح، لكن على الخلاف في أنّ الانحلال هو انحلال حكمي، أو انحلال حقيقي.
قد يقال في المقام بالانحلال الحكمي في الصورة التي هي محل النزاع، وهي ما إذا كان التكليفان مختلفين سنخاً، قلنا أنّ العلم الإجمالي يبقى على منجّزيته ولا ينحل، لكن قد يقال: حتّى إذا سلّمنا عدم الانحلال الحقيقي، لكننا ندّعي الانحلال الحكمي، إمّا من جهة ما ذكره السيد الخوئي(قدّس سرّه) على ما نقلناه في الدرس السابق من أنّه لا أثر لجريان الأصل في الإناء المغصوب، فلا يجري فيه الأصل لعدم ترتب الأثر على الأصل المؤمّن فيه، فيجري الأصل في الطرف الآخر بلا معارض، وبذلك يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز، وينحل انحلالاً حكمياً، وإمّا من جهة ما ذكره السيد الشهيد(قدّس سرّه) في الخروج عن محل الابتلاء، نفس الفكرة التي ذكرها هناك وانتهى على أساسها إلى سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز والانحلال الحكمي، قد يقال نطبقّها في محل الكلام، فنقول أنّ الانحلال الحكمي إنّما هو باعتبار انصراف دليل الأصل المؤمّن عن الطرف الخارج عن القدرة الشرعية، باعتبار عدم تعقّل التزاحم الحفظي بين الغرض اللّزومي والغرض الترخيصي في ذاك الطرف، يعني في الإناء المغصوب على ضوء ما ذكره سابقاً. قد يُدّعى هذا في المقام أيضاً بأنّ التزاحم بين الغرضين بحسب الدقة وإن كان موجوداً بين الغرض اللّزومي في حرمة شرب النجس وبين الغرض الترخيصي في إباحة شرب الطاهر، فالتزاحم بين الغرضين حقيقة وبالدقة موجود في الإناء المغصوب، فإذا قدّم الغرض الّلزومي يجعل الاحتياط ويفوت الغرض الترخيصي، وإذا قدّم الغرض الترخيصي يجعل البراءة وقد يفوت الغرض اللّزومي، فهذا تابع لاهتمامه بأيّ الغرضين. قد يقال أنّه في المقام وإن كان التزاحم بحسب الدقة موجوداً، لكنّ العرف لا يتعقّل مثل هذا التزاحم باعتبار أنّ الإناء المغصوب هو على كل حال لا يجوز شربه لكونه مغصوباً؛ فحينئذٍ لا يتعقل العرف أن يكون مثل هذا الغرض الترخيصي مزاحماً للغرض اللّزومي في المقام، وإن كان بالدقّة التزاحم موجود بينهما، لكن العرف لا يتعقل أن يكون الغرض الترخيصي مزاحماً للغرض اللّزومي، كأنّ الغرض اللّزومي واصل للمكلّف ومعلوم، و الغرض الترخيصي لا يزاحم الغرض اللّزومي المعلوم والواصل للمكلّف، كأن الغرض اللّزومي واصل، باعتبار أنّ الإناء الآخر المغصوب هو على كل حال لا يجوز شربه، في حالة من هذا القبيل العرف لا يتعقل أن يكون الغرض الترخيصي مزاحماً للغرض اللّزومي الذي على هذا النحو؛ وحينئذ تنصرف أدلة الأصول المؤمّنة عن الإناء المغصوب، فيجري الأصل في الطرف الآخر بلا معارض، ويتحقق بذلك الانحلال الحكمي.
وجوابه: بالنسبة إلى ما ذكره السيد الخوئي(قدّس سرّه) من عدم وجود أثر لجريان الأصل في الإناء المغصوب، فقد ذكرنا بأنّ المحقق العراقي(قدّس سرّه) ذكر ــــــــــــ وهو الصحيح ــــــــــــ بأنّه عندما يكون التكليفان من سنخين مختلفين هناك أثر يترتب على جريان الأصل في معلوم الحرمة تفصيلاً، ولو بلحاظ قلّة العقاب، ولو بلحاظ التأمين من ناحية أحد التكليفين، وبالتالي التأمين من ناحية العقاب الزائد، وهذه ثمرة تترتب على جريان الأصل في ذاك الطرف.
وبعبارةٍ أخرى: أنّ ذاك الطرف لو كانت كلتا الحرمتين ثابتة فيه، الحرمة من جهة شرب النجاسة والحرمة من جهة الغصبية وارتكبه؛ حينئذٍ هو خالف مخالفتين، وارتكب حرامين، فيستحق عقابين، لكن حيث أنّه في محل الكلام حرمة الشرب من جهة النجاسة مشكوكة ومحتملة، فأيّ ضير في أن يجري الأصل المؤمّن لنفي هذه الحرمة المشكوكة والمحتملة والتأمين من ناحيتها، وإن كان المكلّف على كل حال هو يرتكب حراماً، لكن من ناحية حرمةٍ إضافية، وبالتالي نفي العقاب المحتمل من ناحية تلك الحرمة هذه فائدة، فيكون جريان الأصل في الإناء المغصوب ليس بلا فائدة، وليس أنّه لا يترتب عليه أثر؛ بل تترتب عليه فائدة وأثر مهم في محل الكلام، فلا مجال لمنع جريان الأصل في ذاك الطرف، أي الإناء المغصوب بدعوى أنّ هذا الأصل لا تترتب على جريانه فيه أي اثر؛ بل الظاهر أنّه يترتب عليه الأثر في الفرض الذي نتكلّم عنه وهو ما إذا كان التكليفان من سنخين مختلفين والذي هو محل الكلام.
وأمّا ما ذكره السيد الشهيد (قدّس سرّه) في البحث السابق، كأنّه يراد تطبيقه في محل الكلام وهو دعوى انصراف أدلّة الأصول عن هذا الطرف الخارج عن محل الابتلاء. هو نفسه السيد الشهيد(قدّس سرّه) الذي ادّعى هذه الدعوى في أصل مسألة خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء أجاب عن هذه الدعوى في محل الكلام، يعني في خروج بعض الأطراف عن القدرة الشرعية، هو قال أنّ ما ذكرناه هناك لا يجري في المقام، وأنّ التزاحم معقول حتّى عرفاً، يعني يوجد تعقّل للتزاحم بحسب الدقة وهناك تزاحم للتعقّل بحسب العرف أيضاً بين الغرض الترخيصي وبين الغرض اللّزومي؛ ولذا يقول أنّ العرف لا يرى هنا انصراف أدلّة الأصول المؤمّنة عن الطرف الخارج عن القدرة الشرعية، وإن ادّعى الانصراف هناك عن الطرف الخارج عن محل الابتلاء، وتمام ما يذكره هو يرجع إلى ما ذكره المحقق العراقي(قدّس سرّه)، فأنّ المحقق العراقي(قدّس سرّه) وضع يده على نكتة المقام وهي أنّه في محل الكلام هناك حرمة معلومة بالتفصيل من جهة، وهناك حرمة معلومة بالإجمال من جهةٍ أخرى وبملاكٍ آخر، فهناك تعددّ في النهي وتعددّ في الملاك وتعددّ في العقاب، إذا أخذنا هذا بنظر الاعتبار؛ فحينئذٍ لماذا لا يُعقل التزاحم بين الغرضين اللّزومي والترخيصي في الإناء المغصوب ؟! الإناء المغصوب لا يجوز شربه بلا إشكال، ولكن هناك غرض لزومي موجود في حرمة شرب النجس، وهذا الغرض اللّزومي في حرمة شرب النجس يُزاحَم بالغرض الترخيصي في إطلاق العنان للمكلّف وعدم إلزامه بترك شرب هذا الإناء، هذه مصلحة تقتضي الإباحة، هذا الغرض الترخيصي الذي يقتضي إطلاق العنان للمكلّف تجاه ذلك الإناء باعتباره محتمل النجاسة ومحتمل الطهارة، هذا الغرض الترخيصي يُزاحَم بالغرض اللّزومي على أساس أنّه يُحتمل أن يكون حراماً، أي يحرم شربه لنجاسته، احتمال النجاسة واحتمال عدم النجاسة يستلزمان وجود غرضين، أحدهما لزومي والآخر ترخيصي، وهذان الغرضان يتزاحمان في ذلك الطرف، ولا ضيرٍ في هذا التزاحم، فالتزاحم يكون معقولاً، ويُعلل ذلك، ويقول أنّ السر في تحقق التزاحم في محل الكلام وتعقلّه ومنع انصراف دليل الأصل المؤمّن عن الإناء المغصوب باعتبار أنّ هناك ارتكازاً لقاعدة قبح العقاب بلا بيان بالنسبة إلى الموالي العرفيين وليس بالنسبة إلى المولى الحقيقي؛ لأنّه يؤمن بأنّه بالنسبة إلى المولى الحقيقي ليس هناك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وإنّما يوجد حق الطاعة، لكن بلحاظ الموالي العرفيين هناك قاعدة تسمّى قاعدة قبح العقاب بلا بيان. يوجد ارتكاز في أنّ الأحكام الظاهرية إنّما تُجعل لغرض التوسعة على الناس ورفع الضيق عنهم، يقول: هذان الارتكازان يوجبان شمول دليل الأصل لهذا الطرف، يعني للإناء المغصوب في محل الكلام ويمنعان من انصراف هذا الدليل عنه؛ لأنّ هناك ارتكازاً عند العرف يُساعد على شمول دليل الأصل لهذا الطرف وهو ارتكاز قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وارتكاز أنّ الأحكام الظاهرية تُجعل لرفع الضيق، وفي المقام يوجد ضيق، عدم إجراء الأصل المؤمّن يوقع المكلّف في ضيق، يعني بدل أنّ يرتكب حراماً واحداً سوف يرتكب حرامين، فسوف يقع في ضيق من ناحية الحرمة المحتملة، وهذا الضيق يؤمّن عنه بالأصل العملي الذي هو فرع تعقّل ــــــــــ على رأيه ـــــــــ التزاحم بين الغرض الترخيصي والغرض اللّزومي، فيقول أنّ التزاحم معقول في المقام؛ لأنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان أمر ارتكازي في نظر العرف، ولو في نظر المولى العرفي، وكذلك كون الأحكام الظاهرية إنّما تُجعل لغرض رفع الضيق، وهذا أمر معقول في المقام، فيكون الغرض الترخيصي مزاحماً للغرض اللّزومي، يقع بينهما التزاحم، فيكون التزاحم معقولاً وعلى هذا الأساس انتهى إلى نتيجة أنّ هذا العلم الإجمالي في محل الكلام يتنجّز ولا ينحل انحلالاً حقيقياً ولا انحلالاً حكمياً؛ لأنّ دليل الأصل المؤمّن يشمل ذاك الطرف، فإذا شمله دليل الأصل المؤمّن يكون هذا الأصل فيه مُعارض بالأصل في الطرف الآخر وبذلك يتنجّز العلم الإجمالي ولا ينحل حتّى حكماً.
قد يُثار سؤال على ضوء ما تقدّم:وهو أنّه لماذا لا نقول نفس هذا الكلام في البحث السابق ؟ يعني لماذا لا نجعل مركوزية قاعدة قبح العقاب بلا بيان في ذهن العرف، ومركوزية أنّ الأحكام الظاهرية إنّما تُجعل لرفع الضيق، وللتوسعة على الناس، هذا نجعله أيضاً موجباً لشمول دليل الأصل في أصل المسألة للطرف الخارج عن محل الابتلاء ؟ أليس هو جعل الارتكاز في محل الكلام موجباً لشمول الدليل ومانعاً من الانصراف لارتكازية قاعدة قبح العقاب بلا بيان في الذهن العرفي ؟ نفس هذا الكلام إذا تمّ، يمكن نقله إلى الخروج عن محل الابتلاء، هناك ادّعى الانصراف ومنع من الشمول؛ ولذ التزم بانحلال العلم الإجمالي انحلالاً حكمياً هناك، نفس هذا الارتكاز نقول هناك يجري ويوجب شمول دليل الأصل للطرف الخارج عن محل الابتلاء، ويوجب منع انصراف هذا الدليل عنه، وبالتالي يشمله الدليل، وإذا شمله الدليل يُعارض هذا الأصل فيه بالأصل في الطرف الآخر الداخل في محل الابتلاء، ويتنجّز العلم الإجمالي، ولا ينحل حتّى حكماً. وعلى كل حال لا نريد الدخول في تفاصيل هذا البحث. وإلى هنا ينتهي هذا الأمر الذي نبهنا عليه قبل الدخول في مسألة الشك.
الشك في خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء
حاصل المسألة: على ضوء ما تقدّم إذا علمنا بأنّ أطراف العلم الإجمالي كلّها داخلة في محل الابتلاء، فلا إشكال أنّ العلم الإجمالي يكون منجّزاً، وإذا علمنا بخروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء، بناءً على الرأي السابق المعروف يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز، إمّا للانحلال الحقيقي كما هو المشهور، وإمّا للانحلال الحكمي. الفرض الذي وقع فيه البحث هو في ما إذا شككنا، ولم نكن نعلم بأنّ هذا الطرف هل هو خارج عن محل الابتلاء حتّى يسقط العلم الإجمالي عن المنجّزية ؟ أو داخل في محل الابتلاء حتّى يبقى العلم الإجمالي على تنجيزه ؟ في حالات الشك ماذا نصنع ؟ هل هناك اصل، أو قاعدة، أو إطلاق يمكن الرجوع إليه لإثبات وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر والمنجّزية، أو لا يوجد هكذا اصل ولا قاعدة ؟
هذا البحث لا موقع له بناءً على الرأي الذي يرى أنّ خروج بعض أطراف العلم الإجماليعن محل الابتلاء لا يسقط التنجيز، فمع العلم بخروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء يبقى العلم الإجمالي على التنجيز، فإذا كان العلم الإجمالي يبقى على تنجيزه حتّى مع العلم بخروج بعض أطرافه عن محل الابتلاء، فمع الشكّ يكون من بابٍ أولى أن يبقى العلم الإجمالي على تنجيزه؛ لأنّ هذا الطرف إمّا خارج عن محل الابتلاء، أو داخل في محل الابتلاء، وعلى كلا التقديرين يبقى العلم الإجمالي على تنجيزه، فلا موقع لهذا البحث أصلاً بناءً على أنّ خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء لا يمنع من منجزية العلم الإجمالي ولا يوجب سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزية، وإنّما يُتعقل الدخول في هذا البحث عندما نفترض أننا نفرغ عن أنّ خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء يوجب سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز، لكنّه يسقط عن التنجيز إذا علمنا بخروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء، الكلام يقع في ما إذا شككنا، فهل يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز، أو لا ؟
هناك احتمالان بدويان في المقام:
الاحتمال الأوّل: في حالة الشك يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز، فيُلتزم بعدم التنجيز بهذا العلم الإجمالي مع الشك في خروج بعض أطرافه عن محل الابتلاء وعدم خروجه، باعتبار عدم وجود علم بالتكليف على كل تقدير؛ لأنّه يكفي في صحّة دعوى عدم العلم بالتكليف على كل تقدير احتمال خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء، عدم العلم بالتكليف على كل تقدير لا يتوقّف على العلم بخروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء؛ بل يكفي في ذلك احتمال خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء، بالنتيجة المكلّف يحتمل عدم وجود تكليف في هذا الطرف؛ لأنّ هذا الطرف المشكوك على تقدير أن يكون هو النجس وعلى تقدير أن يكون خارجاً عن محل الابتلاء لا تكليف فيه، وعلى تقدير أن يكون نجساً وخارجاً عن محل الابتلاء يسقط فيه التكليف. نعم، على تقدير أن يكون هو النجس وعلى تقدير أن يكون داخلاً في محل الابتلاء يتعلّق به التكليف، لكن على الاحتمال الآخر يسقط عنه التكليف. إذن: المحصلة النهائية لا نستطيع أن نقول لدينا علم بالتكليف الفعلي على كل تقدير، فإذا لم يكن لدينا علم بالتكليف الفعلي على كل تقدير هذا معناه أنّ العلم الإجمالي يسقط وينحل ولا يكون منجّزاً، بمجرّد أن تحتمل أنّ هذا الطرف خارج عن محل الابتلاء، وكما يسقط وينحل عند العلم بخروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء، كذلك يسقط عن التنجيز وينحل عند احتمال خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء.
الاحتمال الثاني: في المقابل قد يقال بالتنجيز، وأنّ العلم الإجمالي يبقى على منجّزيته، وذلك تمسّكاً بإطلاق دليل التكليف لإثبات فعلية التكليف في ذاك الطرف الذي يشك في دخوله في محل الابتلاء، أو خروجه عن محل الابتلاء. الوجه في التمسّك بإطلاق دليل التكليف هو أننا لا نقطع بخروج ذلك الفرد عن إطلاق دليل التكليف؛ لأنّه ليس لدينا قطع بخروجه عن محل الابتلاء، لوكنّا نعلم بخروجه عن محل الابتلاء، إذن: نحن نقطع بخروجه عن إطلاق دليل التكليف، لكن المفروض في المقام أنّه ليس لدينا علم بخروجه عن محل الابتلاء، وإنّما لدينا احتمال أو شك، فيصح لنا أن نقول لا قطع بخروجه عن إطلاق دليل التكليف، فإذا لم يكن لدينا قطع بخروجه عنه، يُحتمل خروجه عنه، وهذا الاحتمال يمكن نفيه بإطلاق دليل التكليف الذي يثبت لنا فعلية التكليف في ذاك الطرف، وبهذا يحصل للمكلّف علم إجمالي بالتكليف الفعلي على كل تقدير، غاية الأمر: أنّ هذا التكليف الفعلي المعلوم ثبوته على كل تقدير، على أحد التقديرين يكون ثبوته ثبوتاً وجدانياً، وعلى التقدير الآخر يكون ثبوته ثبوتاً تعبّدياً، في هذا الطرف الذي أشك في دخوله في محل الابتلاء، قطعاً هو داخل في محل الابتلاء، شمول ثبوت التكليف يكون وجدانياً، أعلم بثبوت التكليف فيه بالوجدان. أمّا الطرف الذي أشك في أنّه داخل في محل الابتلاء، أو خارج عن محل الابتلاء، وجداناً ليس لدي علم بثبوت التكليف فيه، أنا احتمل خروجه عن محل الابتلاء، لكن ببركة الإطلاق أثبت فيه فعلية التكليف، فيكون التكليف فيه ثابت بالفعل، لكن تعبّداً ببركة الإطلاق لا بالوجدان، لكن بالنتيجة على كل حال أنا أعلم بثبوت تكليفٍ فعلي على كل تقدير، إمّا وجداناً، أو تعبداً في الطرف الآخر، علم إجمالي ينجّز ويبقى على تنجيزه ولا موجب لسقوطه عن التنجيز، وهذا الإطلاق إذا تمّ يقدّم على ما ذُكر في الاحتمال الأوّل؛ لأنّ ما ذُكر في الاحتمال الأوّل هو اشبه بالأصل والقاعدة الأوّلية التي نرجع إليها لإثبات سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز، باعتبار أنّه كما ذُكر في الاحتمال الأوّل لا علم بالتكليف الفعلي على كل تقدير، ما دمت تحتمل سقوط التكليف في أحد الطرفين، ولو احتمال، من جهة احتمال خروجه عن محل الابتلاء، إذن، بالنتيجة ليس لديك علم بالتكليف الفعلي على كل تقدير، فيسقط العلم الإجمالي عن التنجيز، هكذا قيل في الاحتمال الأوّل. إذا تمّ الإطلاق في الاحتمال الثاني سوف يثبت لنا علم بالتكليف على كل تقدير، غاية الأمر أنّ هذا التكليف ثابت بالوجدان على تقدير وثابت بالتعبّد على تقديرٍ آخر.
هذان الرأيان الأساسيان في محل الكلام. ومن هنا وقع البحث بينهم في صحّة التمسّك بإطلاق دليل التكليف لإثبات فعلية التكليف في الطرف الذي يُشك في دخوله وخروجه عن محل الابتلاء، وقع بينهم هذا الكلام وبحث طويل في هذا المجال، واختلفوا في ذلك، بمعنى أنّه هل نلتزم بصحة التمسّك بالإطلاق لإثبات فعلية التكليف في ذاك الطرف ؟ هل يصح التمسّك بالإطلاق مطلقاً، وبلا تفصيل ؟ هذا رأي. أو لا يصح التمسّك به مطلقاً ؟ هذا رأي آخر. أو يُفصّل بين الشبهة المفهومية وبين الشبهة المصداقية ؟ ففي الشبهة المفهومية يصح التمسّك بإطلاق دليل التكليف، بينما لا يصح ذلك في الشبهة المصداقية. وهذا هو الرأي الثالث.
الرأي الأوّل: وهو صحّة التمسّك بالإطلاق مطلقاً وبلا تفصيل هو الذي اختاره المحقق النائيني(قدّس سرّه)، وهو المعروف عن الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) أيضاً. واختاره أيضاً السيّد الخوئي(قدّس سرّه).
الرأي الثاني: وهو الرأي الذي ينكر صحّة التمسّك بالإطلاق مطلقاً بلا تفصيل، اختاره صاحب الكفاية(قدّس سرّه) بحسب ظاهر عبارته، فعبارته مطلقة ولا يُفرّق بين الشبهة المفهومية وبين الشبهة المصداقية.
الرأي الثالث: وهو التفصيل، اختاره المحقق العراقي (قدّس سرّه).