36/03/06


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ الاضطرار إلى بعض الأطراف بعينه
نعود مرّة أخرى إلى كلام المحقق المتقدّم وبعد ذلك نكمل الحديث عن المقام الثاني. ذكرنا في مقام التعليق على ما ذكره من استدلال من عدم منجّزية العلم الإجمالي في الصورة الثانية من المقام الأوّل، قلنا أنّ الظاهر أنّ النزاع يكون إثباتياً، بمعنى أنّه ماذا يُفهم من دليل الأصل ؟ وذكرنا أنّ هناك احتمالين في تحديد مفاد دليل الأصل، هو بنا على الاحتمال الثاني منهما، بينما بنا الباقون على الاحتمال الأوّل من هذين الاحتمالين، وقلنا أنّه لا يبعُد أنّ الاحتمال الأوّل هو الأقرب وهو الذي يُفهم من دليل الأصل المؤمّن، وبالتالي يصح ما ذكروه المحقق النائيني والسيّد الخوئي وغيرهما(قدّست أسرارهم) من أنّ الأصل إذا سقط بالمعارضة لا يعود مرّة أخرى وهذا يكفي لمنجّزية العلم الإجمالي؛ لأنّه لا يجوز إجراء الأصل في الطرف الآخر ولا نملك دليلاً على جريان الأصل في الطرف الآخر بعد الاضطرار.
قد يُشكل على هذا الكلام:
أولاً: بأن يقال لا إشكال ظاهراً في أنّ أحد أطراف العلم الإجمالي إذا كان خارجاً عن محل الابتلاء في بداية الأمر ثمّ دخل في محل الابتلاء بعد ذلك، لا إشكال في شمول دليل الأصل له بعد دخوله في محل الابتلاء بالرغم من عدم شمول دليل الأصل له في البداية، دليل الأصل في البداية لم يكن شاملاً لهذا الفرد لخروجه عن محل الابتلاء، بعد ذلك عند دخوله في محل الابتلاء شمله دليل الأصل، فيقال: ليكن المقام من هذا القبيل؛ لأنّ محل الكلام ومورد النقض يشتركان في وجود ما يمنع من جريان الأصل في أحد الطرفين، في كلٍ منهما يوجد ما يمنع من جريان الأصل في ذاك الطرف من البداية، ثمّ زوال هذا المانع بعد ذلك. في محل الكلام في البداية كان هناك ما يمنع من جريان الأصل في الطرف الآخر وهو المعارضة، بعد الاضطرار زالت المعارضة؛ لأنّ الأصل لا يجري في الطرف الذي صار مورداً للاضطرار، فارتفع المانع، هذا محل الكلام. في مورد النقض أيضاً هكذا، في البداية كان الفرد خارجاً عن محل الابتلاء، فلا يشمله دليل الأصل. أو بعبارة أخرى يمكن أن نعبّر أنّ خروج الفرد عن محل الابتلاء يمنع من جريان الأصل فيه، بعد ذلك زال هذا المانع ودخل في محل الابتلاء، إذن، كلٍ منهما يشتركان في وجود مانعٍ يمنع من جريان الأصل في البداية، ثمّ زوال هذا المانع بعد ذلك، فإذا قلنا بجريان الأصل في مورد النقض، فلنقل بجريان الأصل في محل الكلام، فيجري الأصل في محل الكلام، يعني يجري الأصل في الطرف الآخر بعد الاضطرار؛ لأنّ المانع الذي هو المعارض قد زال، فيُلتزم بجريان الأصل فيه، وهذا معناه عدم التنجيز.
يمكن الجواب عن هذا الإشكال: هناك فرقٌ بين محل الكلام وبين مورد النقض، في محل الكلام الشيء الحاصل هو سقوط الأصل بالمعارضة، بينما في مورد النقض الشيء الحاصل هو عدم شمول دليل الأصل لذلك الفرد الخارج عن محل الابتلاء لاختلال شرط من شرائط جريان الأصل، لأنّه يُشترط في جريان الأصل في موردٍ أن يكون المورد داخلاً في محل الابتلاء، فاختلّ ذلك الشرط في ذلك الفرد، فأصبح الأصل غير شاملٍ له، لكنّه غير شامل له ليس لسقوط الأصل فيه، وإنّما لاختلال شرطٍ من الشرائط المعتبرة في جريان ذلك الأصل، عدم جريان الأصل في محل الكلام إنّما هو لوجود المانع وهو المعارض، حيث أنّ الأصل الجاري في الطرف الآخر يُعارض الأصل الجاري في الطرف الثاني، فلا يجري الأصل في الطرف الآخر لوجود المانع الذي هو المعارض الذي يوجب سقوط الأصل في الطرف الآخر، والسرّ في هذا هو أنّ المعارض وهو الأصل في الطرف الأوّل الذي هو مورد الاضطرار؛ لأنّ الأصل في الطرف الأوّل لا يعارض الأصل في الطرف الآخر في البداية فقط، وإنّما هو يعارضه في جميع الأزمنة لا أنّه يعارضه فقط في بداية الأمر قبل الاضطرار، كلا، هو كما يعارضه قبل الاضطرار هو يعارضه أيضاً بعد الاضطرار، وهذا تابع لما تقدّم من أنّ المعارضة في الحقيقة تقع بين هذين الأصلين، يعني بين الأصل في الطرف الأوّل، نسمّيه مؤقتاً إلى حين حصول الاضطرار وبين الأصل في الطرف الآخر في جميع الأزمنة، قبل الاضطرار وبعده، أصلاً المعارضة بين الأصلين هي بهذا الشكل، بمعنى أنّ هناك تكاذب بين الأصل في هذا الطرف، وبين الأصل في الطرف الآخر بلحاظ جميع الأزمنة، يعني كما أنّ الأصل في هذا الطرف لا يمكن الجمع بينه وبين جريان الأصل في الطرف الآخر قبل الاضطرار كذلك لا يمكن الجمع بينه وبين الأصل في الطرف الآخر بعد الاضطرار؛ لأنّ المعارضة هكذا، هما متكاذبان لا يمكن الجمع بينهما، إذن، المانع الذي منع من جريان الأصل في الطرف الآخر قبل المعارضة هو بنفسه يمنع من جريان الأصل في الطرف الآخر بعد المعارضة. إذن، في المقام عدم جريان الأصل في محل الكلام إنّما هو لوجود مانع يوجب سقوط الأصل في هذا الطرف، وإذا سقط الأصل لا يعود، بينما ليس لدينا هكذا شيء في محل النقض، الذي لدينا هو أنّ الأصل في البداية جاء ووجد هذا الفرد خارجاً عن محل الابتلاء، اختلّ فيه شرط من شروط جريان الأصل لأنّه خارج عن محل الابتلاء، بعد ذلك دخل هذا الفرد في محل الابتلاء، فصار موضوعاً جديداً لهذا الأصل المؤمّن، فيشمله الأصل المؤمّن، هذا غير محل الكلام، مورد النقض من قبيل ما إذا كان الفرد لا يشك المكلّف في طهارته ونجاسته تشمله قاعدة الطهارة لعدم الشكّ، وبعد ذلك شكّ المكلّف في نجاسته، فيكون مشمولاً لقاعدة الطهارة بلا إشكال، ولا يصح لنا أن نقول أنّ هذا الفرد لأنّه في البداية لم يكن مشمولاً لأصالة الطهارة، فهو الآن لا يكون مشولاً لها؛ لأنّ هذا موضوع جديد لأصالة الطهارة، هذا الفرد لم تسقط فيه أصالة الطهارة بالمعارضة، وإنّما لا تشمله أصالة الطهارة لاختلال الشرط وهو الدخول في محل الابتلاء، فلا يشمله الأصل، بعد ذلك عندما يدخل في محل الابتلاء يتحقق موضوع جديد لهذا الأصل، فيجري فيه الأصل بلا إشكال، اين هذا من محل الكلام ؟ نحن في محل الكلام نقول أنّ الأصل يجري في الطرف الآخر ويسقط بالمعارضة، هذا الفرد الذي جرى فيه الأصل وسقط بالمعارضة نريد أن نقول بعد زوال المعارضة يمكن التمسّك بالأصل فيه، في هذا نقول لا يعود الأصل مرّة أخرى بعد سقوطه، النقض على ذلك بمسألة الخروج عن محل الابتلاء ليست واردة حسب الظاهر.
الإشكال الثاني: قد يقال سلّمنا المبنى الذي بنوا عليه وهو أنّ مفاد دليل الأصل المؤمّن هو وحدة الحكم ووحدة التطبيق، فالحكم واحد والتطبيق واحد وليس متعدداً كما يقول المحقق المتقدّم، لكن لماذا لا نتمسّك لإثبات جريان الأصل في الطرف الآخر بعد الاضطرار بإطلاق دليل الأصل، والتمسّك بإطلاق دليل الأصل لا ينافي أنّ مفاد الأصل حكم واحد وتطبيق واحد، نتمسّك بإطلاق دليل الأصل بلحاظ الأزمنة، حكم واحد لكنّه مستمر، تطبيق واحد، لكنّه مستمر، هذا هو مفاده، نرفع اليد عن هذا الإطلاق بمقدار الضرورة، ومقدار الضرورة في محل الكلام هو ما دام المعارض موجوداً، مادام المعارض موجوداً لا يمكن التمسّك بإطلاق دليل الأصل لإثبات شموله للطرف الذي له معارض، فنرفع اليد عن إطلاق الدليل بمقدار مادام المعارض موجوداً، أمّا إذا زالت المعارضة وحصل الاضطرار، واصبح الأصل في الطرف الذي هو مورد الاضطرار غير جاري؛ إذ لا يجري هذا الأصل في مورد الاضطرار، فأيّ ضيرٍ في أن نتمسّك بإطلاق دليل الأصل لإثبات شموله للطرف الآخر ؟ وهذا لا يبتني على افتراض أنّ مفاد دليل الأصل أحكام متعددة وتطبيقات متعددة، حتّى لو كان مفاده حكم واحد وتطبيق واحد، لكتّه له إطلاق بلحاظ جميع الأزمنة وتُرفع اليد عن هذا الإطلاق بمقدار الضرورة ومادام المعارض موجوداً، أمّا بعد زوال التعارض وعدم جريان المعارض، فلا مانع من التمسّك بإطلاق دليل الأصل لإثبات جريانه في الطرف الآخر، أيّ ضيرٍ في ذلك ؟!
يمكن أن يُلاحظ على هذا التمسّك بالإطلاق: بأنّ المانع الذي منع من إجراء الأصل كمل ذكرناه في الطرف الآخر قبل الاضطرار هو بنفسه يمنع من جريان الأصل في الطرف الآخر بعد الاضطرار؛ لما ذكرناه قبل قليل من أنّ المفروض في محل الكلام هو التعارض بين أصلين أحدهما طويل والآخر قصير، القصير هو الأصل في مورد الاضطرار، والطويل هو الأصل في الطرف الآخر، إذن: التكاذب قائم بين هذين الأصلين، وهذا معنى أنّ المانع الذي منع من جريان الأصل في الطرف الآخر قبل الاضطرار هو بنفسه يمنع من جريان الأصل بعد الاضطرار، هذان الأصلان متكاذبان، ليس التكاذب موجوداً بين الأصل في هذا الطرف قبل الاضطرار والأصل في هذا الطرف أيضا قبل الاضطرار، ليس التكاذب فقط مختصّاً بهذا، وإنّما التكاذب بين الأصل في هذا الطرف قبل الاضطرار وبين الأصل في ذاك الطرف حتّى بعد الاضطرار، المعارضة بينهما هي بهذا الشكل والتكاذب بهذا الشكل، وهذا معناه كما لا يمكن التمسّك بإطلاق دليل الأصل لإثبات جريانه في الطرف الآخر قبل الاضطرار كذلك لا يمكن التمسّك بإطلاق دليل الأصل لإثبات جريانه في الطرف الآخر بعد الاضطرار؛ لأنّ المانع الذي يمنع من جريان الأصل قبل الاضطرار بنفسه موجود بعد الاضطرار وهو المعارض، لا يمكن التفصيل بلحاظ الطرف الآخر بين قبل الاضطرار وبين ما بعد الاضطرار؛ لأنّ الذي يمنع من التمسّك بالإطلاق موجود بعد الاضطرار كما هو موجود قبل الاضطرار، وكما لا يمكن التمسّك بالإطلاق قبل الاضطرار لا يمكن التمسّك بالإطلاق بعد الاضطرار، فكيف يُدّعى أننا بعد الاضطرار نتمسّك بإطلاق دليل الأصل لإثبات جريانه في الطرف الآخر، هذا إنّما يصح إذا افترضنا أنّ المعارضة محصورة بفترة ما قبل الاضطرار، فيصح الكلام السابق الذي ذُكر وهو أنّه حينئذٍ نرفع اليد عن إطلاق دليل الأصل بمقدار الضرورة، والضرورة مخصوصة بفترة ما قبل الاضطرار؛ لأنّه في هذه الفترة يحصل التعارض، أمّا فترة ما بعد الاضطرار لا توجد ضرورة ولا يوجد معارض، فنرجع إلى التمسّك بالإطلاق، هذا الكلام إنّما يصح إذا استطعنا أن نحصر التعارض في فترة ما قبل الاضطرار؛ واقع الأمر أنّ التعارض ليس هكذا، التعارض إنّما هو بين الأصل في هذا الطرف إلى ما قبل الاضطرار وبين الأصل في الطرف الآخر مطلقاً قبل الاضطرار وبعد الاضطرار، إذن، هذا الأصل في الطرف الأوّل كما يعارض الأصل في الطرف الثاني قبل الاضطرار يعارض الأصل في الطرف الثاني بعد الاضطرار أيضاً، فالمعارض موجود، فإذا كان هذا المعارض هو الذي منع من التمسّك بإطلاق دليل الأصل في فترة ما قبل الاضطرار هو أيضاً يكون مانعاً من التمسّك بدليل الأصل في فترة ما بعد الاضطرار، فكيف يمكن الرجوع إلى الإطلاق في محل الكلام ؟ هذا الذي يرتبط بالبحث السابق. ثمّ بعد ذلك نرجع إلى المقام الثاني.
المقام الثاني: وهو ما إذا كان الاضطرار إلى بعض الأطراف لا بعينه كما إذا اضطرّ إلى شرب أحد الماءين لرفع عطشه الذي يوجب هلاك النفس، فاضطرّ إلى شرب أحدهما، هنا يضطر إلى شرب واحدٍ منهما لا بعينه؛ لأنّ كلاً منهما يرفع عطشه ويحفظ له نفسه، فليس هناك اضطرار إلى أحدهما بعينه. هنا لا إشكال في جواز ارتكاب أحدهما، لكنّه يتخيّر في ارتكاب أيّ واحدٍ منهما.
بعبارةٍ أخرى: لا إشكال في ثبوت الترخيص التخييري، هو مرخّص في ارتكاب أحدهما تخيراً، وهذا معناه سقوط وجوب الموافقة القطعية، في هذه الحالة قطعاً الموافقة القطعية غير واجبة بدليل أنّه لا إشكال في جواز ارتكاب احدهما، بدليل أنّه مرخّص في ارتكاب أحدهما تخييراً، وهذا معناه أنّه لا إشكال في سقوط وجوب الموافقة القطعية لهذا العلم الإجمالي، وإنّما الكلام يقع في جواز المخالفة القطعية أو عدم جوازها، هو شرب الماء ورفع عطشه، هل يجوز له ارتكاب الآخر، وترتفع حرمة المخالفة القطعية كما ارتفع وجوب الموافقة القطعية، أو لا ؟ بأن تبقى حرمة المخالفة القطعية على حالها وتحرم عليه المخالفة القطعية، فلا يجوز له ارتكاب الماء الآخر. هذا محل الكلام.
بعبارة أخرى: لا إشكال في أنّ هذا العلم الإجمالي في المقام لا ينجّز وجوب الموافقة القطعية على المكلّف، وإنّما الكلام يقع في أنّه هل ينجّز حرمة المخالفة القطعية عليه، أو لا ؟
هنا نستعرض الآراء المهمّة في هذه المسألة، وسيظهر من خلال استعراض هذه الآراء أنّ هذه الآراء لا تفرّق في المقام بين الصور الثلاثة المتقدّمة في المقام الأوّل، يعني من يبني على المنجّزية يبني عليها في جميع الصور، ومن يبني على عدم المنجّزية يبني عليها في جميع الصور، وسيأتي التعرّض إلى ذلك أيضاً:
الرأي الأوّل: رأي صاحب الكفاية(قدّس سرّه) حيث ذهب إلى عدم منجّزية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية، وجوّز ارتكاب الطرف الآخر الذي يرتكبه بعد رفع اضطراره بالطرف الأوّل؛ بل هو ذهب إلى عدم منجّزية العلم الإجمالي حتّى في المقام الأوّل، في مسألة الاضطرار إلى أحدهما بعينه كان يجوّز للمكلّف ارتكاب الطرف الآخر في كل الصور الثلاثة المتقدّمة، يعني حتّى في صورة تقدّم العلم الإجمالي على الاضطرار التي هي الصورة الثانية التي التزم فيها الجميع بالمنجّزية هو يقول بعدم منجّزية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية، مادام المكلّف اضطر إلى ارتكاب هذا يجوز له ارتكاب الآخر، هو اضطر إلى شرب الماء لرفع عطشه، ويجوز له شرب الخلّ الذي هو الفرد الآخر في المثال السابق؛ لأنّ العلم الإجمالي لا ينجّز حرمة المخالفة القطعية حتّى في المقام الأوّل، فضلاً عن المقام الثاني. استدلّ على عدم المنجّزية بدليلٍ واحدٍ يشمل المقام الأوّل والمقام الثاني، هو جمع بينهما في عبارته، استدلّ على ذلك بأنّ الاضطرار إلى بعض أطراف العلم الإجمالي، سواء كان إلى بعضٍ معيّن كما في المقام الأوّل، أو غير معيّن كما في محل الكلام، هذا يمنع من العلم بالتكليف الفعلي، عبارته يمنع من فعلية التكليف،[1] مثلاً: إذا علم نجاسة أحد مائعين في المقام الأوّل، واضطر إلى شرب الماء لرفع عطشه، أو علم بنجاسة أحد المائعين واضطرّ إلى شرب أحدهما لرفع عطشه كما في المقام الثاني، كأنّه يريد أن يقول أنّ شرب الماء في المثال الأوّل، وشرب أحد الماءين في المثال الثاني حلال قطعاً وجائز قطعاً لمكان الاضطرار، بينما يبقى الخل في المثال الأوّل، والماء الثاني الذي لم يختره لرفع عطشه، لا علم بتعلّق التكليف به، وإنّما هو مجرد شكّ بأنّه فيه تكليف، أو لا ؟ لماذا هو مجرّد شكّ ؟ هذا واضح؛ لأنّه هناك احتمال أنّ التكليف المعلوم بالإجمال في الطرف الذي اضطر إليه ورفع به اضطراره ومع كونه مضطراً إليه ترتفع عنه الحرمة لأجل الاضطرار. إذن: لا علم بثبوت التكليف في الطرف الآخر وإنّما هناك شكّ في ثبوت التكليف في الطرف الآخر ما دام هناك شكّ في ثبوت التكليف في الطرف الآخر تجري فيه الأصول المؤمّنة.
وبعبارةٍ أخرى: أنّه يريد أن يقول أنّ الاضطرار حيث أنّه يوجب الترخيص في ارتكاب أحد الطرفين المعيّن، أو أحدهما غير المعيّن في محل الكلام هذا الترخيص الذي يفترضه الاضطرار يمنع من العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي؛ لأنّه لا يمكن الجمع بين الترخيص وبين كون المكلّف عالماً بالتكليف الفعلي على كل تقدير، أن يكون عالماً بالتكليف الفعلي على كل تقدير، ومعنى(على كل تقدير) هو سواء كانت النجاسة في هذا الطرف، أو كانت في هذا الطرف، أن يكون المكلّف عالماً بالتكليف الفعلي بالحرمة الفعلية على كل تقدير مع كونه قد رُخص له في ارتكاب أحد الطرفين، لا يمكن الجمع بينهما؛ ولذا يكون الترخيص الذي هو لازم الاضطرار منافياً ومانعاً من العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي، والسر في ذلك هو أنّ شرب الماء في المثال الذي ذكرناه وشرب أحد الماءين في المثال الثاني الذي هو محل كلامنا لا حرمة فيه حتّى على تقدير أن يكون الحرام الواقعي هو هذا الفرد، لكن لأجل الاضطرار ترتفع عنه الحرمة، فإذن: شرب الماء، الفرد الذي اضطر إليه لا حرمة فيه، وهذا معناه أنّه لا يعلم بالحرمة على كل تقدير، يعني يرتفع عنه العلم الإجمالي، فلا يصبح عالماً إجمالاً بالحرمة على كل تقدير، ولا يصبح عالماً بالتكليف الفعلي على كل تقدير حتّى يصبح علماً إجمالياً منجّزاً، يسقط هذا العلم الإجمالي عن التنجيز؛ لأنّه لا يبقى له علم إجمالي بالتكليف الفعلي على كل تقدير؛ لأنّه على أحد التقديرين لا تكليف، فلا حرمة. نعم، على التقدير الآخر يوجد تكليف، لكنّه مجرّد احتمال يمكن نفيه بالأصول المؤمّنة. هذا ما يُفهم من عبارة صاحب الكفاية(قدّس سرّه)، لكن هناك أمور ترتبط بعبارة صاحب الكفاية(قدّس سرّه) منها أنّ الترخيص الذي فرضه، هل هو ترخيص واقعي أو ترخيص ظاهري ؟ قد يقال: أنّ ظاهر كلامه أنّه ترخيص واقعي في محل الكلام، في الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه، قد يقال: أنّه يفترض أنّ الترخيص ترخيص واقعي، والقرينة على ذلك هو أنّه ذكر هذا الترخيص في كلٍ من المقامين؛ لأنّه دمج بين المقامين في كلامه ولا إشكال أنّ الترخيص في المقام الأوّل هو ترخيص واقعي، قد يقال أنّ هذا قرينة على أنّ الترخيص الذي يفترضه في محل الكلام أيضاً واقعي. أمّا أنّه لا إشكال في أنّ الترخيص في المقام الأوّل ترخيص واقعي فباعتبار أنّ هذا الترخيص اقتضاه الاضطرار فقط، ولا علاقة للجهل به حتّى يكون ترخيصاً ظاهرياً؛ لأنّه في المقام الأوّل بحسب الفرض أنّه اضطر إلى شرب هذا الماءـ، وهذا الاضطرار يوجب الترخيص الواقعي ويرفع الحرمة واقعاً كما هو الحال في سائر موارد الاضطرار، إذا اضطر إلى أكل الميتة ترتفع عنه الحرمة واقعاً وتصبح جائزة واقعاً. فالترخيص الذي يثبت في موارد الاضطرار هو ترخيص واقعي، في موارد الاضطرار إلى طرفٍ بعينه، الترخيص الذي يثبت في موارد الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه قد يقال أنّ مقتضى الجمع بين المقامين بعبارة واحدة وإثبات الترخيص وبقرينة أنّ الترخيص في المقام الأوّل ترخيص واقعي، قد يُفهم منه أنّه يفترض أنّ الترخيص في محل الكلام أيضاً ترخيص واقعي. وهذا الترخيص الواقعي هو الذي يوجب ارتفاع الحرمة عن أحد الطرفين وهو الطرف الذي اضطر إليه، لكن الظاهر أنّ الصحيح هو أنّ الترخيص ظاهري في محل الكلام وليس ترخيصاً واقعياً.