36/01/28


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ العلم الإجمالي في التدريجيات
الكلام في العلم الإجمالي في التدريجيات: أي في تنجيزالعلم الإجمالي للأطراف إذا كانت الأطراف تدريجية الوجود. نقلنا كلاماً للسيّد الخوئي(قدّس سرّه) في الدرس السابق، حيث أنّه ذكر أقساماً وذكر أنّ هذه الأقسام خارجة عن محل الكلام، وانتهى إلى نتيجة أنّ القسم الداخل في محل الكلام هو ما إذا كانت التدريجية مستندة إلى عدم تمكّن المكلّف من الجمع بين الأطراف بسبب تقيّد أحد الأطراف بزمانٍ متأخّرٍ، أو بزماني متأخّر كالزوال، قبل الزوال يكون الوجوب متأخّراً بزمانٍ، يكون أحد الأطراف متأخّراً بزمانيٍ متأخّرٍ وهو ـــــــــــ فرضاً ـــــــــــ شيء آخر لا يقع الآن، وإنّما يقع بعد ذلك، مع فرض كون المكلّف غير قادرٍ على الإتيان بكل واحدٍ منهما الآن، الآن هو غير قادر على الإتيان بهذا وغير قادرٍ على الإتيان بالآخر؛ بل هو قادر على الإتيان بأحدهما فقط، وبهذا يختلف عن مثال العلم الإجمالي بوجوب إحدى الصلاتين، الجمعة، أو الظهر، هو قادر على الإتيان بالظهر وقادر على الإتيان بصلاة الجمعة، بينما في محل الكلام نفترض أنّه غير قادر على الإتيان بأحد الطرفين؛ لأنّ أحد الطرفين مشروط بزمانٍ متأخّرٍ، فهو قادر على طرفٍ بعينه. وهذا هو محل الكلام الذي يقع في أنّ العلم الإجمالي هل ينجّز كلا الطرفين بما فيه الطرف المتأخّر وجوداً المنوط بزمانٍ متأخّرٍ، أو لا ؟
ثمّ ذكر السيّد الخوئي(قدّس سرّه) أنّ هذا القسم الثالث[1] الذي هو محل الكلام تارةً يكون الحكم المعلوم بالإجمال فيه فعلياً على كل تقديرٍ بأن يكون التكليف فعلياً على تقدير أن يكون المعلوم بالإجمال هو هذا الطرف، وأيضاً يكون فعلياً على تقدير أن يكون المعلوم بالإجمال هو الطرف الآخر، فالتكليف يكون فعلياً على كل تقديرٍ، وأخرى لا يكون كذلك، وإنّما يكون فعلياً على تقديرٍ، وليس فعلياً على تقديرٍ آخر، فقسّمه إلى نحوين. ثمّ ذكر أنّه في هذا النحو الأوّل من القسم الثالث وهو أن نفترض أن التكليف فعلي على كل تقديرٍ، هنا ّذكر أنّه لا ينبغي الإشكال في منجّزية العلم الإجمالي، باعتبار أنّ المفروض هنا أنّ المكلّف يعلم بالتكليف الفعلي على كل تقدير، وهذا هو الملاك في تنجيز العلم الإجمالي لأطرافه، أن يكون المكلّف عالماً بتكليفٍ فعليٍ على كل تقدير، في مثال الإناءين سواء كانت النجاسة في هذا الإناء، فالتكليف فعلي، أو كانت في الإناء الآخر، فالتكليف فعلي، إذا فرضنا في محل الكلام بالرغم من أنّ الأطراف تدريجية الوجود، يعني أحد الأطراف منوطٌ بزمانٍ متأخّرٍ ـــــــــــ مثلاً ــــــــــ الإتيان به غير ممكنٍ الآن، في هذا الفرض بالرغم من ذلك هو فرض أن يكون التكليف فعلياً على كل تقدير، سواء كان المعلوم بالإجمال متحققاً في هذا الطرف الذي يمكن الإتيان به فعلاً، فالتكليف فعلي، أو كان المعلوم بالإجمال متحققاً في ذاك الطرف الذي يقع في المستقبل أيضاً يكون التكليف به فعلياً، يقول: على هذا التقدير لا ينبغي الإِشكال في المنجّزية؛ لأنّ الملاك والمناط في تنجيز العلم الإجمالي هو أن يكون علماً إجمالياً بتكليفٍ فعليٍ على كلا التقديرين، وهذا حاصل بالفرض في هذا النحو الأوّل؛ ولذا لا ينبغي الإشكال في تنجيز العلم الإجمالي لكلا الطرفين، ويمثّل لذلك بما إذا نذر أن يقرأ سورة معيّنة، وتردد المنذور بين أن يكون قراءة سورة معيّنة في هذا اليوم، أو قراءة سورة معيّنة في يوم غدٍ، هذه أطراف تدريجية الوجود، في هذه الحالة يقول هناك تكليف فعلي على كل تقدير، سواء كان المنذور هو أن يقرأ سورة في هذا اليوم، فالتكليف بوجوب قراءتها فعلي، أو كان المنذور هو قراءة السورة في يوم غدٍ، أيضاً التكليف بوجوب قراءتها فعلي، هو فعلاً مكلّفٌ بأن يقرأ السورة في يوم غدٍ، فالتكليف يكون فعلياً.
مسألة أنّ التكليف فعلي الآن بالرغم من أنّ المكلّف به الواجب استقبالي هذه مبنية على النزاع المعروف في الواجب المعلّق، فإذا قلنا بإمكان الواجب المعلّق؛ حينئذٍ يكون هذا الفرض مقبولاً ومعقولاً، وهو أن نفترض أنّ التكليف فعليٌ على كل تقدير، المنذور قراءة سورة الآن تكليفٌ فعليٌ، والمنذور قراءة سورة يوم غدٍ أيضاً التكليف فعلي، يقول: على هذا التقدير لا ينبغي الإشكال في تنجيز العلم الإجمالي. هذا النحو الأوّل من القسم الثالث.
وأمّا النحو الثاني من القسم الثالث: هو الذي جعله محل الإشكال والخلاف، وهو أن يكون التكليف فعلياً على تقدير، وليس فعلياً على تقديرٍ آخرٍ من قبيل المرأة التي ضاع عليها وقت حيضها، هي تعلم أنّها تحيض ثلاثة أيام في الشهر، لكنّها لا تعلم هل هي الثلاثة الأولى، أو الثلاثة في منتصف الشهر ـــــــــــ مثلاً ــــــــــــ أو الثلاثة في آخر الشهر، أو أنّها عشرة أيام، لكن هل هي العشرة الأولى، أو العشرة الثانية، أو العشرة الثالثة. هنا يقول: على تقدير أن يكون حيضها في العشرة الثالثة، هي فعلاً التكليف ليس فعلياً في حقها، إذن: التكليف فعلي، التكليف بحرمة دخول المساجد وحرمة قراءة سور العزائم، وحرمة المقاربة وأمثالها، على تقدير أن تكون أيام حيضها العشرة الأولى، فالتكليف فعلي في حقّها، أما على تقدر أن تكون أيام حيضها هي العشرة الأخيرة، الآن في أوّل الشهر لا يكون التكليف فعلياً. إذن: التكليف فعلي على تقديرٍ، وليس فعلياً على تقديرٍ آخر، يقول: هذا هو محل الكلام.
الذي يبدو أنّ النحو الأوّل من القسم الثالث مرجعه في الحقيقة إلى أنّ الزمان المتأخّر ليس قيداً في التكليف لا خطاباً ولا ملاكاً؛ ولذا يصير التكليف فعلياً حتّى في الطرف التدريجي الوجود، التكليف به يكون فعلياً؛ لأنّ الزمان المتأخّر ليس قيداً، أو دخيلاً في التكليف، لا في الخطاب، ولا في الملاك، الخطاب ليس مقيّداً بالزمان المتأخّر، فيكون فعلياً، والملاك أيضاً ليس مقيداً بالزمان المتأخّر، فيكون فعلياً؛ ولذا صار التكليف فعلياً على كل تقدير: أمّا على التقدير الأوّل، فواضح، بأن يكون المعلوم بالإجمال في الطرف الآخر الذي زمانه متأخّر، لا مشكلة حتّى إذا كان زمانه متأخّراً، لكنّ هذا الزمان المتأخّر قيد في الواجب وليس قيداً ولا دخيلاً في التكليف، وإنّما يكون قيداً في الواجب، يكون قيداً في متعلّق التكليف وليس قيداً في نفس التكليف لا خطاباً ولا ملاكاً، ومن هنا يصير التكليف فعلياً بالرغم من أنّ المكلّف به استقبالي. النحو الأوّل الذي ذكره أن يكون التكليف فعلياً على كل تقدير مرجعه إلى افتراض أنّ الزمان المتأخّر ليس دخيلاً في التكليف لا خطاباً ولا ملاكاً، وإنّما يكون دخيلاً في متعلّق التكليف. وسواء كانت دخالته في متعلّق التكليف على نحو الظرفية، أو على نحو القيدية، هذا لا يؤثّر، فبالنتيجة هو ليس دخيلاً في التكليف لا خطاباً ولا ملاكاً. ومن هنا يكون التكليف فعلياً على كل تقدير من زمان حصول العلم الإجمالي كما في مثال النذر الذي ذكره، وكما في مثال الربا الذي ذكره، لكن هذا كلّه بناءً على إمكان الواجب المعلّق يكون هذا مثالاً لذلك، في باب الربا يعلم التاجر بأنّ هناك معاملةً ربوية سيبتلي بها خلال يومه، لكنّه لا يعلم هل أنّه سيبتلي بها صباحاً، أو ظهراً، أو مساءً ؟ على كل تقدير؛ لأنّ الزمان المتأخّر ليس قيداً للتكليف، وإنّما هو قيد لمتعلّق التكليف، فالتكليف يكون فعلياً على كل تقدير منذ الصباح، فيكون منجّزاً كما ذكره.
في هذا النحو الأوّل من القسم الثالث الكل ذهب إلى المنجّزية؛ بل جعلوه خارجاً عن محل الكلام كما يظهر من عبارة السيّد الخوئي(قدّس سرّه)، على فرض أن يكون التكليف فعلياً على كل تقدير، يكون خارجاً عن محل الكلام؛ لأنّه لا إشكال أنّ العلم الإجمالي ينجّز كلا الطرفين، ففي مثال النذر يجب عليه أن يقرأ السورة الخاصّة في هذا اليوم وفي اليوم الآتي، وفي مثال الربا يجب عليه أن يترك المعاملات في تمام يومه......وهكذا، لا إشكال في أنّ العلم الإجمالي ينجّز كلا الطرفين، والأصول تكون متعارضة في كلا الطرفين، وهذا يوجب تنجيز العلم الإجمالي.
نعم، في النحو الثاني خالف بعض المحققين في ذلك وذهب إلى عدم المنجّزية بالرغم من افتراض أنّ التكليف فعليٌعلى كل تقدير، فبالرغم من ذلك هو ذهب إلى عدم المنجّزية، وقال أنّ العلم الإجمالي في المقام لا ينجّز الطرفين، فإذا كان قد ذهب إلى عدم المنجّزية في هذه الصورة، فمن باب أولى أن يذهب إلى عدم المنجّزية في النحو الثاني الذي يكون التكليف فيه ليس فعلياً على كل تقدير، وإنّما يكون التكليف فعلياً على تقدير وليس فعليا على تقديرٍ آخر، من باب أولى أن يذهب إلى عدم منجّزية العلم الإجمالي؛ لأنّه في صورة كون التكليف فعلياً على كل تقدير هو يرى عدم المنجّزية, واستدلّ هذا المحقق على عدم المنجّزية في ما إذا فُرض أنّ التكليف فعليٌ على كل تقدير، أو بعبارةٍ أخرى: في ما إذا كان الزمان المتأخّر ليس دخيلاً في التكليف لا خطاباً ولا ملاكاً، وإنّما هو دخيل في متعلّق التكليف في الفعل الواجب، استدل على ذلك بأنّ التكليف اللاحق لا يقبل أن يتنجّز بواسطة العلم التفصيلي الفعلي، ويمثّل لذلك أولاً بالعلم التفصيلي، ثمّ يقول: يثبت هذا في العلم الإجمالي من بابٍ أولى. إذا فرضنا أنّه علم تفصيلاً في هذا اليوم بأنّه يجب عليه في يوم غدٍ أن يقرأ سورة من القرآن، أو علم تفصيلاً في شهر شعبان بأنّه سيجب عليه أن يصوم في شهر رمضان الآتي، يقول: إذا علم بذلك، هذا العلم التفصيلي في هذا اليوم لا يكون منجّزاً للتكليف في غدٍ ولا يكون موجباً لترتّب العقاب عليه؛ بل التنجيز إنّما يكون للعلم عندما يكون العلم مقارناً للتكليف، عندما يكون العلم متقدّماً على التكليف فهذا العلم ولو كان تفصيلياً، هو لا ينجّز ذلك التكليف، وإنّما ينجّز التكليف العلم به في ظرفه، أي العلم المقارن له ينجّزه، أمّا العلم المتقدّم عليه فلا ينجّزه.
ما يريد أن يقوله هو: أننا نعلم إجمالاً الآن بوجوب قراءة سورة إمّا الآن، أو غداً، ويقول: أنّ العلم بالتكليف فعلاً لا ينجّز التكليف في يوم غدٍ، لا ينجّزه من الآن. هو يريد أن ينفذ إلى هذه النكتة لإثبات عدم المنجّزية، وهي أنّ العلم الإجمالي ليس علماً بتكليفٍ قابل للتنجيز على كل تقدير، وإنّما هو قابل للتنجيز على تقديرٍ وليس قابلاً للتنجيز على تقديرٍ آخر، على تقدير أن يكون ما نذره هو قراءة سورة في يوم غدٍ، العلم حتّى لو كان تفصيلياً لا ينجّز التكليف في ظرفه، العلم الآن لا ينجّز التكليف في ظرفه، وإنّما الذي ينجّز التكليف في ظرفه هو العلم المقارن له، العلم بالتكليف ينجّز التكليف يوم غد، أمّا العلم بالتكليف الآن فلا ينجّز التكليف في ظرفه. إذن: الآن هو لا يعلم بتكليفٍ قابلٍ للتنجيز على كل تقدير، وإنّما هو يعلم بتكليفٍ قابلٍ للتنجيز على تقدير أن يكون المنذور ــــــــــ مثلاً ــــــــــ هو قراءة سورة الآن في هذا اليوم، وأمّا على تقدير أن يكون المنذور هو قراءة سورة يوم غدٍ، فهذا التكليف ليس قابلاً للتنجيز؛ لأنّ العلم، وإن كان تفصيلياً إنّما ينجّز التكليف في ظرفه لا قبل ذلك، قبل ذلك العلم التفصيلي المتقدّم لا ينجّز التكليف المتأخّر، وإنّما الذي ينجّزه هو العلم في ظرفه، إذن: يكون العلم الإجمالي في المقام غير قابلٍ لتنجيز التكليف على كل تقدير، والمعتبر في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون العلم الإجمالي قابلاً للتنجيز على كل تقديرٍ، وهذا العلم في المقام ليس قابلاً للتنجيز على كل تقديرٍ، ولا يستطيع أن ينجّز على المكلّف قراءة سورة في يوم غد، وإنّما الذي ينجزه هو وجود هذا العلم في يوم غد لا أنّه يتنجّز من الآن، الآن لا يستطيع الإنسان أن يحكم بمنجّزية هذا العلم الإجمالي؛ لأنّه ليس علماً إجمالياً بتكليفٍ قابلٍ للتنجيز على كل تقدير، واستدلّ على عدم المنجّزية بأنّ هذا العلم التفصيلي تبدّل إلى شكٍّ، هذا الفعل في يوم غدٍ لا يجب على المكلّف الإتيان به؛ لأنّ العلم تبدّل إلى شكّ، فلا شيء ينجّز التكليف في يوم غدٍ؛ لأنّ المنجّز هو العلم، فإذا فرضنا أنّ العلم تبدّل إلى شكٍّ، فلا تتنجّز على المكلّف قراءة سورة في يوم غد، ولا تكون مخالفتها موجبة لاستحقاق العقاب الذي هو معنى التنجيز، ولا تكون المخالفة قبيحة؛ لأنّه لا علم بحسب الفرض، مع أنّه لو كان العلم الإجمالي الآن ينجّز التكليف في يوم غد فلابد من الالتزام بالتنجيز حتّى لو تبدّل العلم إلى شكٍّ؛ لأنّ العلم نجّز ذلك التكليف، والشيء إذا وقع لا ينقلب عمّا وقع عليه، العلم الآن نجّز التكليف على المكلّف في يوم غد، وأدخل الفعل على عهدة المكلّف، وحكم العقل بقبح تركه ومخالفته، واستحقاق العقاب على مخالفته، فحتّى لو زال هذا العلم وتبدّل إلى شكٍّ، بناءً على هذا الكلام؛ حينئذٍ ينبغي أن يكون التنجيز باقياً، بينما لا إشكال في عدم بقاءه إذا تحوّل العلم إلى شكٍّ، وهذا يكشف عن ما قلناه من أنّ المنجّز للتكليف في يوم غدٍ هو العلم المقارن، عندما يكون العلم مقارناً في يوم غدٍ يكون منجّزاً للتكليف فيه، أمّا العلم المتقدّم، فلا ينجّز التكليف في ظرفه، فإذن، في الوقت المتقدّم حين حصول العلم الإجمالي لا نستطيع أن نقول أنّ هذا العلم الإجمالي ينجّز كلا الطرفين؛ لأنّه ليس صالحاً للتنجيز على كل تقدير، وصالح للتنجيز على تقديرٍ وليس صالحاً للتنجيز على تقديرٍ آخرٍ.
الذي نقوله هو: نحن في المقام نتكلّم عن افتراض أنّ التكليف فعلي على كل تقدير، والسيّد الخوئي(قدّس سرّه) عندما قسّم القسم الثالث إلى نحوين، النحو الأوّل هو ما إذا كان التكليف فعلياً على كل تقدير، وقلنا أنّ هذا مبني على إمكان الواجب المعلّق، في فرض كون التكليف فعلياً على كل تقديرٍ حتّى إذا كان المنذور هو قراءة سورة خاصّة في يوم غدٍ، التكليف به فعلي، باعتبار أنّ الزمان ليس دخيلاً في التكليف، لا خطاباً ولا ملاكاً؛ حينئذٍ هل هناك مجال لأن نقول أنّ هذا العلم الإجمالي لا ينجّز الطرفين ؟ وأي فرقٍ بينه وبين ما إذا كان الطرفين عرضيين لا طوليين ؟ ملاك العلم الإجمالي هو أن يكون العلم علماً بتكليفٍ فعلي على كل تقدير، وهذا علم بتكليفٍ فعلي على كل تقدير، فإذا كان هذا هو الملاك، فينبغي أن يكون منجّزاً؛ لأننا افترضنا فعلية التكليف على كل تقديرٍ، وإذا كان التكليف فعلياً يكون منجّزاً على كل تقدير، نحن لا نفترض أنّ التكليف على أحد التقديرين يوم غدٍ حتّى نتكلّم عن أن العلم الإجمالي، أو العلم التفصيلي الآن هل ينجّز التكليف يوم غدٍ، أو لا ينجّزه في يوم غدٍ، وإنّما افترضنا أنّ التكليف فعليٌ وليس التكليف على أحد التقديرين استقبالياً، الاستقبالي هو المكلّف به. إذن: التكليف فعليٌ على كل تقديرٍ، وإذا كان فعلياً على كل تقديرٍ؛ حينئذٍ يكون قابلاً للتنجيز على كل تقديرٍ. هذا هو محل كلامنا، في هذه الصورة هل يمكن أن نلتزم بعدم المنجّزية ؟ قلنا أنّ ظاهرهم الاتفاق على المنجّزية في هذه الصورة؛ بل خروجها عن محل النزاع، فإذا كان المقصود من الكلام السابق هو إثبات عدم المنجّزية في هذه الصورة التي نتكلّم عنها كما هو ظاهر الكلام، فهذا ليس صحيحاً؛ لأننا فرضنا فعلية التكليف على كل تقديرٍ، وفرضنا إمكان الواجب المعلّق، ولم نفترض أنّ التكليف يكون في المستقبل، فيدور الأمر بين تكليفٍ فعليٍ وتكليفٍ ليس فعلياً، هذا النحو الثاني الذي سيأتي فيه الكلام.
إذن: الظاهر هو المنجّزية في هذا النحو الأوّل من القسم الثالث، وإنّما يقع الكلام في النحو الثاني الذي هو أن يكون التكليف المعلوم بالإجمال فعلياً على تقديرٍ وليس فعلياً على تقديرٍ آخرٍ كما إذا قلنا باستحالة الواجب المعلّق، فإذا قلنا باستحالة الواجب المعلّق، فالتكليف حينئذٍ لا يكون فعلياً، الزمان كما يكون قيداً في المتعلّق يكون قيداً في التكليف، فالتكليف لا يكون فعلياً؛ لأنّ الزمان لا يتمحّض في كونه قيداً في المتعلّق ودخيلاً فيه، وإنّما هو دخيلٌ في شيءٍ أزيد من المتعلّق، هو دخيلٌ في التكليف؛ ولذا لا يكون التكليف فعلياً على أحد التقديرين، وإن كان فعلياً على التقدير الآخر. هذا هو محل الكلام وهو محل الخلاف في ما بينهم كما سيأتي، ومثاله هو مثال الحيض، حيث ذكروا بأنّ التكليف هنا ليس فعلياً الآن؛ لأنّ الزمان دخيلٌ في التكليف، وبهذا يختلف مثال الحيض عن مثال النذر، في مثال النذر يمكن للإنسان أن يقول أنّ التكليف خطاباً وملاكاً يتحقق بالنذر. الزمان المتأخّر هو قيدٌ للمنذور، بمجرّد أن ينذر الإنسان وجب عليه، الوجوب يتحقق كما أنّ ملاك الوجوب أيضاً يتحقق بالنذر، فيصبح المنذور ذا مصلحةٍ ملزمةٍ من حين النذر، وهذه المصلحة الملزمة تقتضي وجوب الوفاء، فيكون وجوب الوفاء فعلياً، ويكون الملاك أيضاً فعلياً؛ لأنّ هذا كلّه مرتبطٌ بالنذر، والمفروض أنّ النذر تحقق الآن، فحتّى لو فرضنا أنّ المنذور متأخّر زماناً، يمكن فرض أنّ الزمان قيدٌ في المتعلّق وليس قيداً في التكليف لا خطاباً ولا ملاكاً، لكن في مثال الحيض يختلف الأمر، التكليف في باب الحيض منوطٌ بالحيض وقد فرضنا تأخّر زمان الحيض، على أحد التقديرين تأخّر زمان الحيض، هي إمّا حائض الآن أو حائض بعد عشرة أيام، على تقدير أنّها حائض بعد عشرة أيام، التكليف بحرمة دخول المساجد وحرمة قراءة سور العزائم ليس فعلياً؛ لأنّ التكليف خطاباً وملاكاً، ظاهر الأدلّة أنّه منوط بالحيض، والمفروض أنّها ليست حائضاً فعلاً. نعم، هي على أحد التقديرين حائض فعلاً، فيكون التكليف فعلياً، لكن على التقدير الآخر هي ليست حائضاً فعلاً، فلا يكون التكليف فعلياً، وإنّما سيتحقق في المستقبل، ومن هنا هذا النحو الثاني هو أن يكون التكليف على أحد التقديرين فعلياً، بينما على التقدير الآخر ليس فعلياً.
هذا النحو الثاني من القسم الثالث يمكن تصوّره على نحوين:
النحو الأوّل: أن يكون الزمان المتأخّر دخيلاً في التكليف خطاباً وملاكاً.
النحو الثاني: أن يكون الزمان المتأخّر دخيلاً في التكليف خطاباً لا ملاكاً، بحيث يكون الملاك فعلياً قبل الوقت، لكن التكليف لا يكون فعلياً، فهاتان صورتان من النحو الثاني من القسم الثالث.