35/06/23


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ منجّزية العلم الإجمالي
ذكرنا في الدرس السابق الجواب الثاني عن النقض الثاني وهذا الجواب للسيد الخوئي(قدّس سرّه) وهو يريد أن يقول أنّ هناك محذوراً آخراً غير المحذور الذي كان مطروحاً حتّى الآن، هناك محذور آخر من جريان الأصول في جميع أطراف لا علاقة له بباب المخالفة العملية، وهذا المحذور هو عبارة عن ما يمكن أن نسميه بالترخيص القطعي في المخالفة، وليس الترخيص في المخالفة القطعية، هذا المحذور يمنع من إجراء الأصول في جميع أطراف العلم الإجمالي حتّى في الموارد التي يكون جريان الأصول فيها في الأطراف غير مستلزم للترخيص في المخالفة القطعية، وهذا المانع لا يرتفع بالترخيصين المشروطين الّذين ذُكرا في النقض، لا يرتفع بالتقييد؛ لأنّ الترخيصين المشروطين يندفع به محذور الترخيص في المخالفة القطعية؛ لأنّ الترخيصين المشروطين لا يستلزم الترخيص في المخالفة القطعية، لكنّه يلزم منه الترخيص القطعي في المخالفة، وذلك في ما إذا ترك المكلّف كلا الطرفين؛ لأنّه في حالة ترك كلا الطرفين يتحقق شرط كلا الترخيصين، فيصبح الترخيص في كلٍ من الطرفين فعلياً، ويقول: هذا غير معقول، كيف يُعقل أن يُرخّص ترخيصاً فعلياً فيما نعلم كونه حراماً،[1] وهذا يكشف عن أنّ هناك محذوراً آخراً يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار عندما نريد إجراء الأصول في أطراف العلم الإجمالي ومجرّد أنّه بالترخيصين المشروطين يندفع المحذور الأوّل هذا لا يعني جواز إجراء الأصول في أطراف العلم الإجمالي لوجود محذور آخر لا يندفع بالترخيصين المشروطين، ويذكر هذا المثال المتقدّم مثال ما إذا كان المكلّف حرم عليه المكث في مكان واحد في زمان واحد وتردد هذا المكان بين مكانين، إمّا يحرم عليه المكث في هذا المسجد في آن واحد، أو يحرم عليه المكث في مسجدٍ آخر، لا يعلم ايّهما حرام عليه، في هذه الحالة المكلّف لا يتمكن من المخالفة القطعية لعدم قدرته عليها، فهل نلتزم بجواز إجراء الأصول في الطرفين ؟ فنجري الأصل في هذا الطرف ونجري الأصل في هذا الطرف ؟ ونجوّز له بالتالي أن يترك المكث في كلٍ منهما ؟ بدعوى أنّ إجراء الأصول في الطرفين لا يلزم منه الترخيص في المخالفة القطعية؛ لعدم قدرته على المخالفة القطعية؛ لأنّه لا يمكنه أن يكون في مكانين في زمان واحد، فإمّا أن يكون في هذ المكان، وإمّا أن يكون في هذا المكان، فهل يمكن أن نجري الأصول في الطرفين ونلتزم بأنّه لا يجب عليه المكث في هذا المكان ولا يجب عليه المكث في هذا المكان ؟ كلا، وهذا معناه أنّ هناك محذوراً آخر يمنع من إجراء الأصول في أطراف العلم الإجمالي غير محذور الترخيص في المخالفة القطعية.
في الحقيقة هذا الكلام أدّعي فيه أمران:
الأمر الأوّل: أنّ المحذور في جريان الأصول ليس هو لزوم الترخيص في المخالفة القطعية فقط؛ بل هناك محذوراً آخر كما بيّنّا، السيد الخوئي(قدّس سرّه) في مقام إثبات هذا المدّعى وهو وجود محذور آخر يلزم منه الترخيص من إجراء الأصول في جميع أطراف العلم الإجمالي ذكر النقض لهذا المثال، مثال حرمة المكث في مكان مردد بين مكانين في زمان واحد، يقول: هنا المكلّف لا يتمكّن من المخالفة القطعية، وإجراء الأصول في الطرفين لا يلزم منه الترخيص المخالفة القطعية، لكن مع ذلك لا يمكن الالتزام بجريان الأصول في الأطراف، فجعله دليلاً على أنّ هناك محذوراً آخر يمنع من جريان الأصول في جميع أطراف العلم الإجمالي، فأنّ هذا يكون نقضاً على من يقول بأنّ المانع من جريان الأصول في الأطراف هو الترخيص في المخالفة القطعية وإذا ارتفع هذا المانع، فلا مانع من إجراء الأصول في أطراف العلم الإجمالي، هو نقض على من يقول هذا الكلام بهذا المثال، يقول: إجراء الأصول في الطرفين في مثال المكث في مكان مردد لا يلزم منه الترخيص في المخالفة القطعية، ومع ذلك لا تلتزم بجريان الأصول فيه، هذا دليل على أنّ هناك محذوراً آخر يمنع من إجراء الأصول في جميع أطراف العلم الإجمالي غير محذور الترخيص في المخالفة القطعية.
قد يجاب عن هذا النقض الذي ذكره السيد الخوئي(قدّس سرّه)، فيقال: في هذا المثال لا إشكال في استحالة الإتيان بالطرفين لعدم قدرة المكلّف على ذلك ــــــــــــ بحسب الفرض ــــــــــ لأنّه لا يتمكن أن يكون في مكانين في آنٍ واحد، فقدرته لا تسمح له بأن يأتي بالطرفين، استحالة الاتيان بالطرفين تمنع من أن يكون الترخيص في كل واحدٍ من الطرفين مطلقاً، يعني مطلقاً لحالة ارتكاب الآخر وحالة تركه؛ إذ لا يُعقل أن يكون إطلاق الترخيص في أحد الطرفين مطلقاً لحالة ارتكاب الآخر، أن يُرخص في هذا الطرف في حالة ارتكاب هذا، والحال أنّ هذا الطرف في حالة ارتكاب هذا مستحيل؛ ارتكاب هذا الطرف في حالة ارتكاب الطرف الآخر محال؛ لأنّ المكلّف ـــــــــــــ بحسب الفرض ـــــــــــــ غير قادر على الإتيان بالطرفين، إذا ارتكب أحد الطرفين يستحيل عليه الطرف الآخر، فكيف يُعقل أن يكون الترخيص في هذا الطرف مطلقاً، يعني الترخيص ثابت في هذا الطرف الأوّل حتّى مع ارتكاب الطرف الثاني، والحال في حال ارتكاب الطرف الثاني يكون ارتكاب الأوّل محالاً، فلا يُعقل جعل الترخيص فيه، لا معنى لأن يُرخّص في الأمر المستحيل، هذه النكتة تستوجب أن يكون الترخيص في كلٍ من الطرفين ليس مطلقاً، وإنّما يكون مقيداً بعدم ارتكاب الطرف الآخر، الترخيص في الطرف الأوّل مجعول يُعقل، لكن مقيداً بعدم ارتكاب الطرف الثاني لا مطلقاً على نحوٍ يشمل حالة ارتكاب الطرف الثاني، وإنّما يكون مقيداً بعدم ارتكاب الثاني، والترخيص في الثاني أيضاً يكون مقيّداً بعدم ارتكاب الأوّل، في هذا المثال قد يقال: لابدّ من الالتزام بالترخيصين المشروطين لا أنّ الترخيص يجري في هذا الطرف مطلقاً وفي هذا الطرف مطلقاً؛ لأنّ هذا غير معقول؛ بل على تقدير أن نقول بجريان الترخيص في الأطراف، لابدّ أن نقول بجريانهما بنحوٍ مشروط، فالترخيص يجري في هذا الطرف مقيّداً بعدم هذا وهكذا في الطرف الآخر، وبذلك نصل إلى نفس محل الكلام، ومحل كلامنا هو هذا، فنحن نتكلّم مع المحقق العراقي(قدّس سرّه) الذي نقض بالنقض الثاني وقال: أنّ مقتضى الالتزام بالاقتضاء في محل الكلام ليس هو تساقط الأصول عن الأطراف، وإنّما جريانها في الأطراف ولكن بنحوٍ مقيّد، أنّ الأصل يثبت الترخيص في هذا الطرف بشرط عدم ارتكاب ذاك، ويجري في ذاك بشرط عدم ارتكاب هذا، وهو عبارة عن الترخيصين المشروطين، هذا المثال الذي أراد السيد الخوئي(قدّس سرّه) أن ينقض به على من يقول بالاقتضاء وبالترخيصين المشروطين، والمحقق العراقي(قدّس سرّه) يقول بالترخيصين المشروطين لكن على تقدير القول بالاقتضاء، وهو لا يقول بالاقتضاء، السيد الخوئي(قدّس سرّه) كأنّه يريد أن ينقض عليه بمحل الكلام، نقض عليه بهذا المثال، وهذا المثال بعد الالتفات إلى هذه النكتة يكون هو محل الكلام، ترخيصان في طرفي العلم الإجمالي، لكن على نحو مشروط، فنقض بما هو محل الكلام والطرف المقابل يلتزم بإمكان الترخيصين المشروطين، وهو يقول أنّ النتيجة الطبيعية للقول بالاقتضاء هو الالتزام بالترخيصين المشروطين، النقض عليه بما هو داخل في محل الكلام ليس صحيحاً، وإنّما لابدّ أن يُنقض عليه بأمرٍ مسلّم عند الطرف الآخر، أنّه غير ممكن ولا يمكن الالتزام به، ينقض عليه بذلك، هذا معقول، أمّا أن ينقض عليه بما هو محل الكلام، فأنّه يقول في محل الكلام على تقدير القول بالاقتضاء لابدّ من الالتزام بالترخيصين المشروطين، ينقض عليه بما هو محل الكلام، هذا من ناحية فنيّة ليس صحيحاً. هذا بناءً على الإيمان بهذه النكتة وهو أنّ استحالة الجمع بين الطرفين في المثال المذكور تمنع من أن يجري الترخيص مطلقاً في كلا الطرفين، وتقتضي أن يجري الترخيص في كلا الطرفين بنحوٍ مشروط؛ لأنّه لا يُعقل الترخيص في ما هو مستحيل، وارتكاب أحد الطرفين عند ارتكاب الآخر مستحيل بحسب الفرض في هذا المثال، فالترخيص يكون مقيداً بصورة عدم ارتكاب الآخر، وهذا هو نفس محل الكلام وليس شيئاً آخر غيره، فالنقض به ليس صحيحاً.
الأمر الثاني الذي يُفهم من كلام السيد الخوئي(قدّس سرّه): أنّ ما يُعبّر عنه بالترخيص القطعي في المخالفة، هذا محذور آخر غير الترخيص في المخالفة القطعية، وأنّ هذا المحذور الثاني محذور آخر وفي حدّ نفسه وبقطع النظر عن الترخيص في المخالفة القطعية، وقد استدل السيد الخوئي(قدّس سرّه) على هذا المحذور بما يشبه الوجدان، وحاصل ما ذكره هو:[2] عندما نعلم بوجود الخمر خارجاً في أحد الأناءين، ونعلم أيضاً بحرمة شرب الخمر، يقول: حتّى مع اشتباه الحرام وهو الخمر بين مايعين، كيف يُعقل الحكم بإباحته والترخيص في شربه، ولو مشروطاً بترك المباح الواقعي ؟ هذا غير معقول. المكلّف عالم بوجود الخمر خارجاً وعالم بحرمة شربه، غاية الأمر أنّ الخمر الذي يعلم بوجوده مردد بين أناءين وهو عالم بحرمة شربه، كيف يُعقل أنّ هذا الإنسان العالم بوجود الخمر في ضمن الأناءين أن يُقال له أنت مرخّص بشرب ما تعلم بحرمته ولو كان هذا الترخيص مشروطاً بترك المباح الواقعي؛ لأنّه بالنتيجة الترخيص عندما يشمل كلا الطرفين، إذن: أحدهما هو ترخيص فيما هو حرام واقعي مشروطاً بترك المباح الواقعي، أحد الترخيصين لابدّ أن يكون كذلك؛ لأنّ الخمر لا يخرج عن أحد الأناءين، أنت مرخّص في هذا ومرخّص في هذا، إذن: أنت مرخّص في ارتكاب الحرام الواقعي ـــــــــــ الخمر الواقعي ــــــــــــ مشروطاً بترك المباح الواقعي. يقول: كيف يُعقل أن يكون الترخيص في ما يعلم المكلّف أنّه حرام، هذان أمران لا يمكن الجمع بينهما، متنافيان متضادان لا يجتمعان، الحكم الواقعي المعلوم لدى المكلّف والترخيص الظاهري في الحرام الواقعي مشروطاً بترك المباح الواقعي، هذان أمران لا يمكن الجمع بينهما، محال أن يُجعل ترخيص ظاهري من هذا القبيل؛ ولذا هو هكذا ذكر بأن(التقييد محال) جعل الترخيص في الطرفين مقيداً بترك الطرف الأخر، يقول هذا مستحيل، كلامكم صحيح جدّاً عندما يكون التقييد ممكناً كما في مثال المحقق النائيني(قدّس سرّه)، (أكرم العلماء) وزيد وعمرو الّذين خرجا من العام، لكن لا نعلم أنهما خرجا خروجاً أفرادياً، أو خرجا خروجاً أحوالياً، هناك التقييد ممكن فالكلام يصح؛ لأنّ التقييد ممكن أخف مؤنة وأقل مخالفة وأقل تخصيصاً، لكن في محل الكلام التقييد محال، كيف يُعقل أن يُرخّص في الحرام الواقعي ولو مشروطاً بترك المباح الواقعي ؟! يقول هذا غير ممكن ومحال، إذن: يستحيل جعل هذا الترخيص في محل الكلام، فيكون الترخيص المقيّد محال، فلابدّ من الالتزام بالأمر الأوّل وهو منع شمول دليل الأصل لكلا الطرفين، وهو معنى التساقط الذي يقول به المحقق النائيني(قدّس سرّه)، فلا تصل النوبة إلى التخيير، وبذلك تندفع شبهة التخيير.
مسألة أنّ الحكم الظاهري ينافي الحكم الواقعي المعلوم بالعلم الإجمالي، أساساً منافاة الحكم الظاهري للحكم الواقعي، هو ذكر(قدّس سرّه) في موارد عديدة بأنّ المنافاة بينهما إمّا أن تكون بلحاظ الجعل في عالم الجعل، وإمّا أن تكون بلحاظ مبادئ وملاكات الجعل، وإمّا أن تكون بلحاظ أثر الجعل والحكم العقلي المترتّب على الجعل. المنافاة التي تستدعي أن يقول أنّ الحكم الظاهري محال، هذه المنافاة بينهما التي تستوجب استحالة الترخيص في أيّ عالم هي موجودة ؟ هل هي موجود في عالم الجعل ؟ هو يقول بأنّ الجعل سهل المؤنة، هو كجعل إذا جردناه من مبادئه وآثاره العقلية، فهو خفيف المؤنة وليس هناك محال في أنّ يجعل حكما واقعيـاً أو يجعل حكماً ظاهريا، إذن لا منافاة بلحاظ عالم الجعل، أمّا بلحاظ مبادئ الجعل فهو أيضاً رأيه الواضح الذي يكرره مراراً هو أنّه لا منافاة بينهما بلحاظ عالم المبادئ؛ لأنّه يرى أنّ مبادئ الحكم الظاهري قائمة في نفس الجعل لا في متعلّق الجعل، بينما مبادئ الحكم الواقعي موجودة في متعلّق الجعل، ومن الواضح عدم وجود منافاة بين حكم ظاهري مبادئه قائمة في نفس جعله وبين حكمٍ واقعي مبادئه قائمة في متعلّقه. إذن: المبادئ المتنافية لا تجتمع في مكان واحد حتى يحصل بينها تضاد ويكون اجتماعها مستحيلاً، إنّما يكون اجتماعها مستحيلاً ويحصل بينها تضاد عندما تجتمع المبادئ المتنافية في مكان واحد وفي موردٍ واحد، كما إذا قلنا أنّ الحكم الظاهري أيضاً مبادئه تنشأ من المتعلّق، وهذا متعلّق واحد تعلّق به الحكم الواقعي وتعلّق به الحكم الظاهري، مبادئ الحكم الواقعي ــــــــــــ فرضاً ـــــــــــــ هي المصلحة، بينما مبادئ الحكم الظاهري ــــــــــــ فرضاً ـــــــــــــ هي المفسدة، لا يمكن أن تجتمع المصلحة والمفسدة في شيء واحد، هذا يوجب حالة التضاد واستحالة الاجتماع بينهما، أمّا إذا قلنا أنّ مبادئ الحكم الظاهري قائمة في نفس جعله لا في متعلّقه، وأنّ نفس جعله فيه مصلحة وملاك، بينما مبادئ الحكم الواقعي قائمة في المتعلّق؛ فحينئذٍ لا تضاد بلحاظ عالم المبادئ بين الحكم الواقعي وبين الحكم الظاهري، يبقى لدينا ما يترتّب على الجعل من أحكام عقلية والذي هو عبارة عن حرمة المخالفة القطعية التي يحكم بها العقل ووجوب الموافقة القطعية، هذان الأثران الّلذان يترتبان على جعل الحكم الصادر من الشارع .
هذا الحكم الظاهري ـــــــــــــ الترخيص المشروط في محل الكلام ـــــــــــــ هل ينافي الحكم الواقعي المعلوم بالإجمال في مرحلة حكم العقل، أو لا ينافيه ؟ واضح أنّ الجواب هو أنّه لا ينافيه؛ لأنّ المفروض في محل كلامنا أنّ هذين الترخيصين المشروطين لا يؤدّيان إلى المخالفة القطعية، لو كانا يؤدّيان إلى المخالفة القطعية، نقول أنّ هذا الحكم الظاهري ينافي الحكم الواقعي بلحاظ حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية، لكن المفروض أنّ هذين الترخيصين المشروطين لا يؤدّيان إلى الترخيص المخالفة القطعية. إذن: هذا الحكم الظاهري، حيث لا يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية لا يكون منافياً للحكم الواقعي المعلوم بالإجمال بلحاظ حرمة المخالفة القطعية.
يبقى لدينا حكم العقل بوجوب الموافقة القطعية، هنا أيضاً نقول الترخيصين المشروطين في الطرفين أيضاً لا ينافيان الحكم الواقعي المعلوم بالإجمال بلحاظ هذه المرحلة؛ لأننا نتكلّم ــــــــــــ حسب الفرض ـــــــــــ بناءً على الاقتضاء، ومعنى الاقتضاء في الحقيقة بحسب روحه يرجع إلى أنّ الحكم العقلي بوجوب الموافقة القطعية ليس حكماً تنجيزياً؛ بل هو حكم تعليقي، يعني معلّق على عدم الترخيص الشرعي، فإذا ورد الترخيص هل يكون منافياً لما يحكم به العقل من حرمة المخالفة القطعية ؟ وبالتالي يكون منافياً للحكم الواقعي ؟ كلا لا يكون منافياً له؛ لأنّ حكم العقل بوجوب موافقة الحكم الواقعي الواصل إلى المكلّف بالإجمال هو حكم تعليقي يحكم بوجوب موافقته القطعية مشروط بأن لا يرد ترخيص من الشارع، فإذا ورد ترخيص، وكانت أدلّة الترخيص شاملة للطرفين كما فرضنا؛ حينئذٍ هذا الترخيص الذي يجري في الطرفين كما فرضنا لا يكون منافياً لحكم العقل بوجوب الموافقة القطعية وبالتالي لا يكون منافياً للحكم الواقعي المعلوم بالإجمال.
بهذا البيان يتبيّن أنّه لا منافاة بين الحكم الظاهري في محل الكلام وبين الحكم الواقعي المعلوم بالإجمال؛ إذ لا يصطدم هذان الحكمان في أي مرحلة من المراحل. يقول هذا القائل، بناءً على هذا لا يبقى إلاّ أن يدّعي السيد الخوئي(قدّس سرّه) القبح الذي إدّعاه؛ لأنّه ذكر(وهو قبيح) أنّ هذا القبح ليس موجوداً في نفس الترخيص؛ لأنّ الترخيص بالنحو المشروط في حدّ نفسه ليس قبيحاً؛ لأنّه لا يصطدم مع الحكم العقلي في أيّ مرحلةٍ من المراحل، وإنّما يكون هذا الترخيص قبيحاً بعد إطّلاع المكلّف عليه وعلمه به، بعد إطّلاع المكلّف على هذا الترخيص بهذا النحو في الطرفين بنحوٍ مشروط يصبح هذا الترخيص قبيحاً، وإلاّ هو الترخيص في حدّ نفسه ليس قبيحاً؛ لأنّه لا يصطدم مع الحكم العقلي المعلوم بالإجمال في أيّ مرحلة من المراحل، فإذن: لا يبقى إلاّ أن يُدّعى أنّ هذا الشيء الذي هو ليس قبيحاً في حدّ نفسه يصبح قبيحاً بعلم المكلّف به واطّلاعه عليه، إذا اطّلع المكلّف على هذا الترخيص يصبح الترخيص قبيحاً، وهذه الدعوى عهدتها على مدّعيها. ونتيجة هذا الكلام هو أنّ هذا الدليل الوجداني الذي ذكره(قدّس سرّه) لا يتم لإثبات المنافاة بين الترخيصين المشروطين في الطرفين مع الحكم الواقعي المعلوم بالإجمال.