35/03/20


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ البراءة/ تنبيهات البراءة/ التنبيه الرابع
كان الكلام في عبارة صاحب الكفاية(قدّس سرّه) في التنبيه الثالث من تنبيهات البراءة،[1] ذكر بأنّ النهي عن شيء إذا كان بمعنى طلب تركه في زمانٍ، أو مكانٍ، فهذا مجرىً للاشتغال. كان الكلام في هذه الفقرة من عبارته، وأنّها إذا فُسرّت بمطلوبية مجموع التروك بحيث يكون المطلوب مأخوذاً بنحو العموم المجموعي، أي أنّ مجموع التروك تكون هي المطلوبة كما فُسّر بهذا التفسير في بعض الكلمات، أنّ مقصود صاحب الكفاية(قدّس سرّه) من المورد الذي حكم فيه بجريان قاعدة الاشتغال هو أنْ يكون المطلوب في النهي هو مجموع التروك؛ وحينئذٍ يقول هذا يكون مورداً للاشتغال ولا تجري فيه البراءة.
قلنا أنّه قد يُلاحظ عليه ما تقدّم سابقاً من أنّه افترض بأنّه إذا كان بمعنى طلب مجموع التروك ويكون المطلوب مأخوذاً بنحو العام المجموعي، لنفترض أنّ التكليف واحد، وأنّ متعلّق التكليف واحد وهو مجموع التروك، وصحيح ما تقدّم من أنّه على تقدير أنْ يكون المشكوك مصداقاً للعنوان، فهذا لا يوجب زيادة في التكليف، كما أنّ عدم كونه مصداقاً للعنوان لا يوجب نقيصة في التكليف، التكليف واحد وموضوعه واحد وهو المجموع، هذا صحيح، وبالتالي ينتج أنّ الشكّ في مصداقية فردٍ للعنوان كونه من المجموع، أو لا، هذا لا يكون شكّاً في التكليف؛ لأننّا قلنا أنّ التكليف واضح ومعلوم بحدوده وقيوده، وكون هذا فرداً من العنوان لا يعني زيادة في التكليف حتّى يكون الشكّ فيه شكّاً في التكليف، فتجري البراءة، لكن هذا كلّه مبني على اختصاص مورد جريان البراءة بما إذا كان الشكّ في الموضوع مستلزماً للشكّ في نفس التكليف، أو في حدوده وقيوده، هذا الكلام قد يصح؛ لأنّه ليس لدينا شكّ في التكليف عندما نشكّ في أنّ هذا مصداق، أو لا، هذا مصداق للحرام بحيث أيضاً يكون تركه مطلوباً في ضمن طلب ترك الباقي، أو ليس مصداقاً للحرام ؟ هذا الشكّ في مصداقية هذا للحرام لا يوجب الشكّ في التكليف ولا في قيوده ولا في حدوده، وبالتالي لا يكون مورداً للبراءة إذا قلنا بأنّ مورد جريان البراءة هو الشكّ في التكليف، أو الشكّ في قيوده وحدوده، لكن قلنا سابقاً لا داعي لهذا التخصيص، حتّى لو فرضنا أنّ التكليف معلوم وواحد، وقيوده وحدوده كلّها واضحة ومعلومة، لكن قد يكون الشكّ في مصداقية فردٍ للحرام يكون شكّاً في دائرة التحريك المولوي، يكون شكّاً في سعة دائرة التحريك المولوي، أو ضيق دائرة التحريك المولوي، وليس شكاً في نفس التكليف، وبهذا يفترق هذا عن فرض ما إذا كان الحكم حكماً انحلالياً، إذا كان الحكم انحلالياً فالشكّ في فردٍ يعني الشكّ في التكليف؛ لأنّ الحكم انحلالي، هو حكم انحلالي يثبت لكل فردٍ تكليف خاصّ به وله إطاعة خاصّة وعصيان خاص، فالشكّ في أنّ هذا عالم، أو لا، هو شكّ في التكليف نفسه، هنا لا يوجد شكّ في التكليف، وافتراض أنّ هذا من أفراد الحرام ـــــــــ هو يتكلّم في شبهة النهي ـــــــــــ لا يعني الشكّ في التكليف، لكن لا داعي لهذا الالتزام؛ بل حتّى لو فرضنا أنّه ليس شكّاً في التكليف، بأنْ كان التكليف واحداً وليس انحلالياً، ويتعلّق بالمجموع، لكن لا إشكال في أنّ التكليف الذي يتعلّق بالمجموع يقتضي تحريك المكلّف نحو كل فردٍ من أفراد هذا المجموع، هذا في الوجوب. أمّا في النهي فيقتضي التحريك نحو كل فردٍ من أفراد الحرام بتكليف المكلّف بتركه، فهذا على تقدير أنْ يكون حراماً هناك تحريك نحوه بالترك، وكأنّه يُطلب من المكلّف تركه، وإنْ كان لا شكّ في التكليف، ولاشكّ في سعة التكليف وضيقه؛ لأنْ كون هذا من أفراد الحرام لا يعني سعة في التكليف، لكن دائرة محركيته التي تنتزع منه تختلف، مرّة تكون واسعة، إذا كان هذا الفرد المشكوك من أفراد الحرام، وأخرى تكون ضيقة إذا لم يكن هذا الفرد المشكوك من أفراد الحرام.
إذن: الشكّ في كون هذا من أفراد الحرام هو شكّ في وجود محرّكية مولوية تجاهه، هل هناك تحريك مولوي تجاهه، أو لا ؟ وبعبارة أخرى: أنّ الشكّ في التكليف المعلوم بحدوده وقيوده هل يقتضي التحريك نحو هذا الفرد، أو لا يقتضي التحريك نحو هذا الفرد ؟ الأفراد التي نعلم كونها مصداقاً للحرام، التكليف المعلوم يقتضي التحريك نحو تركه، الفرد الذي يُشكّ في كونه مصداقاً للحرام، نشكّ في أنّ التكليف المعلوم بحدوده وقيوده هل يقتضي التحريك نحوه، أو لا ؟ فالشكّ في التحريك، إنْ كان من أفراد الحرام فهو يقتضي التحريك نحوه، وإنْ لم يكن من أفراد الحرام، فهو لا يقتضي التحريك نحوه، لا يوجد فرق بينها وبين الشبهة الوجوبية، غاية الأمر أنّ التحريك هناك كان نحو الفعل، بينما التحريك هنا يكون نحو الترك، بعد هذا التعميم؛ حينئذٍ لابدّ من الالتزام بجريان البراءة.
لكن قد يُفسّر كلام الشيخ صاحب الكفاية(قدّس سرّه) بتفسيرٍ آخر، وهو أنْ يقال: أنّ مقصوده هو النهي عن صرف الوجود وليس النهي بمعنى طلب مجموع التروك، وإنّما هو النهي عن صرف وجود الطبيعة، بأنْ يُفسّر قوله بأنّ النهي عن شيء إنْ كان بمعنى طلب تركه في زمانٍ، أو مكانٍ يعني النهي عن صرف الوجود، ليس بمعنى مطلوبية مجموع التروك، وإنّما هو بمعنى النهي عن صرف وجود الطبيعة. إذا كان هذا هو المفروض بافتراض أنّ المفسدة التي هي تقتضي النهي تكون موجودة في صرف وجود الطبيعة، صرف وجود الطبيعة في الخارج فيه مفسدة، وهذا يُحتّم أنّ النهي يتحدّد بحدود ما فيه مفسدة وهو صرف وجود الطبيعة، ومن الواضح أنّ لازم امتثال هذا النهي لا يتحققّ ولا يكون إلاّ بترك جميع أفراد الطبيعة، ولا يكفي في امتثال هذا النهي أنْ يترك معظم أفراد الطبيعة ويأتي ولو بفردٍ واحد، فإذا جاء بفرد واحد فهذا يعني أنّه جاء بصرف الوجود، والمفروض أنّ صرف الوجود فيه مفسدة ومنهي عنه، فلابدّ لتحققّ الامتثال من ترك جميع الأفراد.
بناءً على تفسير كلام صاحب الكفاية(قدّس سرّه) بهذا التفسير حينئذٍ يقال بأنّ صاحب الكفاية(قدّس سرّه) يرى بأنّ هذا مورد للاشتغال، حينما نغيّر، بدلاً من أنْ نقول أنّ المطلوب هو مجموع التروك وبين أنْ نقول أنّ النهي عبارة عن طلب ترك صرف الوجود وليس طلب مجموع التروك، هنا يقول بالاشتغال، لماذا هنا يقول بالاشتغال ؟ يمكن أنْ يوجّه كلامه هنا باعتبار أنّ النهي متعلّق بصرف الوجود بحسب الفرض، هذا النهي المتعلّق بصرف الوجود معلوم بحدوده وقيوده ولا يُشك فيه، وإنّما يُشك في انطباق ذلك ـــــــــ صرف الوجود ــــــــــ على هذا الفرد، عندما نشكّ في كون شيءٍ مصداقاً للحرام المنهي عنه، أو عدم كونه مصداقاً له، عندما نهاه عن شرب السمّ ـــــــــ مثلاً ــــــــــ لا نعلم أنّ هذا مصداق لشرب السمّ، أو لا، على نحو صرف الوجود، يقول صاحب الكفاية(قدّس سرّه)[2] بأنّ هذا ليس شكّاً في التكليف؛ لأنّ افتراض أنّ هذا المشكوك مصداق للحرام لا يعني زيادة في التكليف، كما أنّ افتراض أنّه ليس مصداقاً للحرام لا يعني نقيصة في التكليف، التكليف متعلّق بصرف وجود هذه الطبيعة، هذا أمر معلوم وواضح بحدوده وقيوده ولاشكّ فيه، والشكّ في كون هذا سمّاً ليس شكّاً في التكليف، ولا في حدود التكليف ولا في قيوده، فلماذا يكون مورداً للبراءة ؟ وإنّما هو شك في انطباق عنوان صرف الوجود على هذا الفرد؛ لأنّ هذا إنْ كان من مصاديق الحرام، فيكون مشمولاً للنهي، يعني يُنهى عن صرف وجوده، يكون وجوده محققّاً لصرف الوجود المنهي عنه، وإن لم يكن مصداقاً للحرام؛ فحينئذٍ لا يكون الإتيان به محققّاً لعنوان صرف الوجود.
إذن: الشكّ ليس في التكليف، وإنّما الشكّ في انطباق عنوان صرف وجود الطبيعة المنهي عنه على شرب هذا الذي يُشكّ في كونه سمّاً أو ليس سمّاً، وفي تحقق صرف الوجود المنهي عنه عندما يشرب هذا الفرد المشكوك وعدم تحققّه، الشك في الانطباق وفي تحقق الامتثال، أو عدم تحققّه؛ لأنّه يُحتمل أنّه قد جاء بصرف وجود الطبيعة المنهي عنه، فإذن: هو شكّ في الامتثال، ومع الشكّ في الامتثال تجري قاعدة الاشتغال ولا مجال للبراءة. هذا الرأي يكون هو رأي صاحب الكفاية(قدّس سرّه) بناءً على حمل كلامه على ذلك.
لكن في المقابل قد يقال: حتّى إذا حملنا كلام صاحب الكفاية(قدّس سرّه) على ذلك، لا يكون هذا مورداً للاشتغال، وإنّما يكون مورداً للبراءة، باعتبار أنّ الشكّ في كون هذا الفرد مصداقاً للحرام، أو عدم كونه مصداقاً للحرام، هذا الشكّ يعني أنّ الشكّ في صدق صرف الوجود عليه، فيكون حراماً، وإنْ لم يكن مصداقاً، فلا يصدق عليه عنوان صرف الوجود، فلا يكون حراماً، فالشكّ فيه يعني الشكّ في حرمته، باعتبار أنّه عندما تشكّ في أنّ صرف الوجود المنهي عنه ينطبق عليه، فيكون حراماً ويُطلب تركه وبين أنْ لا يكون مصداقاً، فلا يكون حراماً. إذن: الشكّ في كونه مصداقا أو عدم كونه مصداقاً يعني الشكّ في كونه حراماً وعدم كونه حراماً، وهذا شكّ في التكليف، فتجري فيه البراءة.
أقول: أنّ هذا الأخير هو الصحيح، لكن ليس بالتقريب الأخير الذي ذكر، وهو كونه مجرى للبراءة في هذا المورد، يعني بعنوان النهي عن صرف وجود الطبيعة، هذا يكون مجرىً للبراءة، الظاهر هو ذلك، لكن بالبيان الذي تقدّم، وكان حاصله: أنّه لا موجب ولا ملزم لتخصيص مورد جريان البراءة بما إذا كان الشكّ في نفس التكليف، أو في سعة نفس التكليف وضيقه، لا موجب للالتزام بذلك؛ بل حتّى إذا فرضنا أنّه لاشكّ في نفس التكليف، ولاشكّ في سعة التكليف ولا في ضيقه عندما نشكّ بنحو الشبهة الموضوعية؛ لأنّ الشكّ في هذا الموضوع وكونه مصداقاً للحرام لا يعني الشكّ في سعة التكليف وضيقه؛ لما قلناه سابقاً من أنّ كون هذا مصداقاً للحرام واقعاً لا يعني سعة التكليف، كما أنّ عدم كونه مصداقاً للحرام واقعاً لا يعني ضيقاً في التكليف، ليس هناك شكّ في التكليف ولا في سعة التكليف وضيقه، ولا داعي لتخصيص مجرى البراءة بذلك؛ بل يمكن تعميمه لما إذا كان الشكّ في سعة دائرة المحركية التي يقتضيها التكليف وضيق المحركية، وإنْ كان التكليف واحداً ولاشكّ فيه ولا في حدوده وقيوده، لكن عندما يكون الشكّ في سعة المحركية التي يقتضيها نفس التكليف هذا أيضاً يكون مجرىً للبراءة؛ إذ لا فرق في جريان البراءة بين أنْ يكون نفس التكليف محتمل، أو تكون دائرة المحركية بالنسبة إلى هذا الفرد المشكوك محتملة، كل منهما يسبب الضيق على المكلّف، فاحتمال التكليف يعني احتمال الضيق وعدم التوسعة على المكلف، احتمال شمول المحرّكية لهذا الفرد وإنْ كان التكليف واحداً وغير متعددّ أيضاً يوجب الضيق على المكلّف، فالبراءة تجري لنفي ذلك، بناءً على هذا؛ فحينئذٍ لابدّ من الالتزام بالبراءة في المقام عندما يكون النهي نهياً عن صرف وجود الطبيعة، باعتبار أنّه سلّمنا أنّ التكليف واحد ومتعلّق التكليف واحد وهو صرف وجود الطبيعة، وهذا أمر معلوم ولاشكّ فيه، لكن هذا التكليف المتعلّق بصرف وجود الطبيعة بطبعه يقتضي أنْ يُحرّك نحو كل فردٍ من أفراد الطبيعة بأنْ يطلب تركها، فهو يطلب ترك هذا الفرد، ويحرّك نحو تركه، ونحو هذا الفرد يحرك نحو تركه.....وهكذا. إذن: التحريك موجود بالنسبة إلى كلّ أفراد الطبيعة، فما يعلم من كونه مصداقاً للطبيعة، لا إشكال في أنّ ذاك التكليف الواحد الذي لاشكّ فيه يُحرّك نحوه ويطلب تركه؛ لأنّ امتثال ذلك التكليف لا يكون إلاّ بترك جميع أفراد الطبيعة، فيطلب من المكلّف ترك هذا الفرد؛ لأنّ هذا الفرد يحقق صرف الوجود، والمفروض أنّ صرف الوجود فيه مفسدة وهو مورد للنهي، هذا الفرد أيضاً يحقق صرف الوجود، فإذن: ذاك التكليف يطلب منك ويحركك نحو تركه، فإذا شُكّ في فردٍ أنّه مصداق للحرام، أو لا، معناه أنّ هناك شكّاً في التحريك المولوي بالنسبة إليه، هل هناك تحريك يقتضيه التكليف بالنسبة إليه، أو ليس هناك تحريك. إنْ كان فرد مصداقاً للحرام واقعاً هناك تحريك نحو تركه، وإنْ لم يكن مصداقاً للحرام لا يوجد تحريك نحو تركه. فإذن: الشكّ في التحريك نحوه، هل هناك تحريك نحوه، ودفعٌ باتجاهه وتحميل مسئوليةٍ بلحاظه، أو لا ؟ وهذه كلّها عناوين تكون مورداً لجريان البراءة. فالظاهر أنّه في هكذا حالة لا يبعُد جريان البراءة في المقام ولا يكون مورداً للاشتغال. طبعاً هذا على العكس تماماً ممّا إذا فرضنا أنّ الحكم كان إيجاباً وليس نهياً، الكلام مع صاحب الكفاية(قدّس سرّه) قلنا أنّه طبّق كلامه على باب النواهي، في باب النواهي لا يبعُد جريان البراءة، سواء فسّرنا كلامه في الفقرة الأولى بأنّ النهي عبارة عن طلب مجموع التروك، أو فسّرنا كلامه بأنّه عبارة عن طلب ترك صرف وجود الطبيعة، وكأنّ النهي يتعلّق بصرف وجود الطبيعة، على كلا التقديرين في الشبهة الموضوعية تجري البراءة، لكن عندما نقلب القضية ونفترض أنّ الحكم ليس تحريماً، وإنّما الحكم هو وجوب متعلّق بصرف وجود الطبيعة، يعني يُطلب من المكلّف تحقيق صرف وجود الطبيعة، ومن الواضح أنّ صرف وجود الطبيعة يتحققّ بالإتيان بكل فردٍ من أفرادها، هنا حينئذٍ لا مجال لجريان الطبيعة؛ بل يكون المورد من موارد الاشتغال، باعتبار أنّ المكلّف كُلّف بتحقيق الطبيعة، يُطلب منه تحقيق صرف وجود الطبيعة في الخارج، الأفراد التي يعلم بكونها مصداقاً للطبيعة لا إشكال في تحقق الامتثال بالإتيان بها، لكن عندما نأتي إلى أفرادٍ مشكوكة، يُشكّ في كونها مصداقاً للطبيعة، هل يمكن للمكلّف أنْ يقتصر على الاتيان بها لكي يتحقق الامتثال، أو لا ؟ البراءة تعني أنّه يمكنه أنْ يقتصر على هذا الفرد المشكوك، أمّا الاشتغال فيعني أنّه لا يمكنه أنْ يقتصر على هذا الفرد المشكوك، هنا يجري الاشتغال؛ لأنّ الشكّ ليس شكّاً في التكليف، ولا في قيوده، ولا في دائرة المحركية، وإنّما الشكّ في الامتثال، انّه لو اقتصر على الإتيان بهذا الفرد الذي يشك في كونه مصداقاً للطبيعة التي أُمر بتحقيقها في الخارج، يشكّ في كونه امتثالاً لذلك الأمر؛ لاحتمال أنْ لا يكون هذا الشخص مصداقاً للطبيعة المأمور بها، فكيف يمكنه الاقتصار على هذا الامتثال المشكوك، وعلى هذا الفرد الذي يُشكّ في تحقق الامتثال به. إذن: هو شكّ في الامتثال، ومع الشكّ في الامتثال لابدّ من الاشتغال.
ومن هنا يظهر أنّه يمكن أنْ يقال: أنّ الميزان في جريان البراءة هو الشكّ في نفس التكليف، يعني في مورد كلامنا هو أنْ نقول: أنّ الميزان في جريان البراءة في الشبهات الموضوعية هو أنْ يكون الشكّ في الموضوع بنحو الشبهة الموضوعية مستلزماً للشكّ في نفس التكليف، أو مستلزماً للشكّ في سعة التكليف وضيقه، أو مستلزماً لسعة دائرة المحركية التي يقتضيها نفس التكليف وضيق هذه الدائرة، في كلّ هذه الموارد تجري البراءة، وفي ما عداها لا تجري البراءة. يبدو أنّ هذا هو الميزان الصحيح لجريان البراءة، غاية الأمر أنّه يحتاج إلى تنقيح وتوضيح، وتنقيحه يكون بتطبيقه، وبذكر بعض التطبيقات لهذا الميزان، فلابدّ من ذكرها؛ لأنّها محل كلام كما تبيّن أنّه في موردٍ واحد هناك فرق بين الشبهة الوجوبية وبين الشبهة التحريمية، في نفس المورد، مورد تعلّق التكليف ــــــــــ فرضاً ــــــــــ بالطبيعة على نحو صرف الوجود، هنا الحكم إذا كان وجوبياً، فالمورد يكون من موارد الاشتغال، بينما إذا كان تحريمياً يكون من موارد البراءة. من هنا لابدّ من ذكر تطبيقات، وهذه التطبيقات بأنْ تُذكر أنحاء متعددّة لكيفية تعلّق الحكم بالطبيعة ويُطبّق الميزان السابق على كل نحوٍ من هذه الأنحاء، الطبيعة عندما يتعلّق بها الحكم يمكن تصوّرها على أنحاء عديدة:
النحو الأوّل: أنْ نفترض أنّ الحكم يتعلّق بالطبيعة على نحو صرف الوجود، بأنْ يكون متعلّق الحكم هو صرف وجود الطبيعة، وقد ذكرناه سابقاً.
النحو الثاني: أنْ يكون متعلّق الحكم هو مطلق وجود الطبيعة، بحيث يكون مطلق وجود الطبيعة الذي يُسمّى بالعام الشمولي الاستغراقي يكون هو متعلّق للحكم.
النحو الثالث: أنْ يكون متعلّق الحكم هو مجموع أفراد الطبيعة على نحو العام المجموعي.
النحو الرابع: أنْ نفترض أنّ الحكم يتعلّق بالمسببّ الذي ينشأ من مجموع أفراد الطبيعة، أو من فردٍ واحدٍ من أفراد الطبيعة، لكن الحكم لا يتعلّق بنفس الطبيعة المأخوذة بمجموع الأفراد، أو صرف الوجود، وإنّما يتعلّق بالنتيجة التي تحصل من مجموع الأفراد، أو من بعض أفراد الطبيعة، أي الحكم يتعلّق بالمسببّ الحاصل من مجموع الأفراد، أو الحاصل من بعض الأفراد، يعني من فردٍ واحدٍ من الطبيعة. هذه الأنحاء لابدّ من تطبيق الكلام السابق عليها.