35/02/06


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ البراءة/ تنبيهات البراءة/ قاعدة التسامح في أدلّة السنن
كان الكلام في الاعتراض الأوّل على الاستدلال على الاحتمال الثاني، والاعتراض كان يقول أنّ الأخبار مطلقة ومقيّدة، فلنحمل المطلق على المقيّد، وبالتالي إذا حملنا المطلق على المقيّد تكون جميع الأخبار مقيّدة برجاء الثواب، أي أنّ العمل الذي ترتّب عليه الثواب ليس هو ذات العمل، وإنّما العمل المأتي به برجاء الثواب، فلا يمكن استكشاف استحباب ذات الفعل بقاعدة الملازمة، وإنما على تقدير ثبوت الملازمة يُستكشف استحباب الانقياد لا استحباب ذات الفعل.
ذكرنا أنّ حمل المطلق على المقيّد له موازين، ويثبت في موارد، وله ملاكات:
الملاك الأوّل: هو وحدة الحكم فيما إذا كانا مثبتين كما في محل الكلام، فعندما نفترض أنّ الحكم واحد في المطلقات وفي المقيّدات؛ حينئذٍ يقع التعارض بينهما بنكتة أنّ الحكم الواحد له موضوع واحد، والموضوع الواحد إمّا أنْ يكون مطلقاً، أو يكون مقيّداً، فيقع التعارض بين الدليلين، وهذا لا يُفرّق فيه بين أنْ نقول بالمفهوم، أو لا نقول بالمفهوم.
أمّا التعارض على تقدير القول بالمفهوم، فواضح، وأمّا إذا لم نقل بالمفهوم، فالتعارض يكون من جهة أنّه حكم واحد لابدّ أنْ يكون له موضوع واحد، بينما المقيدات هي بالمنطوق تدل على أنّ موضوع ذلك الحكم هو المقيّد، بينما المطلقات تدل على أنّ موضوع ذلك الحكم هو المطلق، وهذا هو الذي يوجب التعارض حتّى إذا لم نقل بالمفهوم، وأهملنا جانب المفهوم أصلاً، يقع التعارض بينهما بالمنطوق؛ لأنّ هذا يدل على أنّ موضوع الحكم هو المطلق والطبيعة، بينما هذا يدل على أنّ موضوع الحكم هو المقيّد، أي أنّ موضوع الحكم هو الفعل المأتي به برجاء الثواب والمطلوبية، هذا هو موضوع الحكم والذي يترتّب عليه الثواب، بينما تلك تقول أنّ الثواب يترتب على ذات الفعل، سواء جيء به بهذا الرجاء والقصد، أو جيء به لا بهذا القصد، هذا يوجب التكاذب بينهما والتعارض، ومن هنا تكون وحدة الحكم ملاكاَ للتعارض.
نعم، إذا افترضنا تعدد الحكم، أو يكفينا عدم إحراز وحدة الحكم، وليس بالضرورة أنْ نحرز تعدد الحكم، وإنّما إذا لم نحرز وحدة الحكم؛ حينئذٍ في هذه الحالة لا يوجد تعارض بين الدليلين، عدم التعارض بينهما في حال تعدّد الحكم مبني على أنْ لا يكون للمقيّدات مفهوم أصلاً، كما إذا كان المقيِّد وارداً بعنوان الجملة الوصفية، وقلنا بأنّ التقييد بالوصف لا يدل على المفهوم أساساً، في هذه الحالة لا تعارض بين الدليلين، حكمان متعددان ــــــ بحسب الفرض ـــــــ موضوع أحدهما هو المطلق، وموضوع الآخر هو المقيّد، والمفروض أنّ المقيّد لا ينفي طبيعي الحكم عن المورد الفاقد للقيد لا مطلقاً، ولا في الجملة، الذي هو المفهوم بنحو السالبة الجزئية، لا ينفيه أصلاً، فلا تعارض بينهما إذا لم نقل بالمفهوم أصلاً. هذا هو الملاك الأوّل.
الملاك الثاني: أنْ يُدّعى وجود مفهوم للمقيّد، أي أنْ يكون للمقيّد مفهوم، ولو كان بنحو السالبة الجزئية حتّى إذا فرضنا تعددّ الحكم، ولكي يكون ملاكاً مستقلاً في قبال الملاك الأوّل نفترض أنّ الحكم متعدّد، لكن لمّا كان المقيّد له مفهوم، ولو كان بنحو السالبة الجزئية؛ فحينئذٍ يقع التعارض بينهما، ويكون هذا موجباً لحمل المطلق على المقيد؛ لأنّ المقيّد ينفي طبيعي الحكم عن المورد الفاقد للقيد، إمّا ينفيه مطلقاً، أو بنحو السالبة الجزئية، وفي الجملة، وعلى كلا التقديرين يكون منافياً للمطلقات التي تثبت الحكم في جميع أفراد ذلك المطلق، تثبته مطلقاً، بينما هذه تنفي الحكم عن بعض أفراد ذلك المطلق وهي عبارة عن الأفراد الفائدة للقيد، تنفي الحكم، ولو في الجملة وبلحاظ بعض الموارد، وهذا خلاف المطلق الذي يثبت الحكم لجميع أفراد المطلق، فيقع التعارض بينهما؛ وحينئذٍ يكون هذا ملاكاً لحمل المطلق على المقيّد. هذا الملاك نفترضه حتّى إذا قلنا بتعدّد الحكم، هذا يكون ملاكاً مستقلاً للتعارض والتنافي، وبالتالي حمل المطلق على المقيّد إذا قلنا بالمفهوم ولو بنحو السالبة الجزئية، لِما قلناه من وجود تنافٍ بين المطلق وبين المقيّد، فالمطلق يثبت طبيعي الحكم بلحاظ كلّ الأفراد، بينما المقيّد ينفي ثبوت طبيعي الحكم بلحاظ بعض أفراد المطلق، فيتنافيان.
الملاك الثالث: أنْ يُدّعى أنّ اجتماع حكمين متماثلين على موضوعين بينهما نسبة العموم والخصوص المطلق محال، كاستحالة اجتماع حكمين متماثلين على موضوع واحد، يُدّعى بأنْ لا فرق بين اجتماع حكمين متماثلين على موضوع واحد، وبين اجتماع الحكمين المتماثلين على موضوعين بينهما عموم وخصوص مطلق، بأنْ يكون أحد الحكمين ثابتاً للمطلق، والآخر ثابت للمقيّد، هذا أيضاً يُدّعى استحالته، فإذا كان مستحيلاً؛ فحينئذٍ يتكاذب الدليلان؛ لاستحالة أنْ يكون هناك حكمان أحدهما ثابت للمطلق، والآخر ثابت للمقيّد، حتّى لو كان الحكم متعدّداً، وحتّى لو قلنا بالمفهوم، أو أنكرنا المفهوم، اصلاً يستحيل أنْ يكون هناك حكمان متماثلان يثبتان لموضوعين بينهما عموم وخصوص مطلق، هذا ملاك خاص للتعارض والتنافي ولزوم حمل المطلق على المقيّد حتّى ترتفع هذه الاستحالة، ويرتفع هذا التنافي. هذا الملاك الثالث لحمل المطلق على المقيّد.
وأمّا إذا انتفت هذه الملاكات، كما إذا فرضنا أنّ الحكم متعدّد، وفرضنا عدم المفهوم رأساً، أصلاً لا مفهوم للمقيّد، وقلنا بعدم استحالة اجتماع حكمين على موضوعين بينهما عموم وخصوص مطلق، في هذه الحالة لا تعارض ولا موجب لحمل المطلق على المقيّد؛ بل يبقى المطلق على إطلاقه، والمقيد كذلك، ونأخذ بكلا الدليلين ونلتزم بهما؛ حينئذٍ يقع الكلام في أنّ هذه الملاكات التي تقتضي حمل المطلق على المقيّد، كما قيل في الاعتراض، هل هي موجودة في محل الكلام ؟
أمّا الملاك الأوّل: في الدرس السابق أشرنا إلى أنّه قد يُدّعى تحققّ هذا الملاك في المقام، وهو وحدة الحكم، المستظهر من مجموع الأخبار، باعتبار ورودها بلسان واحد وبطرزٍ واحدٍ من البيان مع ذكر البلوغ فيها، حيث ورد فيها كلّها(من بلغه)، و(كان له ذلك الثواب الذي بلغه) يعني تحديد الثواب الذي يُعطى لهذا العامل كمّاً وكيفاً بأنّه مساوٍ للثواب الذي بلغه. هذه كلّها يمكن أنْ تعتبر قرائن على وحدة الحكم في هذه الروايات، تعددّ الحكم في الروايات معناه أنّ الروايات المطلقة تقتضي ثبوت استحباب نفسي للفعل بعنوان(البلوغ) فتكون ناظرة إلى الاستحباب النفسي للفعل بعنوان(البلوغ)، فهي ناظرة إلى إثبات الاستحباب، الروايات المقيّدة ــــــ التي أسميناها المقيّدات ــــــ التي فيها التماس ذلك الثواب، أو طلب قول النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) التي تُصرّح بالقيد، أنّ الثواب لا يُعطى لذات العمل، وإنّما يُعطى للمأتي به برجاء الثواب، تعددّ الحكم يعني أنّ المقيّدات تكون ناظرة إلى حكم إرشادي، وبعبارة أخرى: مفادها الإرشاد؛ لأنّ الإتيان بالعمل برجاء الثواب هو انقياد، واحتياط، فحينئذٍ يكون مفاد الرواية هو الإرشاد إلى حكم العقل، فتُحمل المطلقات على أنّها في مقام بيان حكم مولوي استحبابي، بينما تُحمَل المقيّدات على أنّها إرشاد إلى استحقاق هذا الفاعل للثواب، هذا معنى تعدّد الحكم. نقول: أنّ هذه القرائن التي ذكرناها هي قرائن على وحدة الحكم، أنّ الحكم في كلّ الروايات واحد وليس متعدّداً؛ لهذه القرائن، أسلوب البيان، ولسان الروايات كلّها لسان واحد، وذِكر البلوغ، مع أنّ دخالة البلوغ في الحكم العقلي ليست واضحةً، والإرشاد إلى الحكم العقلي، الحكم العقلي ثابت ولو من دون بلوغ، مجرّد احتمال الشيء يكفي لإثبات حسن الانقياد، من يأتي بالفعل لاحتمال الثواب، ولو لم يبلغه الثواب أصلاً، لكن إذا احتمل الثواب، يعني احتمل أنّ الشارع يريد هذا فجاء به لاحتمال أنّ الشارع يريده، هذا انقياد، واحتياط، ليس مقيّداً بالبلوغ، كما أنّ مسألة تحديد كميّة الثواب ونوعيته أيضاً لا مجال له في الحكم العقلي. إذن: لابدّ أنْ يكون الحكم في كل هذه الروايات حكماً واحداً، وهذا يؤيّد حمل المطلق على المقيّد، يعني يؤيّد وحدة الحكم في كلّ الروايات، وهذا يتناسب مع هذه القرائن، يتناسب مع البلوغ المذكور في كلّ الروايات، ومع تحديد كمية ونوعية الأجر المذكور في كل الروايات أيضاً، المناسب لهذا الحكم الواحد ليس هو الاستحباب النفسي، المناسب له هو ترتّب الثواب على الفعل الذي يأتي به برجاء الثواب، هذا حكم واحد، فلا تعدد في الحكم، لهذه القرائن، وإلاّ لا وجه لذكر البلوغ في الروايات المقيّدات، لو كان الحكم متعدداً، كما لا وجه لذكر اشتراط الأجر في الروايات المطلقات. هذه مجموعة من القرائن قد يُستكشف منها أنّ الحكم واحد، فإذا كان الحكم واحداً، يقع التعارض؛ وحينئذٍ لابدّ من حمل المطلق على المقيّد.
أقول: قد يُدّعى، وهذا يتبع ما يفهمه الإنسان من هذه الروايات عندما يتأمل فيها قد يحصل له نوع من الاطمئنان بوحدة الحكم، فيتحققّ الملاك الأوّل لحمل المطلق على المقيّد. أمّا إذا لم يحصل اطمئنان ولا جزم بوحدة الحكم؛ فحينئذٍ يرتفع هذا الملاك، لو بقينا نحن وهذا؛ حينئذٍ نقول لا وجه لحمل المطلق على المقيّد؛ لأنّ حمل المطلق على المقيّد مبني على افتراض وحدة الحكم، على افتراض إحراز هذا الملاك، فإنْ لم نحرز وحدة الحكم، حتّى إذا احتملناها، هذا لا يكفي لحمل المطلق على المقيّد.
أمّا بالنسبة للملاك الثاني: فغاية ما يمكن أنْ يُدّعى في المقام لتطبيق الملاك الثاني على محل الكلام هو أنْ يقال: أنّ المستفاد من الجملة المتكرّرة في كل الروايات(من بلغه ثواب على عمل) أنّ(مَنْ) شرطية، كأنّه قال(إنْ بلغه ثواب على عمل)؛ فحينئذٍ تدلّ الجملة على انتفاء الثواب بانتفاء هذا الشرط كما هو الحال في الجملة الشرطية، فتكون دالّة على المفهوم، وقلنا أنّ الملاك الثاني إذا كان المقيّد دالاً على المفهوم؛ حينئذٍ يقع التعارض؛ وحينئذٍ يحمل المطلق على المقيّد، فيقال أنّ(مَنْ) شرطية، ومقتضى كونها شرطية أنّ الثواب ينتفي بانتفاء الشرط، والشرط الذي دخلت عليه أداة الشرط ــــــ بحسب الفرض ــــــ هو البلوغ، فترتّب الثواب ينتفي إذا انتفى البلوغ وملحقاته المذكورة في الجملة؛ لأنّ الشرط ليس هو البلوغ وحده، وإنّما(من بلغه ثواب على عمل، فعمله رجاء ذلك الثواب) وجواب الشرط هو(كان له ذلك)، فإذا انتفى الشرط، ولو بانتفاء واحدٍ من ملحقاته ينتفي الثواب. وانتفاء الشرط تارة ينتفي أصل البلوغ، أي لا يبلغه, وتارةً يبلغه، ولكنّه لا يعمل به، وتارة أخرى يبلغه، ويعمل به، لكنّه ليس برجاء ذلك الثواب. هنا أيضاً مقتضى الشرطية انتفاء الثواب، فالجزاء ينتفي بانتفاء الشرط، ولو بانتقاء بعض ملحقاته، وما عُطف عليه في نفس الجملة، ومن جملة هذه الموارد هو محل كلامنا، أنّه إذا جاء بالفعل بعدما بلغه ثواب عليه لا برجاء الثواب، مقتضى الشرطية أنّ هذا لا يترتّب عليه الثواب، وهذا معناه أنّه سوف يثبت مفهوم للمقيِّدات؛ لأنّها هي التي فيها(فعمله رجاء ذلك الثواب) فحينئذٍ هي تنفي ترتّب الثواب على ذات العمل المأتي به بعد البلوغ لا برجاء الثواب، بينما المطلقات تثبت الثواب على ذات العمل، وإنْ جاء به لا برجاء الثواب، فيتحقق التعارض بينهما، فيُحمل المطلق على المقيّد. هذا غاية ما يمكن أنْ يقال، أنْ نلتفت إلى المقيّدات، و(مَنْ) شرطية، صحيح هي شرطية في كل الروايات، لكن تلك ليس فيها محل كلامنا، ليس فيها رجاء الثواب، المقيّدات فيها رجاء الثواب، فإذا انتفى الشرط، ولو بانتفاء واحد من ملحقاته والتي منها رجاء الثواب؛ فحينئذٍ تدلّ الشرطية على انتفاء ترتّب الثواب على ذات العمل، بينما مقتضى المطلقات هو ترتّب الثواب على ذات العمل، وإنْ جاء به لا برجاء الثواب، فيقع التعارض بينهما، فيكون لهذه الجملة مفهوم، ويتحقق الملاك الثاني للتعارض والتكاذب وحمل المطلق على المقيّد. هذا غاية ما يمكن أنْ يقال.
لكن هذا كما ترى، فأنّ(من) في المقام موصولة وليست شرطية، كما هو في الاستعمالات الأخرى، و(من بلغه) يعني الذي بلغه ثواب على عمل، ولعلّه يؤيّد أنها موصولة هو وجود الضمير في(بلغه)، فأنّه إذا كانت(من) شرطية فعلى ماذا يعود الضمير ؟ ليس هناك شيء يعود عليه الضمير، فالجملة ابتدائية، بينما (من بلغه) يعود على أسم الموصول، بقطع النظر عن ذلك، واضح أنّ(من) في المقام موصولة وليست شرطية.
وأمّا الملاك الثالث: فهناك كلام في أصل الكبرى، وهناك من المحققين من ذهب إلى استحالة اجتماع حكمين متماثلين على موضوعين بينهما عموم وخصوص مطلق، بقطع النظر عن الكبرى، نفترض تمامية هذه الكبرى، لكنّ الظاهر أنّها لا تنطبق في محل الكلام لإثبات لزوم حمل المطلق على المقيّد، والسرّ في ذلك هو أنّه في المقام لا يوجد عندنا حكمان متماثلان يجتمعان على موضوعين بينهما عموم وخصوص مطلق، من الواضح أنّ المقيّدات لا تريد إثبات نفس الحكم الثابت في المطلقات مع فرض التعدّد، حتّى نقول اجتمع حكمان متماثلان على الفعل مطلقاً، وعلى الفعل المأتي به برجاء الثواب، وهذان بينهما عموم وخصوص مطلق، لا تريد إثبات مثل الحكم، وإنّما هي ناظرة إلى الإرشاد، المقيِّدات لا تريد أنْ تثبت نفس الاستحباب الثابت في المطلقات بعد فرض تعدّد الحكم كما هو المفروض، فالحكمان في المقام، بناءً على التعدّد ليسا متماثلين، وإنّما المقيّدات هي مجرّد إرشاد إلى الحكم العقلي، وهذا ليس مثل الاستحباب الثابت بالمطلقات حتّى يقال بلزوم اجتماع حكمين متماثلين على موضوع واحد، وهذا محال، فلابدّ من حمل المطلق على المقيّد دفعاً لهذا المحال. انطباق هذه الكبرى في محل الكلام غير تام، وعليه: فالملاك الثالث غير منطبق في محل الكلام، والملاك الثاني أيضاً غير منطبق؛ لأنّ الجملة محل الكلام ليس لها مفهوم، فيبقى الملاك الأوّل، والملاك الأوّل تختلف فيه الأنظار، ومن هذه القرائن يمكن أنْ يجزم الإنسان، أو يطمأن على الأقل، أو يستظهر استظهاراً معتدّاً به مشمولاً لأدلّة حجّية الظهور ـــــ مثلاً ـــــ بأنّ الحكم في جميع الروايات واحد وليس متعدداً. هذا ما يرتبط بالاعتراض الأوّل.
الاعتراض الثاني: وهو اعتراض مهم، والأصل فيه هو الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) في الرسائل،[1] ولعلّه في غير الرسائل أيضاً، حيث لديه رسالة خاصّة في قاعدة التسامح في أدلّة السنن. في الرسائل واضح أنّ الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) بعد أنْ قرّب الاستدلال بالروايات على الاحتمال الثاني، يعني الاستحباب النفسي للفعل بعنوان البلوغ، أورد على هذا الاستدلال إيرادات، وقد دفع هذه الإيرادات ما عدا الإيراد الأوّل، وقال أنّ الإنصاف أنّه وارد، والإيراد الأوّل هو عبارة عن الاعتراض الثاني الذي نريد أنْ نذكره، وحاصله: أنّ الروايات كلّها مقيّدة برجاء المطلوبيّة والثواب، وحتّى التي سمّاها مطلقات هي في الحقيقة ليست مطلقات، وإنّما هي أيضاً مقيّدة برجاء المطلوبية ورجاء الثواب، والمقيّدات هي أيضاً مقيدة، فمجموع الروايات هي مقيّدة وليس فيها مطلقات حتّى يقال بوجود مطلقات وترتّب الثواب على ذات الفعل، وبالملازمة نستكشف استحباب ذات الفعل كما هو المطلوب؛ بل كلّها مقيّدة وليس فيها مطلقات، غاية الأمر أنّ الدليل على التقييد في الروايات التي فيها التماس ذلك الثواب، ورجاء ذلك الثواب، والتماس قول النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، هذه تدل على التقييد، بينما في المطلقات نستفيده من فاء التفريع في قوله(فعمله)، يُستفاد من فاء التفريع أنّ(عمله) يعني برجاء الثواب، فتكون كل الروايات ناظرة إلى الانقياد والاحتياط، فليس فيها دلالة على استحباب ذات العمل حتّى إذا آمنّا بالملازمة. هذه فكرة الاعتراض ويأتي الحديث عنه إنْ شاء الله تعالى. وصلّى الله على محمدٍ وآله الطاهرين.