34/12/03


تحمیل
 الموضوع: الأصول العملية/ الاحتياط/ الاحتياط الشرعي
 كان الكلام في الطائفة الثانية التي استُدلّ بها على وجوب الاحتياط في محل الكلام، قلنا أنّ عمدة أخبار هذه الطائفة روايتين معتبرتين سنداً، الرواية الأولى هي صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج التي قرأناها في الدرس السابق، وبيّنّا كيفيّة الاستدلال بها على وجوب الاحتياط في المقام.
 لوحظ على الاستدلال بهذه الرواية: بأنّ الإشارة في قول الإمام(عليه السلام):(إذا أصبتم بمثل هذا) هي لا تخرج عن أحد احتمالين:
 الاحتمال الأوّل: أنْ يرجع ذلك إلى واقعة الصيد كما هو مبنى تقريب الاستدلال بهذه الرواية على وجوب الاحتياط.
 الاحتمال الثاني: أنْ تكون الإشارة راجعة إلى السؤال الأخير للسائل، بمعنى أنّه قال للإمام(عليه السلام):(أنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك، فلم أدري ما عليه)، فأجابه الإمام(عليه السلام):( إذا أصبتم بمثل هذا، فلم تدروا، فعليكم بالاحتياط حتّى تسألوا عنه وتعلموا)، يعني إذا سُئلتم عن حكم مسألةٍ، ولم تعرفوا ما هو حكم تلك المسألة، فعليكم بالاحتياط.
 فالاحتمال الأوّل يقول: إذا اصبتم بواقعة الصيد، يعني بالشبهة الحكميّة، إذا عرضت عليكم شبهة حكميّة يجب عليكم الاحتياط. بينما الاحتمال الثاني يقول: إذا سُئلتم عن حكم مسألةٍ ولم تعرفوا ما هو الحكم، فعليكم بالاحتياط. الاعتراض يريد أنْ يقول على كلا التقديرين لا يصحّ الاستدلال بالرواية في محل الكلام.
 أمّا بالنسبة للاحتمال الأوّل، وهو أنْ تعود الإشارة في الرواية إلى واقعة الصيد كما ذُكر في تقريب الاستدلال، يقول المعترض بأنّ غاية ما تدلّ عليه الرواية هو وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة قبل الفحص والسؤال مع افتراض إمكانهما، وأمّا وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة بعد الفحص والسؤال وعدم العثور على حكم المسألة، فالرواية لا تدلّ عليه، والقرينة على هذا التقييد هو نفس قول الإمام(عليه السلام) في الرواية:(عليكم بالاحتياط حتّى تسألوا عنه فتعلموا)، فالمفروض في الرواية عدم الفحص، والسؤال في الشبهة الحكميّة ماذا نعمل هو قبل الفحص؛ ولذا قال الإمام(عليه السلام) احتاط إلى أنْ تفحص وتعلم حكم المسألة، فالرواية تدلّ على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة، لكن قبل الفحص والسؤال مع التمكّن منهما، وأين هذا من محل الكلام ؟! الذي هو عبارة عن الموقف في الشبهة الحكميّة بعد الفحص واليأس عن العثور على ما يدلّ على حكم تلك المسألة، هذه الرواية لا تدلّ على وجوب الاحتياط في هذه الحالة، وإنّما تكون دالّة على وجوب الاحتياط قبل الفحص والسؤال، وهذا أمر مسلّم، يسلّمه الجميع، وحتّى الأصوليين يسلّمون وجوب الاحتياط قبل الفحص، وإنّما الكلام فيما بعد الفحص وعدم العثور على شيء، الرواية ليس فيها دلالة على هذا؛ لأنّها تقول يجب عليكم الاحتياط حتّى تسألوا وتعلموا، وفي محل الكلام افترضنا أنّ السائل فحص وسأل ولم يصل إلى شيء، فإيجاب الاحتياط قبل الفحص والسؤال لا يعني إيجاب الاحتياط بعد الفحص والسؤال وعدم العثور على دليل.
 وأمّا إذا أُريد بالإشارة الاحتمال الثاني بأنْ تكون راجعة إلى السؤال الأخير الذي سأله السائل(أنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك، فلم أدري ما عليه)، وعلى هذا يقول الاعتراض يكون مفاد الرواية هو الاحتياط في الفتوى؛ لأنّ الإمام(عليه السلام) أمره بالاحتياط في الفتوى، حيث قال: (إذا أصبتم بمثل هذا، فلم تدروا، فعليكم بالاحتياط حتّى تسألوا عنه وتعلموا) بمعنى أنّه في حالة عدم العلم إذا سُئلت عن حكم مسألةٍ ولم تعلم ما هو حكمها فعليك بالاحتياط في الفتوى، بمعنى أنّه لا يجوز لك أنْ تُفتي من دون علمٍ، ومن دون مستندٍ، فتكون ظاهرة في حرمة الفتوى من دون علمٍ؛ وحينئذٍ تكون أجنبيّة عن محل الكلام، باعتبار أنّ هذه الرواية دالّة على حرمة الفتوى من دون علمٍ، وهذا أمر مسلّم عند الطرفين، فكل من الأخباريين، والأصوليين يؤمنون بحرمة الفتوى من دون علمٍ، الرواية تقول يحرم الفتوى من دون علمٍ، وقوله (عليه السلام):(عليك بالاحتياط) يعني توقّف عن الجواب، والجواب في المقام يُمثّل الفتوى، هو سُئل عن حكم مسألةٍ، وهو لا يعلم ما هو حكمها، فيجيبه الإمام(عليه السلام) عليك بالاحتياط، وأنْ لا تجيب بشيءٍ، فتدلّ على حرمة الفتوى من دون علمٍ، وهذا ليس محل النزاع؛ لأنّه مسّلم بين الطرفين.
 يمكن صياغة هذا الإشكال بعبارةٍ أخرى: بناءً على الاحتمال الثاني الذي هو أنْ تكون الإشارة راجعة إلى السؤال الأخير. يمكن أنْ يقال أنّ الرواية أجنبية عن محل الكلام ببيانٍ آخر، وهو أنْ يقال: أنّ مفاد الرواية كما ذُكر، الاحتياط في الفتوى في نفس الواقعة التي سُئل عنها كما هو ظاهر الرواية، يقول أنا سُئلت عن هذه المسألة، وهي أنّ أثنين أصابا صيداً وهما محرمان، فما هو حكمهما ؟ هل عليهما الجزاء معاً، أو على كلٍ منهما الجزاء ؟ هذه الواقعة فيها حكم واقعي، سُئل هذا الشخص عن حكم الواقعة، يقول الإمام(عليه السلام) إذا سُئلت عن حكم واقعةٍ، ولم تعلم ما هو حكمها يجب عليك الاحتياط في الفتوى في هذه الواقعة، إذا سُئل عن حكم أكل لحم الأرنب، وهو لا يعلم ما هو حكمه، الرواية تقول يجب عليك الاحتياط، بمعنى أنْ لا تفتي بالحلّيّة، ولا تفتي بالحرمة، في نفس الواقعة التي سُئل عن حكمها تقول الرواية احتاط، ولا يجوز لك أنْ تجيب عن حكمها من دون مستندٍ ودليلٍ. هذا المضمون وحده ليس فيه دلالة على وجوب الاحتياط في الشبهة التي لا يُعرف ما هو حكمها؛ بل لابدّ أنْ نستفيد ما هو الموقف الشرعي تجاه الشبهة التي لا نعرف حكمها، أنْ نستفيده من دليلٍ آخر غير هذه الرواية، هذه الرواية تقول أنّ نفس الواقعة لا يجوز لك أنْ تفتي بحكمها الواقعي؛ لأنّك لا تعرف ما هو حكمها الواقعي. هذا هو مضمون الرواية، لكن حينما نأتي إلى الواقعة باعتبارها مجهولة الحكم، ما هو موقفنا العملي تجاهها ؟ هل يجب علينا أنْ نحتاط، ولا نُقدِم على ارتكاب الشبهة ؟ أو تجري البراءة ؟ كلٌ منهما لابدّ أنْ يستند إلى دليلٍ بقطع النظر عن هذه الرواية، مفاد هذه الرواية هو عدم جواز الفتوى في الحكم الواقعي في الواقعة المسئول عنها عند عدم العلم بذلك الحكم، لا يجوز لك أنْ تفتي بالحرمة، ولا يجوز لك أنْ تفتي بالحلّيّة في هذا السؤال، لكن مسألة الإقدام، وعدم الإقدام على الشبهة، جواز الإقدام كما يقول الأصوليون، أو عدم جواز الإقدام كما يقول الأخباريون لابد من التماسه من دليلٍ آخر، ولو ادّعى الأخباريون أنّ هناك ما يدلّ على وجوب التوقّف والاحتياط؛ حينئذٍ نقول كان هو الدليل على وجوب الاحتياط لا هذه الرواية، بينما المفروض في محل الكلام هو الاستدلال على وجوب الاحتياط بهذه الرواية، وهذه الرواية ليس فيها دلالة على وجوب الاحتياط، وإنّما مفادها هو حرمة الفتوى في الواقعة المسئول عنها من دون علمٍ، أمّا الموقف العملي تجاه هذه الشبهة، وهذه الواقعة التي لا يُعرف حكمها، فلابدّ أنْ يُلتمس من دليلٍ آخر، ولو دلّ دليل على وجوب الاحتياط؛ فحينئذٍ يكون هو الدليل على وجوب الاحتياط، وليس هذه الصحيحة؛ لأنّها ليس فيها دلالة على تحديد الموقف العملي تجاه الواقعة المشكوكة، وإنّما هي ناظرة إلى حرمة الإفتاء بالحكم الواقعي في الواقعة المسئول عنها، وبذلك تكون أجنبيّة عن محل الكلام على كلا التقديرين، سواء كان أسم الإشارة راجعاً إلى واقعة الصيد، أو كان راجعاً إلى السؤال عن حكم مسألةٍ لا يُعرف حكمها، على الأوّل فيها دلالة حينئذٍ على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة، لكن قبل الفحص بقرينة(حتّى تسألوا فتعلموا)، وهذا غير محل الكلام. وعلى الثاني ليس فيها دلالة على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة، وإنّما هي ناظرة إلى حرمة الفتوى بالحكم الواقعي للواقعة من دون علمٍ، ليس لها نظر إلى وجوب الاحتياط كموقفٍ عملي في الشبهة والواقعة التي لا يُعلم ما هو حكمها؛ بل هذا لابدّ من أنْ يؤخذ من دليل آخر؛ وحينئذٍ الأخباري يقول لديّ أدلّة تدلّ على وجوب الاحتياط، والأصولي يقول لديّ أدلّة تدل على البراءة، لو سلّمنا ما يقوله الأخباري، نرجع ونقول بأنّه يكون هو الدليل على وجوب الاحتياط، وليس هذه الصحيحة.
 الرواية الثانية: موثّقة عبد الله بن وضّاح، يرويها الشيخ الطوسي، بإسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن سليمان بن داوود، عن عبد الله بن وضاح، قال:(كتبت إلى العبد الصالح "عليه السلام" يتوارى القرص، ويُقبل اللّيل، ثمّ يزيد اللّيل ارتفاعاً، وتستتر عنّا الشمس، وترتفع فوق اللّيل حُمرة، ويُؤذّن عندنا المؤذنون، أفأصلّي حينئذٍ وأفطر إنْ كنت صائماً، أو انتظر حتّى تذهب الحُمرة التي فوق الجبل، فكتب إلي: أرى لك أنْ تنتظر حتّى تذهب الحُمرة وتأخذ بالحائطة لدينك). [1] باعتبار أنّ ذيل الرواية جُعل من أدلّة وجوب الاحتياط.
 السند تام، الرواية موثّقة، سند الشيخ الطوسي إلى الحسن بن محمد بن سماعة صحيح، والحسن بن محمد بن سماعة ثقة، ومن شيوخ الواقفة، منصوص على وثاقته، وسليمان بن داوود المنقري منصوص على وثاقته، وهكذا عبد الله بن وضاح، فالرواية معتبرة سنداً، وموثّقة لوجود الحسن بن محمد بن سماعة فيها؛ لأنّه من الواقفة.
 يمكن أنْ يُقرّب الاستدلال بالرواية بهذا التقريب: بقوله(عليه السلام) في جواب الكتاب(أرى لك أنْ تنتظر حتّى تذهب الحُمرة وتأخذ بالحائطة لدينك) بقطع النظر عن السؤال، بالنتيجة الإمام (عليه السلام) أمره في الجواب بالانتظار إلى أنّ تذهب هذه الحمرة، وعللّه بأنّه(تأخذ بالحائطة لدينك). يُفهم من هذا أنّ الأخذ بالاحتياط، والحائطة للدين هو شيء مطلوب للشارع مطلقاً بقطع النظر عن مورد الرواية كما هو شأن التعليل، حينما يُعلّل شيئاً بشيءٍ، فهذه العلّة لا تختص بذلك الشيء، إنّما هي علّة عامّة، فلو قيل ـــــ مثلاً ـــــ لشخصٍ(أدِّ هذا الدين الذي عليك لزيدٍ، لتفرغ ذمّتك)، فأنّه يُفهم منه التعليل، بمعنى أنّ الأمر بأداء الدين عُلّل في هذا الكلام بتفريغ الذمّة، ويُفهم منه مطلوبية تفريغ الذمّة، من دون أنْ يختص هذا بخصوص مورد الكلام، وإنّما تفريغ الذمّة أمر مطلوب على الإطلاق، وبقولٍ مطلقٍ، من دون أنْ يختص بمورد الكلام كما هو شأن العلّة، كأنّه يُدّعى في المقام هذا(أرى لك أنْ تنتظر حتّى تذهب الحمرة) هذا أمر بالانتظار، (وتأخذ بالحائطة لدينك) هذا بمثابة التعليل بهذا الأمر، فيُفهَم منه أنّ الأخذ بالحائطة للدين هو أمر مطلوب للشارع، وعُللّ به الأمر بالانتظار، فيُفهم منه أنّ الاحتياط في الدين واجب، وأنّه مطلوب؛ حينئذٍ تكون الرواية من أدلّة وجوب الاحتياط في موارد الشبهات.
 ناقشوا في دلالة هذه الرواية بهذه المناقشة: قالوا بأنّ الحمرة الواردة في الرواية، والمتكررّة ثلاث مرات فيها يوجد فيها احتمالان:
 الاحتمال الأوّل: أنْ يكون المقصود بالحمرة هي الحمرة المشرقيّة، وليس المغربيّة، وهي التي ترتفع في الأفق عندما يستتر القرص من جهة المغرب، فأنّه عندما يستتر القرص من جهة المغرب ترتفع حمرة من الشرق تُسمّى بــــ (الحمرة المشرقيّة)، كأنّ السائل في الرواية يحتمل أنْ يكون لذهاب هذه الحمرة دخل في تحقق الغروب الشرعي ــــــ كما هو المعروف بين الفقهاء أنّه يعتبر ذهاب الحمرة المشرقية حتّى يتحققّ الغروب الشرعي، ولا يكفي فيه استتار القرص ــــــ وهو شاكّ في أنّها دخيلة، حتّى ينتظر، والحمرة موجودة وبعدُ لم تذهب، فيجب عليه الانتظار، أو أنّها ليست دخيلة؛ فحينئذٍ يجوز له أنْ يفطر؛ لأنّ الاستتار متحققّ، وإنْ كانت الحمرة باقية؛ حينئذٍ بناءً على هذا الكلام تكون الشبهة حكميّة، لا موضوعية، وليس هناك مشكلة في أنّ الحمرة باقية، أو ليست باقية، وأنّ القرص استتر، أو لم يستتر، ويُفترض أنّه يعلم أنّ القرص استتر، لكنّ الحمرة المشرقية باقية، فلا يوجد شكّ في الموضوع، وإنّما شكّ في اعتبار زوال الحمرة المشرقية في تحققّ الغروب الشرعي؛ وحينئذٍ تكون شبهة حكميّة، وعلى هذا الكلام الإمام(عليه السلام) سُئل عن شبهةٍ حكميّةٍ(ما تقولون في الحمرة المشرقيّة، هل هي دخيلة في تحقق الغروب الشرعي، أو لا ؟ وكان المفروض والمناسب أنْ يُجيب الإمام(عليه السلام) عن شبهةٍ حكميّة، بأنْ يزيل الجهل والشكّ عن المكلّف بأنْ يُبيّن له الحكم الواقعي، فإمّا أنْ يقول له ليست معتبرة في تحققّ الغروب الشرعي، ويكفي فيه استتار القرص، أو أنْ يقول له أنّ الحمرة معتبرة، بينما الذي نلاحظه في الرواية أنّ الإمام(عليه السلام) لم يُجِب بذلك، وإنّما أمره بالاحتياط، هذا ليس جواباً عن السؤال، ولا يرفع الجهل، والشبهة؛ بل تبقى الشبهة على حالها، والأمر بالاحتياط هو شأن الشخص الغير العالم بالأحكام الواقعية، أمّا الإمام(عليه السلام) الذي يعلم بالحكم الواقعي، والسؤال عن الحكم الواقعي، فكان المناسب أنْ يجيب بالحكم الواقعي، بينما الملحوظ أنّ الإمام(عليه السلام) أجابه بالحكم الظاهري حيث أمره بالاحتياط، وهذا لن يحلّ مشكلة السائل.
 بناءً على هذا الكلام، قالوا: لا يمكن أنْ نحمل جواب الإمام(عليه السلام) على الجِد، هو لا يريد هذا الجواب جدّاً، ويتعيّن حمله على التقيّة؛ لأننّا إذا حملناه على الجد، فأنّه يكون غير مناسبٍ لمقام الإمام(عليه السلام)، بمعنى أنّ ما يريده الإمام(عليه السلام) جدّاً هو لزوم الانتظار، وأنّ الغروب لا يتحققّ إلاّ بذهاب الحمرة المشرقيّة، لكن هناك مشكلة في بيان هذا الحكم الواقعي، خصوصاً بالكتابة، المشكلة هي أنّ العامّة، إمّا قاطبة، أو مشهورهم يذهبون إلى كفاية استتار القرص في تحقق الغروب، فهذا الرأي ـــــ اشتراط ذهاب الحمرة المشرقيّة في تحققّ الغروب ـــــ هو رأي مخالف للعامّة، وفقهاء العامّة، فكأنّ الإمام(عليه السلام) أراد أنْ يتدارك ذلك، وأنْ يتّقي، وهو موضع تقيّة، خصوصاً في الكتابة، فالإمام(عليه السلام) بيّن الحكم الواقعي، لكن ليس بشكلٍ مباشرٍ، وإنّما بيّنه بلسان(أرى لك أنْ تنتظر وتأخذ بالحائطة لدينك)، وهذا بيانٌ جيّدٌ يحققّ هدف الإمام(عليه السلام)، الغاية المطلوبة من كون الحمرة المشرقيّة شرط في تحققّ الغروب سوف تتحققّ، وأنّه أمره بالاحتياط والانتظار. إذن: بالنتيجة هذا السائل سوف لن يفطر قبل ذهاب الحمرة المشرقيّة؛ لأنّه أمره بالاحتياط والانتظار، فالغرض يتحققّ من دون أنْ يظهر منه المخالفة للعامّة؛ لأنّهم سوف يقرأون هذا الكلام ويفهمونه على أنّه أمرٌ بالاحتياط لغرض إحراز استتار القرص الذي يكفي في نظرهم في تحققّ الغروب، بينما الغرض الواقعي للإمام(عليه السلام) ليس هذا، وإنّما غرضه هو أنّه أمره بالاحتياط حتّى يُحرز ما يعتبر في تحققّ الغروب وهو زوال الحمرة المشرقيّة، لكنّه لم يبيّنه بشكلٍ مباشرٍ، وإنّما بيّنه بلسان الاحتياط.
 النتيجة التي ننتهي إليها هي: أنّه بناءً على الاحتمال الأوّل ـــــ أنْ يكون المراد بالحمرة هي الحمرة المشرقيّة ــــــ حينئذٍ لا يصح الاستدلال بالرواية؛ لأنّ قوله(أرى لك أنْ تنتظر وتأخذ بالحائطة لدينك) ليس الغرض منه هو إيجاب الاحتياط بالمعنى الذي نتكلّم عنه، وإنّما هو كناية عن أنّ زوال الحمرة المشرقيّة شرط في تحققّ الغروب، فلا مجال للاستدلال بها على وجوب الاحتياط في الشبهات الحكميّة.
 
 
 
 


[1] وسائل الشيعة(آل البيت)، الحر العاملي، ج 4، ص 176، أبواب المواقيت، باب 16، ح 14.