34/11/21


تحمیل
 الموضوع: الأصول العملية/ الاحتياط/ الاحتياط العقلي
 كان الكلام في التقريب الثالث على وجوب الاحتياط عقلاً، وذكرنا الجواب عن هذا التقريب المذكور في كلماتهم، هناك ملاحظات على هذا الجواب:
 الملاحظة الأولى: أنّ إنكار الصغرى، بناءً على إرادة الضرر الأخروي، حيث ذُكر في الجواب بأنّه إذا كان المراد بالضرر هو الضرر الأخروي والعقاب، فالكبرى مسلّمة؛ إذ يجب دفع الضرر الأخروي المظنون والمحتمل بلا إشكال، لكنّ الصغرى ممنوعة، بمعنى أنّ الظنّ بالتكليف لا يستلزم الظنّ بالضرر الأخروي، كما أنّ احتمال التكليف لا يستلزم احتمال الضرر الأخروي.
 أقول: إنّ إنكار الصغرى بناءً على إرادة الضرر الأخروي مبني على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ إذ يمكن بناءً عليه أنْ يكون هذا الكلام تامّاً؛ لأنّ الظنّ بالتكليف، فضلاً عن احتماله، إذا لم يكن معتبراً ومنجزاً لا يوجب الظنّ بالعقاب، ولا احتمال العقاب؛ بل العقاب مقطوع بعدمه استناداً إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فقاعدة قبح العقاب بلا بيان تقول مع عدم البيان للتكليف يقبح العقاب، فلو ظنّ المكلّف بالتكليف، فهذا الظنّ بالتكليف لا يكون ملازماً للظنّ بالعقاب؛ بل العقاب يكون مؤمّناً عنه بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فهو ليس مظنوناً ولا محتملاً، بمعنى أنّ المكلّف الذي يتمسّك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان يقطع بعدمه حتّى مع الظنّ بالتكليف، أو احتماله، فيتم هذا الجواب، وهو إنكار الصغرى بناءً على إرادة الضرر الأخروي بناءً على مسلك قبح العقاب بلا بيان، هذا شيء صحيح.
 وأمّا إذا بنينا على المسلك الآخر الذي ينكر قبح العقاب بلا بيان، وينكر حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، ويؤمن بمسلك حق الطاعة الذي هو عبارة عن منجّزية الاحتمال، بمعنى أنّ احتمال التكليف يكون منجّزاً، فضلاً عن الظنّ بالتكليف، وأنّه في هذه المرحلة لا يحكم العقل بقبح العقاب؛ بل يحكم العقل بلزوم الطاعة، ولزوم الإتيان بالتكليف المحتمل، فضلاً عن التكليف المظنون، وبناءً على ذلك لا وجه لإنكار الصغرى؛ لأنّ الظنّ بالتكليف يلازم الظنّ بالعقاب، واحتمال التكليف يلازم احتمال العقاب، ولا مؤمّن من ناحية العقاب حتّى يُقطع بعدمه، ويقال أنّ الظنّ بالتكليف لا يلازم الظنّ بالعقاب؛ بل على العكس، فأصحاب هذا المسلك يرون أنّ احتمال التكليف منجِّز، فمع احتمال التكليف، والظنّ به يتنجّز التكليف على المكلّف بحكم العقل، فلا معنى لأنْ يقال لا ظنّ بالعقاب؛ بل هناك ظنّ بالعقاب، والعاقل يرى أنّه لا مانع من العقاب؛ لأنّه لا يراه قبيحاً ـــــ بحسب الفرض ـــــ بناءً على هذا المسلك، اصحاب مسلك قبح العقاب بلا بيان يرونه قبيحاً فيُقطع بعدمه، فلا يكون الظنّ بالتكليف ملازماً للظنّ بالعقاب؛ بل هو مقطوع بعدمه. أمّا القائل بمسلك حقّ الطاعة، فلا يرى أنّ هناك مؤمّناً من ناحية العقاب، فيكون الظنّ بالتكليف ملازماً للظنّ بالعقاب، واحتمال التكليف ملازماً لاحتمال العقاب، وبناءً على هذا المسلك تكون الصغرى تامّة.
 إذن: هذا الجواب هو جواب مبنائي مبني على قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
 بعبارةٍ أخرى: أنّ صاحب مسلك قبح العقاب بلا بيان يؤمن أيضاً أنّ استحقاق العقاب من لوازم تنجّز التكليف كما يقول الطرف المقابل أنّ استحقاق العقاب ليس من لوازم التكاليف الواقعية بوجوداتها الواقعية؛ بل هو من لوازم تنجّز التكليف، لكنّه يرى أنّ التكليف بالاحتمال منجَّز، ولا يتوقّف تنجّز التكليف على العلم، أو الإمارة المعتبرة، كما يقول صاحب مسلك قبح العقاب بلا بيان؛ بل يرى أنّ التكليف يتنجّز بالاحتمال، وهذا المسلك مرجعه في الحقيقة إلى منجّزيّة الاحتمال، أنّ احتمال التكليف منجِّز، فاستحقاق العقاب يكون ثابتاً؛ لأنّ استحقاق العقاب من لوازم تنجّز التكليف، وهو يرى أنّ احتمال التكليف يكون منجّزاً، ولا يتوقف تنجّز التكليف على العلم والعلمي، فإذا كان احتمال التكليف منجّزاً؛ فحينئذٍ لا يمكن إنكار الصغرى، والقول بأنّ احتمال التكليف لا يلازم احتمال العقاب، أو الظنّ بالتكليف لا يلازم الظنّ بالعقاب؛ بل هو قطعاً يلازم الظنّ بالعقاب.
 الملاحظة الثانية: أنّ التكاليف الوجوبية التي ذُكرت في الجواب في الدرس السابق، لأنّ المصلحة التي تفوت بمخالفتها هي مصلحة شخصيّة في المتعلّق، ولا يصدق الضرر على فوات المصلحة، فالظنّ بالوجوب لا يلازم الضرر على تقدير مخالفة التكليف، وإنّما تفوته المصلحة، وفوات النفع غير الوقوع في الضرر.
 يظهر من الجواب أنّه دائماً يفترض أنّ المصلحة التي تنشأ منها الأحكام التكليفية الوجوبية هي مصلحة شخصيّة ثابتة في المتعلّق، وأنّها تفوت بمخالفة الوجوب. والملاحظة هي أنّه لا يجب في المصلحة الداعيّة إلى الوجوب أنْ تكون مصلحة قائمة في المتعلّق؛ بل قد تكون المصلحة موجودة في نفس الجعل؛ بل يظهر من الأدلّة أنّ المصلحة التي ينشأ منها الوجوب، ويُجعَل الوجوب على أساسها قد تكون مصلحة قائمة في نفس الجعل، بقطع النظر عن المتعلّق، قد لا يكون في المتعلّق مصلحة؛ بل قد تكون فيه مفسدة، لكن حيث أنّ جعل الوجوب تترتّب عليه المصلحة، جُعل الوجوب. الذي أريد أنْ أقوله هو: أنّ الوجوب لا يجب دائماً أنْ ينشأ من مصلحةٍ في الملاك والمتعلّق؛ بل قد ينشأ من مصلحةٍ وملاكٍ في نفس الجعل بقطع النظر عن المتعلّق، وهذا موجود حتّى في التحريمات، فقد ينشأ التحريم من مصلحةٍ في نفس جعله، لا من مفسدةٍ في متعلّقه، قد لا يكون في المتعلّق مفسدة؛ بل قد تكون فيه مصلحة، ومع ذلك يحرَّم؛ لأنّ هناك مصلحةً تترتّب على جعل التحريم لاحظها الشارع عندما جعل وشرّع التحريم، ولعلّه يرشد إلى ذلك قوله تعالى:(فبظلمٍ من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيباتٍ أُحلت لهم) [1] هي طيبات حلال لهم؛ ولأنّهم ظلموا حرّمناها عليهم، وكأنّ التحريم نوع من أنواع العقوبة، هذا ليس ناشئاً من مفسدةٍ في المتعلّق، وإنّما ناشئ من مصلحةٍ في جعل التحريم لاحظها الشارع فجعل التحريم، وليس له علاقة بوجود مفسدةٍ في نفس المتعلّق. الذي أريد أنْ أقوله هو: أنّ هذه الأحكام لا يجب أنْ تنشأ من ملاكات في متعلّقاتها، قد تنشأ من ذلك، وقد تنشأ من ملاكات قائمة في نفس الجعل، أو مصالح، أو مفاسد لاحظها الشارع لا ربط لها بالملاكات والمصالح والمفاسد في نفس المتعلّق.
 الملاحظة الثالثة: ذُكر في الجواب أنّه ورد حرمة ارتكاب ما يُخاف ضرره في بعض الموارد، ومُثّل لذلك بالصوم، والوضوء، والغسل، أنّه في هذه الموارد ورد ما يدل على حرمة ارتكاب ما يُخاف ضرره، الصوم إذا خيف ضرره يكون حراماً، والغُسل إذا خيف ضرره يكون حراماً.
 هذا ليس واضحاً؛ لأنّ الأدلّة الواردة في هذه الموارد ليس فيها دلالة على حرمة الفعل تكليفاً بحيث يكون الفعل حراماً، ليست ناظرة إلى هذا إطلاقاً، وإنّما هي تدل على عدم صحّة الفعل لو جاء به المكلّف، هي ناظرة إلى بطلان الغُسل لو خاف معه الضرر على نفسه، لا يصح منه الغُسل، وفي الصوم لا يصحّ منه الصوم، أي أنّ صومه باطل يجب عليه قضاؤه، أمّا أنّه لو فعله يرتكب حراماً، ويقع في الإثم، ويستحق العقاب، هذا ليس واضحاً من الأدلّة. الذي يُستفاد من الأدلّة ــــــ مثلاً ــــــ في باب الصوم أنّ الخلو من المرض ـــــ لأنّهم اعتبروا المرض من جهة أنّه مُضر ـــــ هو شرط في وجوب الصوم وفي صحّته، فإذا كان مريضاً، أو كان هناك ضرر لا يجب عليه الصوم، لا أنّه لا يجوز له الصوم كما هو المُدّعى، لا يصحّ منه الصوم لو جاء به، فالخلو من المرض شرط في وجوب الصوم وفي صحّته، فمع المرض، ومع الضرر لا يجب الصوم، ولا يصحّ منه لو جاء به، وأين هذا من عدم جوازه، كما هو المُدّعى ؟! أنّه ورد ما يدلّ على حرمة ارتكاب ما يُحتمَل فيه الضرر، لا يستفاد ذلك من الأدلّة، أو لا أقل أنّه محل تشكيك.
 على كل حال، التقريب الثالث حتّى لو تمّ على بعض المسالك، كمسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فهو لا يثبت به إلاّ مفاد مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، يعني الاحتياط العقلي، ومن الواضح أنّ الاحتياط العقلي محكوم بأدلّة البراءة المتقدّمة. حتّى القائل بمسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، عندما تأتي أدلّة البراءة الشرعية، فأنّه يرفع يده عن الاحتياط العقلي، غاية ما يثبت بهذا الدليل هو مفاد الاحتياط العقلي، بمعنى أنّ العقل يحكم بلزوم دفع الضرر المحتمل، أو المظنون، لكن مالم يرِد ترخيص من الشارع يؤمّن من ناحية العقاب، والأدلّة الشرعية الدالّة على البراءة تكون حاكمة على الاحتياط العقلي، وعلى هذا التقريب الذي ذُكر. فإذن: الاحتياط يثبت، لكنّه لا ينفع شيئاً؛ لأننّا فرغنا عن ثبوت أدلّة تدلّ على البراءة الشرعية، وتكون تلك الأدلّة حاكمة على هذا الاحتياط العقلي.
 هذا كلّه في المقام الأوّل، حيث قلنا أنّ الكلام في أدلّة الاحتياط تارةً يكون في أدلّة الاحتياط العقلي، وله تقريبات ثلاثة على ما تقدّم، وقد فرغنا منه، والمقام الثاني في ما يدلّ على وجوب الاحتياط شرعاً.
 المقام الثاني: في ما يدلّ على وجوب الاحتياط شرعاً، يعني في الأدلّة الشرعية على وجوب الاحتياط في الشبهة. وقد أُستدلّ على وجوب الاحتياط في الشبهات بالكتاب والسُنّة:
 من الكتاب: أُستدلّ بعدّة آيات، قيل أنّ مفادها ومدلولها هو وجوب الاحتياط في الشبهات.
 الآية الأولى: قوله تعالى:(ولا تقفُ ما ليس لك به علم). [2]
 تقريب الاستدلال بها على وجوب الاحتياط هو أنْ يقال أنّ صريح الآية هو حرمة القول بغير علمٍ، وعليه: ففي الفعل المشتبه، وفي الشبهة الحكمية لا يجوز للأصوليين أنْ يحكموا بالإباحة، أو يحكموا بالترخيص والبراءة؛ لأنّ الحكم بالترخيص والإباحة حكم بغير علم، والآية الشريفة تنهى عن القول بغير علم. فالمستدل يقول: أنّ الأصوليين يحكمون في الشبهة الحكميّة، وبالخصوص الشبهة الحكمية التحريميّة الذي هو مورد النزاع، يحكمون بالإباحة والترخيص، بينما هي شبهة تحريمية، يعني يُحتمَل فيها الحرمة، ويُحتمَل فيها الإباحة، فالحكم بالإباحة هو حكم بدون علمٍ، والآية الشريفة تنهى عن القول بغير علمٍ. الأخباريون يقولون: هذا لا يرِد علينا؛ لأننّا لا نحكم بالاحتياط، ولا نفتي به، وإنّما نلتزم بترك المشكوك في الشبهات الحكميّة التحريميّة، وهذا الالتزام بالترك لا يعني الفتوى بالإباحة والترخيص، ولا الفتوى بالاحتياط، وإنّما نلتزم بترك الفعل الذي يُشتبه أنّه حرام، ويُشتبه أنّه حلال من دون أنْ نقول أنّ الشارع ألزم بتركه، أو أنّ الشارع أمرنا بالاحتياط فيه حتّى يكون هذا قولاً بغير علم، هناك فرقٌ بين الأصولي وبين الأخباري، الأصولي يجوّز الارتكاب، بينما نحن نتوقّف، ونترك المشتبه، وهناك فرق بين ارتكاب الفعل المشتبه، وبين تركه، ارتكاب الفعل المشتبه لا يكون إلاّ مع الترخيص، كيف يجوّز للمكلّف أنْ يرتكب الفعل المشتبه ؟ لابدّ أنْ يفتي له بالترخيص وعدم المنع، ومن هنا كان الأصولي مضطراً إلى أنْ يُسند شيئاً إلى الشارع كالترخيص وعدم المنع، وهذا قول بغير علم، فتنطبق عليه الآية التي تنهى عن القول بغير علم، بينما يقول الأخباري أنّا لا أفتي بشيء، ولا أجوّز الارتكاب، وإنّما أنا امتنع من فعل المشتبه، وأقول للمكلّف أترك الفعل المشتبه، هذا الترك لا يحتاج إلى الفتوى بالاحتياط، وإلى الفتوى بالتحريم، فلا يوجد هنا أسناد من غير علمٍ، فلا يكون مشمولاً للآية الشريفة. هذا تقريب الاستدلال بالآية الشريفة.
 من الواضح أنّ الأصوليين يعترفون بأنّ القول بالترخيص والإباحة من دون أنْ يكون هناك مستند للقول بالترخيص والإباحة هو قول بغير علم، وهو تشريع محرّم بلا إشكال، الجميع يعترف بهذا، الأخباريون والأصوليون، لكنّ الأصولي يدّعي أنّ لديه علم ومستند يدلّ على الترخيص وعدم المنع، وهو أدلّة البراءة الشرعية المتقدّمة، فهي دليل على الترخيص الشرعي في الإقدام على المُشتبَه، فعندما يفتي مجتهد بالترخيص، واستند في فتواه بالترخيص وعدم المنع إلى دليلٍ شرعي، فلا يكون قولاً من غير علم، فلا يكون مشمولاً للآية الشريفة، حتّى من يُفتي بالترخيص العقلي هو استند أيضاً إلى دليلٍ، وهو قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فعند من يؤمن بها ويُفتي بالترخيص العقلي هو يستند إلى دليل، وهو قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ومن يُفتي بالترخيص الشرعي هو أيضاً يستند إلى دليلٍ وهو أدلّة البراءة الشرعية المتقدّمة.
 وبعبارةٍ أخرى: أنّ مضمون الآية الشريفة هو النهي عن التشريع المحرم، والقول من غير علمٍ هو تشريع محرّم بالأدلّة الأربعة، فمفاد الآية هو حرمة التشريع، أنْ تسند شيئاً إلى الشارع من دون أنْ تعلم بأنّه قاله، هذا هو مفاد الآية. الأصولي عندما يثبت الترخيص وعدم المنع، فهذا ليس تشريعاً؛ لأنّه يستند في إثبات الترخيص وعدم المنع إلى أدلّة شرعيّة دلّت على الترخيص وعدم المنع، فلا يكون قوله قولاً بغير علم، ولا يكون تشريعاً محرّماً، فلا تشمله الآية، بالضبط كالأخباري، فالأخباري أيضاً عندما يلتزم بالاحتياط، فهو يستند إلى أدلّة، والأصولي أيضاً عندما يُفتي بالترخيص وعدم المنع هو أيضاً يستند إلى أدلّة.
 ويمكن أنْ يُصاغ الجواب بهذا الشكل: الأصولي لا يُثبت الإباحة الواقعية إطلاقاً، ولو أثبت الإباحة الواقعية لورد عليه هذا الإشكال؛ لأنّه يكون قولاً من غير علم؛ لأنّ المفروض أنّه يشكّ في الإباحة كما يشكّ في التحريم، لا الإباحة الواقعية وصلت إليه، ولا التحريم الواقعي وصل إليه، فإذا كان المنظور هو الفتوى بالترخيص الواقعي، فالأصولي لا يُفتي بالترخيص الواقعي حتّى يكون قولاً من غير علم، الأصولي لا يُسند الترخيص الواقعي إلى الشارع ليقول أنّ هذا المشتبَه حكمه الواقعي هو الإباحة، هو لا يقول ذلك، وإنْ كان المقصود هو الترخيص الظاهري، فالأصولي يُفتي بالترخيص، لكن استناداً إلى أدلّة البراءة، أو استناداً إلى حكم العقل القائل بقبح العقاب بلا بيان. إذن: على أحد التقديرين هو لا يُفتي بالإباحة الواقعية، وعلى التقدير الآخر هو يُفتي بالإباحة الظاهرية والترخيص الظاهري، لكنّ هذا ليس تشريعاً محرّماً؛ بل هو حكم مستند فيه إلى الدليل، وهو عبارة عن الأدلّة السابقة.
 إذن: لا يصحّ الاستدلال بهذه الآية الشريفة على وجوب الاحتياط، وعلى بطلان ما ذهب إليه الأصوليون من البراءة وعدم المنع.
 الآية الثانية: قوله تعالى:(ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة) [3] ، وتقريب الاستدلال بهذه الآية الشريفة هو أنّ هذه الآية الشريفة تنهى عن إلقاء النفس، والاقتحام في التهلُكة، ويقال بأنّ ارتكاب ما يُحتمَل أنْ يكون مخالفة للمولى(سبحانه وتعالى) هو اقتحام في التهلكة، فيكون محرّماً بمقتضى إطلاق الآية؛ لأنّ الآية مطلقة من هذه الجهة، فكأنّ اقتحام المشتبَه وارتكابه، هو كأنّ الإنسان يُلقي بنفسه في ما يحتمل أنّ فيه مخالفة لله(سبحانه وتعالى)، وهذا إلقاء للنفس في التهلكة. هذا غاية ما يُمكن أنْ يُبيّن به تقريب الاستدلال بالآية الشريفة.
 


[1] نساء/سوره4، آیه160
[2] سورة الإسراء، آية 36.
[3] بقره/سوره2، آیه195