39/03/09


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

39/03/09

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- قاعدة قبح العقاب بلا بيان - حجية القطع.

وأما أنها ليست بتامة عقلائياً:- فإنا نلاحظ العقلاء يعتنون للاحتمال المعتد به لا أنهم يعتنون فقط وفقط للقطع ، بل الاحتمال أيضاً يرتبون عليه الأثر ، فلو فرض أنَّ سائق السيارة أراد أن يدخل في شارعاً من شوارع المدينة واحتمل أنَّ الدخول إليه ممنوع من قبل السلطات الرسمية خصوصاً إذا فرض أنه يغرّم مبلغاً من المال أو يحبس فهل يدخل ذلك الشارع ؟ ، ولو دخل فأخذته الشرطة إلى الدائرة الخاصة فيقول له المسؤول لماذا دخلت أوليس كنت تحتمل أنَّ هناك منع ؟ فيقول: أنا لا أعلم ، فيقول له: هل كنت تحتمل المنع ؟ فيقول: نعم ، فيقول له: إذا كنت تحتمل ذلك فلماذا دخلت فيسجنه ، فإذن هذا معناه أنهم يرتّبون الأثر على لاحتمال .

ولو فرض أنَّ شخصاً أراد أن يأكل شيئاً واحتمل أن يضرّ بصحّته فهل يأكله أو أنه يتركه ؟ إنه سوف يتركه ، أو احتمل أنه سمّ فهل يأكله ؟ كلا لا يأكله بلا إشكال ، وهكذا لو فرض أننا احتملنا بدرجةٍ معتدّ بها أنه يوجد مجلس تعزية أو مناسبة أخرى في بيت صديق لنا فهل نذهب إليه أو نقول إنه لا يوجد قطع فنترك الذهاب إليه رغم أنه حصل لنا ظن لكن مع ذلك لا نعير أهمية لذلك فهل الأمر هكذا ؟ كلا ثم كلا ، وإنما نعير أهمية لذلك فإما أن نذهب أو لا أقل نتصل به هاتفياً ، والأمثلة من هذا لقبيل كثيرة وقس غير ذلك على هذا.

ويمكن ان نخرج بهذه النتيجة:- وهي أنَّ العقلاء يعتنون للاحتمال في موردين:-

الأول:- عند نفس قوة الاحتمال ، يعني بأن كان الاحتمال بمستوى الظن كـ 70 أو 80 % فهم يعتنون به.

الثاني:- عند قوة المحتمل ، كما في مثال السمّ فإنه وإن كان الاحتمال ضعيفاً كدرجة 20 % مثلا فإنهم يعتنون به.

إذن عند قوّة المحتمل جرت سيرة العقلاء على الاعتناء بالاحتمال وعند قوّة نفس الاحتمال وإن لم يكن المحتمل قوياً ، فإذن في هاتين الحالتين يعتني العقلاء بالاحتمال. وهذا بشكلٍ عام موجود عندهم في أمورهم ، فهم في أمورهم يبنون على ذلك ، ومن الواضح أنهم حينما يبنون على ذلك فإنهم يبنون عليه حتى في الأحكام ، ولكن نحن عندنا براءة شرعية ولكن هذا شيء آخر ، فإذا لم تفهم الشخص بالبراءة الشرعية فهو يمشي على هذا القانون عند قوة الاحتمال وعند قوّة المحتمل.

وقبل أن ننتقل عن ها الموضوع نلفت النظر إلى شيء جانبي:- وهو أنه ما الفرق بين حكم العقل وحكم العقلاء أو سيرة العقلاء أوليس العقل هو نفس العقلاء فما الفارق بينهما ؟ ، وهذا مصطلح يستعمل كثيراً في الكتب الأصولية فمرّة يستدلون بالعقل ومرّة يستدلون بالعقلاء.

والجواب:- إنَّ المقصود من العقلاء هم الناس كأنا وأنت لكن مرة ينظر إليه زاوية العقل فقط وفقط وهذا يعبر عنه بحكم العقل ، ومرة ينظر إليه من زاوية أنه شخص يعيش في مجتمع له تقاليد وأعراف وقوانين خاصة كما لو جاء المسافر من سفره فنحن نذهب لزيارته ، وإذا مرض الجار نعوده وهل هذه أحكام يحكم بها العقل ؟ كلا وإنما يحكم بها العقلاء بمعنى الناس العقلاء لا من حيثية العقل وإنما من حيثية الأعراف والتقاليد التي عاشوها ، هذا هو الفرق بينهما ، فمثلاً نقول إنَّ خبر الثقة مما جرت عليه سيرة العقلاء على العمل به ، فليس المقصود هنا حيثية العقل فإنَّ العقل لا يتدخّل ولا يقول إنَّ خبر الثقة حجّة أو ليس بحجة وإنما الناس بما هم أصحاب تقاليد وأعراف وقوانين وغير ذلك ، ومن الواضح أنَّ حجية هذا تعود إلى الامضاء الشرعي بسبب عدم الردع وإلا فمن دون ضمّ هذه الضميمة لا يجدي شيئاً.

ثم إنه اتضح من خلال ما ذكرنا اتضح مجموعة أمور نذكر بعضها:-

الأمر الأوّل:- نحن نرفض مسألة منجزية القطع من جهة حقّ الطاعة أو من جهة قبح الظلم فإنه ليس بتام لا من هذه لناحية ولا من تلك ، أما أنه ليس بتام من ناحية حق الطاعة فلما أشرنا إليه من أنَّ وجوب اطاعة الأحكام الشرعية ناشئة إما من المنعمية أو الخالقية او المالكية والكل لا يقتضي وجوب الاطاعة بنحو يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة ، نعم هو يوجب الاطاعة أدباً وأخلاقاً أما أنه يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة فلا وقد ناقشنا في ذلك فيما تقدّم ، كما أنه ليس المنشأ هو قبح الظلم فإنَّ هذا رفضناه أيضاً ، لأنَّ الظلم إنما ينشأ من التجاوز على الحقّ الثابت للغير – وهو الله عزّ وجلّ - والذي يتحقق الظلم بسلبه وهو إما حقّ المنعمية أو حقّ الموجدية أو حقّ الملكية وقد ناقشنا الكل في كونه موجباً لاستحقاق العقوبة على المخالفة.

فإذن ليس هذا هو المدرك ولا ذاك وإنما المدرك ما أشرنا إليه من أن الله عزّ وجلّ خلق الخلق لمصلحة وجعل التكليف لمصلحة وجعل ادخال النار لمصلحة فإذن العقل سوف يحكم بوجوب الاطاعة فراراً من نار جهنم وحصولاً على جنّة المتقين ، فالمدرك لوجوب الاطاعة هو حكم القعل من باب الفرا من النار الحصول على الجنّة وقد ذكرنا القدر المتيقن من حكم العقل ما إذا فرض أنه قُطع بالتكليف فإذا قُطِع بالتكليف فالعقل حينئذٍ يُلزِم بالامتثال من باب الحصول على الجنّة والفرار من النار ، فإذن منجّزية القطع ثابتة لا لذلك المسلك ولا غيره وإنما لما أشرنا إليه.

الأمر الثاني:- إنَّ المنجزية على ما كرنا تثبت في موردين في مورد قوة الاحتمال ومورد قوة المحتمل ، واتضح أنَّ القطع يدخل في قوّة الاحتمال ، فإنَّ المصداق الكامل لقوّة الاحتمال هو حالة القطع ، فإذن يكون منجزاً من باب قوّة الاحتمال لأنه هو المصداق الواضح للاحتمال القوي.

الأمر الثالث:- اتضح أنَّ القطع حجة من ناحيتين ، من ناحية حكم العقل ومن ناحية حكم العقلاء ، أما من ناحية حكم العقل فلما أشرنا إليه من أنَّ العقل يوجب الاطاعة فراراً من النار والقدر التيقن من ذلك هو حالة القطع ، وأما أنه عقلائياً كذلك فلما أشرنا إليه من أنَّ العقلاء يبنون على المنجزّية في موردين الأوّل قوّة الاحتمال والقطع مصداقٌ للاحتمال القوي وهو الفرد البارز والواضح.

الأمر الرابع:- وهو إن لم يتضح مما سبق ، وهو أنَّ البناء على منجّزية الاحتمال عقلاً أو عقلائياً لا يجدي شيئاً بعد ورود أدلة البراءة الشرعية ، فإنَّ أدلة البراءة الشرعية بعد أن دلت على أنَّ كل شيء غير معلوم فهو قد رفع عنك - ومن الواضح أنَّ العلم نعممه للاطمئنان كما سيأتي - ، وهذا هو بحث البراءة الذي سوف يأتي ، وإذا ثبت هذا فحينئذ نرفع اليد عن حكم العقل وحكم العقلاء ، أما أننا نرفع اليد عن حكم العقل فلأنه تعليقي وليس تنجيزياً ، يعني بمعنى أنَّ القعل يحكم بوجوب دفع الضرر والفرار من جهنم ولزوم الاطاعة إذا لم يوجد مؤمن شرعي وأما إذا كان المؤمن الشرعي موجودا ًفالعقل يرفع حكمه ، فمن البداية حكم العقل تعليقي على عدم وجود المؤمن الشرعي والبراءة الشرعية مؤمن شرعي فإذن حكم العقل يرتفع بأدلة البراءة الشرعية ، وهكذا حكم العقلاء فإنَّ العقلاء إنما يحكمون بمنجّزية الاحتمال أو بمنجزيّة قوّة المحتمل إذا لم يكن صاحب الحقّ قد أمّن وقال لا تُعِر أهمية لهذا الاحتمال أو لهذا المحتمل ، أما بعد أن أمّن فالعقلاء لا يكونون حينئذٍ مصرّين على النجيز وهذا واضح ، أو قل إنَّ هذه السيرة مردوع عنها في مجال البراءة الشرعية.

وبهذا اتضح أن البحث عن أن الأصل الأوّلي هو الاشتغال وأن العقل يحكم بالاشتغال بقطع النظر عن أدلة البراءة الشرعية أو يحكم بالبراءة هو بحث علمي صرف وليس عملياً ، وربما بالتأمل والتفكير قد يعثر شخص على ثمرة عملية له ولكنها ثمرة عملية نادرة ، والذي نريد أن نقوله هو أنَّ هذا بحث علمي وليس بحثاً عملياً وذا فائدة فإنَّ من يقرأ هذا البحث بادئ ذي بدئ يتصوّر أنه صار هناك خطّان في مسألة بالبراءة والاشتغال خطٌّ يقول بالبراءة وهم القدماء في موارد عدم العلم بالتكليف وخط يقول بالاشتغال ، كلا وإنما كلاهما يقول بالبراءة لأنَّ دليل البراءة الشرعية مقدّم على حكم العقل بالاشتغال ، لأنَّ حكم العقل تعليقي ، فهذا البحث بحث علمي صرف ، نعم ربما تظهر له آثار علمية ونظرية أما الآثار العملية فليست موجودة أو تكاد تكون نادرة.