14-12-1434

تحميل ملف (MP3) حجم (7.22MB)

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الفقه

34/12/14

بسم الله الرحمن الرحیم

 الموضـوع:- مصرف الهدي/ حج التمتع / مناسك الحج للسيد الخوئي(قد).
 وأما ما أفاده بالنسبة الى الأمر الثالث - أعني أن الجابي للزكة اذا اتلفها يكون ضامنا رغم أن الفقراء ليسوا مالكين وانما هم مصرف لذلك - فيرد عليه:-
 أولاً:- إن الفقراء يمكن أن يقال بثبوت الملكيّة لهم غايته لا لأشخاصهم وإنما للجهة والعنوان فالعنوان - المعبّر عنه بالجهة هنا والجهة تكون مالكة غايته أن هذا الفقير لا يكون مالكاً بالفعل وإنما ملكيته الفعليّة فرع القبض فقبل القبض لا يكون مالكاً بالفعل وإنما الملكيّة ثابتة لعنوان الفقراء كما لو فرض أن شخصاً أوقف مالاً لعنوان العلماء أو الزوار أو ما شاكل ذلك فإن هذا العنوان بما هو عنوان يكون مالكاً لا أن كلّ عالمٍ يكون مالكاً بالفعل وإنما الملكيّة ثابتة للعنوان والملكيّة الفعليّة فرع القبص ، وعلى هذا الأساس يصير المورد من موارد الملكيّة . إذن يكون الضمان ثابتاً من باب ثبوت الملكيّة لعنوان الفقراء أو لوليّ الجهة - أعني مثلاً الحاكم الشرعي - فيكون مالكاً ، إن هذا احتمالٌ موجودٌ ويكفينا الاحتمال لدفع الدليل الذي ذكره(قده) فمادمنا نحتمل أن المورد من موارد الملكيّة وليس من موارد المصرفيّة البحتة فثبوت الضمان لعله من هذه الناحية - أي من ناحية الملكية - دون المصرفيّة.
 وثانياً:- لو سلمنا إن المورد من موارد المصرفيّة وليس من موارد الملكيّة ولكن نقول إن غاية ما يثبت بهذا الدليل هو الضمان في باب الزكاة أما أنه يثبت في جميع موارد المصرفيّة فلا يمكن ذلك - يعني إن الرواية التي دلت على ثبوت الضمان لو أتلف الجابي الزكاة تكون مثبتة للضمان في باب الزكاة - فكيف نستنتج أنه في جميع موارد المصرفيّة يكون الأمر كذلك مادام نحتمل ثبوت خصوصيّة لباب الزكاة حيث أن الشارع مثلاً يهتمّ بها . وعلى هذا الأساس اتضح من خلال ما ذكرنا أنه لا دليل على ثبوت الضمان في مورد المصرفيّة لو تحققّ الإتلاف ومادام لا يوجد دليل على ثبوت الضمان فنرجع الى البراءة عن ثبوت الضمان ، فالمدرك إذن لعدم ثبوت الضمان هو البراءة بعد عدم الدليل على ثبوت الضمان.
 نعم نستدرك من ذلك ونقول:- إن هذا الحديث بجميعه إنما يتم فيما لو فرض أن الثلث كانت له قيمة بعد الذبح ولكن قد يقول قائل إن ثلث الصدقة بعد الذبح وهكذا ثلث الاهداء لا قيمة له في أرض منى نعم هو له قيمة لو كان ذلك في بلادٍ أخرى أما في ذلك المكان فلا قيمة له فهذا البحث - لو فرض عدم ثبوت القيمة لكثرة العرض وقلّة الطلب - يعود بلا ثمرة عمليّة وإنما فائدته نظرية فقط وقد عرفنا منه بعض النكاة العلميّة.
 الأمر الثامن:- هل يجب في باب الاطعام - أي اطعام الفقير أو المؤمنين - أن يكون اللحم مطبوخاً فنقوم بطبخه أوّلاً ثم نقدّمه الى الفقير أو المؤمن ؟ فهل الطبخ شرطٌ وأمرٌ لازمٌ باعتبار أن عنوان الطعام إنما يصدق بعد الطبخ أما قبل ذلك فلا يصدق أو يجوز التقديم من دون حاجةٍ الى طبخ ؟
 قد يقال:- إن مقتضى القاعدة هو ذلك يعني أنه يلزم الطبخ إذ الطعام لا يصدق إلا في حالة ما بعد الطبخ ، نعم في باب الكفارات يكتفى بإعطاء الحنطة أو الشعير أو غير ذلك من غير طبخٍ لدلالة الدليل الخاص على ذلك ولولا الدليل الخاص لكان يجب أن يعطى وهو مطبوخ لعدم صدق عنوان الطعام إلا بذلك . وعلى أي حال هل نلتزم بذلك في مقامنا - أي هل يلزم الطبخ أو لا - ؟
 والجواب:- كلّا ، وذلك لوجهين:-
 الوجه الأوّل:- السيرة فإنها انعقد على ذلك من لدن عهد النبي صلى الله عليه وآله فإن المتاول بين المسلمين لم يكن هو طبخ اللحم ثم تقديمه وإنما دفعه وهو غير مطبوخ . وإذا قلت:- من أين لك ذلك ؟ كان الجواب:- إن ذلك لو كان ثابتاً لكان ظاهرة مهمة تستدعي النقل فعدم نقلها يورث الاطمئنان بعدم ثبوتها . إذن السيرة في عهد المعصوم عليه السلام كانت على تقديم الطعام وهو غير مطبوخ وكفانا ذلك دليلاً على الجواز.
 الوجه الثاني:- نقول إن هناك فرقاً بين مقامنا وبين المقامات الأخرى ففي المقامات الأخرى المطلوب هو أنه يجب إطعام الطعام الى المساكين فمتعلّق الوجوب الطعام والمفعول به هو الطعام وهو لا يصدق إلا على المطبوخ وهذا بخلافه في مقامنا فإن المتعلّق للإطعام ليس هو الطعام ونما هو نفس الهدي ( فكلوا منها واطعموا البائس الفقير ) أي كلوا من البدن وأطعموا منها فالمطلوب هو الإطعام من البدن لا الإطعام من الطعام والإطعام من البدن يمكن أن يقال بأنه صادق على الدفع من نفس البدن.
 وبالجملة:- إن المفعول به أو متعلق الاطعام في مقامنا هو البدن بخلافه في سائر الموارد فإنه الطعام وهذا يصلح أن يكون فارقاً بين المقامين ، فإن تمّ هذا فبها وإن لم يتم ّكفتنا السيرة المتقدمة.
 ثم نسأل ونقول:- ثم إنه لو فرض عدم حصول الاطمئنان بكفاية التقديم وهو غير مطبوخ أي لم يكن لدينا دليل اجتهادي على جواز التقديم وهو غير مطبوخ لا السيرة ولا ما ذكرناه ثانياً إنه لو فرض عم تماميتهما معا وانتهت النوبة الى الأصل العملي فماذا يقتضي الأصل فهل يقتضي الاحتياط وذلك بالتقديم وهو مطبوخ أو أنه يقتضي البراءة ؟
 والجواب:- من الوجيه أن يقال إن المطلوب هو عنوان الاطعام - أي إطعام البائس الفقير - فالذمة قد اشتغلت بهذا العنوان فلابد من إحراز فراغ الذمّة من ذلك ولا إحراز إلا بتقديمه وهو مطبوخ مادامت الذمة مشتغلة بالعنوان المذكور ، ولكن النوبة لا تصل الى الأصل العملي كما عرفنا لكفاية انعقاد السيرة.
 الأمر التاسع:- هل يجوز دفع الجلد الى الجزّار فهو يذبح أو ينحر لنا الهدي ونحن ندفع له الجلد مقابل ذلك فهل ذلك جائز أو لا ؟
 والجواب:- المناسب لمقتضى القاعدة بقطع النظر عن الدليل الخاص هو التفصيل فالجلد يجوز دفعه إليه أما بالنسبة الى سائر الأمور أعني الرأس والأرجل مثلاً - فلا يجوز دفعها.
 وبكلمة أخرى:- ما يمكن أكله لا يجوز دفعة وما لا يمكن أكله يجوز دفعه إليه ، والوجه في ذلك هو أننا أمِرنا بعنوان الإطعام والإطعام لا يصدق على الجلد وإنما يصدق على ما سوى ذلك فالجلد خارجٌ موضوعاً من أدلة لزوم الاهداء والتصدّق ، ومادام لا يجب دفعه الى الفقراء أو المؤمنين لعدم صدق الطعام والإطعام عليه فدفعه الى الجزّار حينئذٍ يكون جائزاً على طبق القاعدة بلا حاجة الى دليلٍ فالأصل البراءة ، وهذا بخلافه بالنسبة الى الرأس والأرجل فإنها تؤكل بعد إزالة الجلد فتكون مشمولة بعنوان ( وأطعموا البائس الفقير ) فلا يجوز دفعها إليه . إذن مقتضى القاعدة بقطع النظر عن الدليل الخاص هو التفصيل.
 كما أستدرك وأقول:- إن محلّ كلامنا هو في ما إذا فرض أنه أريد أن يدفع إليه كأجرة وجزاءٍ عن الذبح أو النحر بمعنى أنه لم يكن فقيراً وليس لأجل عنوان المؤمن أما إذا فرض أن هذا الجزّار كان لا يأخذ أجرةً أو فرض أنّا دفعنا إليه الأجرة ولكن أردنا أن نقدّم له الجلد أو الرأس فهذا يجوز على طبق القاعدة حينئذ من باب عنوان المؤمنين أو الفقراء . إذن محل كلامنا هو فيما إذا أريد أن يدفع إليه بعنوان الأجرة لا بعنوان أنه فقير أو مؤمن فإن ذلك جائز على طبق القاعدة . إذن حينما قلنا إن مقتضى القاعدة هو التفضيل بين ما يؤكل وبين مالا يؤكل نقصد من ذلك فيما إذا أريد الدفع إليه كأجرةٍ لا ما إذا أريد الدفع إليه بعنوان الفقراء أو المؤمنين فإن ذلك جائز حتى بالنسبة الى الأجزاء المأكولة كما هو واضح ، هذا هو مقتضى القاعدة.
 بيد أنه دلت صحيحة معاوية بن عمّار على عدم جواز ذلك ونصّها:- ( سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الإهاب ، فقال:- تصدّق به أو تجعله مصلىً ينتفع به في البيت ولا تعطه الجزّارين ، وقال:- نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعطى جلالها وجلودها وقلائدها الجزّارين وأمره أن يتصدّق بها ) [1] ومورد الاستشهاد قوله عليه السلام ( ولا تعطه الجزّارين ) فإنه نهيٌ والنهي ظاهرٌ في التحريم ، وليس المستند هو نهي النبي صلى الله عليه وآله فإن هذا ليس هو محلّ الشاهد حيث تقدّم منّا أكثر من مرّة أن ما كان من هذا القبيل - يعني من قبيل مادة ( نهى النبي ) أو ( أمر النبي ) - لا يمكن أن يستفاد منه الإلزام باعتبار أن هذا ينبئ ويدلّ على صدور صيغةٌ للنّهي أما ما هي تلك الصيغة ؟ فلعلها صيغةٌ مقرونةٌ بما يدلّ على التنزيه والاستحباب وليس على الإلزام ويصدق على ذلك أنه أمر أو نهى النبيّ صلى اله عليه وآله فمورد الشاهد إذن هو قوله عليه السلام ( ولا تعطه الجزّارين ) . إذن بمقتضى هذه الرواية لا يجوز دفع الجلد والإهاب الى الجزّار.
 هذا ولكن ورد في رواية يحيى الأزرق مما يدّل على الجواز وهي الرواية التي رواها الشيخ الصدوق(قده) في العلل عن أبيه ومحمد بن الحسن عن محمد بن يحيى - الاشعري القمي - عن محمد بن يحيى صاحب دبة شبيب - عن علي بن اسماعيل - وهذا يمكن توثيقه - عن صفوان - عن صفوان بن يحيى الأزرق قال:- ( قلت لأبي إبراهيم عليه السلام:- الرجل يعطي الأضحية من يسلخها بجلدها، قال:- لا بأس به إنما قال الله عز وجل فكلوا منها وأطعموا والجلد لا يؤكل ولا يطعم ) [2] ، والباء في كلمة ( بجلدها ) الواردة في عبارة ( قلت لأبي ابراهيم الرجل يعطي الأضحية من يسلخها بجلدها ) هي باء المقابلة أي مقابل الجلد ، فإذن هي واردة في مقامنا.
 نعم قد يشكل ويقال:- إنها واردة في مورد الأضحية والأضحية إما منصرفة الى غير الهدي أو مطلقة فإذا كانت منصرفة فإذن هذه الرواية لا تعارض وإذا كانت مطلقة فيصير المورد من باب المطلق والمقيِّد فتكون الرواية السابقة مقيِّدة لهذه الرواية فتخرج منها الهدي ويبقى تحتها الأضحية المستحبة . هكذا قد يشكل ولكن توجد قرينة قد يمكن من خلالها التغلّب على هذا الإشكال.


[1] وسائل الشيعة، العاملي ، ج14، ص174، ب43 من ابواب الذبح، ح5، آل ابيت.
[2] وسائل الشيعة، العاملي ، ج14، ص175، ب43 من ابواب الذبح،ح8، آل البيت.