39/02/01

تحميل ملف (MP3) حجم (3.45MB)

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الفقه

39/02/01

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مسألة ( 39 ) حكم جوائز الظالم – المكاسب المحرّمة.

قلنا توجد خمسة أسئلة لاستيضاح الحالة:-

السؤال الأوّل:- لماذا التفرقة بين ما إذا كانت الأفراد محصورة حيث لم يتعامل معاملة مجهول المالك في مثله وبين ما إذا كانت غير محصورة فيتعامل معاملة مجهول المالك ، فما هي النكتة ؟

والجواب:- لا يبعد أن تكون النكتة هي الانصراف ، فإنَّ العناوين المأخوذة في مسألة مجهول المالك منصرفة عن حالة ما إذا كان التردد بين أفراد محصورة وهي مختصة بما إذا كان لا يعرف أبداً أو يعرف ولكن بين أفراد غير محصورة .

وعلى سبيل المثال نذكر وراية واحدة من الروايات التي أخذ فيها عنوان مجهول المالك:- ( رفيق كان لنا بمكة فرحل منها ..... أصبنا بعض متاعه ... )[1] ، إنَّ قول السائل ( رفيق كان لنا بمكة ثم رحل منها ) واضح في أنَّ المنظور هو الأفراد غير المحصورة فإنه منصرف إلى ذلك ، فعلى هذا الأساس إما أننا لا نعرف عنه شيئاً أو نعرف عنه ولكن ضمن أفراد كثيرة كألف شخص مثلاً أما ضمن نفرين أو ثلاثة ، فهذا العنوان منصرفٌ عنه ، وهكذا بقية العناوين التي ستأتينا في روايات مجهول المالك.

إذن اتضح أنَّ النكتة هي ما أشرنا إليه من الانصراف فإنَّ العنوان المأخوذ في الروايات منصرفة عن حالة الحصر ومختصة بحالة عدم الحصر.

السؤال الثاني:- ذكر(قده) أنه مع امكان الارضاء فحينئذٍ لابد منه ، ولماذا ؟ ، فلماذا إذا يمكن ارضاء هؤلاء الطراف الثلاثة او الاربعة مثلاً ولو بأن نقسّم المال بينهم فإذا أمكن ارضاءهم وجب ذلك ، فما هي نكتة وجوب الارضاء مع امكانه ؟

والجواب:- حيث إنَّ ايصال الحق إلى صاحبه واجب على ما تقدم في الفرع الأوّل وهذا قد اتفقنا عليه - نعم هل هو على سبيل التخلية أو التسليم فهذه قضية ثانية - فإذا كان يجب ردّه عليه فهذا يكون من باب مقدّمة الواجب وذلك بالإرضاء وهم قد قبلوا بالتقسيم عليهم ، فمن باب مقدّمة الايصال الذي هو واجب يجب الارضاء حيث إنَّه يحصل به وصول المال إلى صاحبه.

السؤال الثالث:- لماذا تنحصر القرعة بحالة عدم إمكان الارضاء ، بل لنقل إنه حتى لو أمكن الارضاء نصير إلى القرعة أيضاً ؟

والجواب:- إنه إذا فرض رضاهم جميعاً بتقسيم العين أرباعاً أو أثلاثاً مثلاً فلا يكون الأمر مشكلاً والقرعة قد أخذ في موضوعها أن يكون الشيء مشكلاً أو مجهولاً وهنا لا جهالة ولا تمشكل في الأمر حتى يكون موضوع القرعة متحققاً.

نعم نستدرك ونقول:- لو فرض أنهم رضوا بالقرعة فهل يجوز المصير إلى القرعة أو نقول إنَّ القرعة لكل أمر مشكل ومجهول وهنا لا جهالة ولا تمشكل ، فلماذا يقال بكفاية القرعة في مثل هذه الحالة ؟

والجواب:- إنَّ هذا نحوٌ من الصلح والاتفاق فيما بينهم ، فماداموا قد اتفقوا وتراضوا على هذا فهذا نحو من الصلح فإذا رضوا فنجري القرعة بينهم ، إنما الكلام فيما إذا كان كل واحد منهم يقول أنا أريد حقي فإذا لم يرضوا بالقرعة عن طوعٍ فحينئذٍ نقول إذا أمكن ارضاؤهم بالتقسيم مثلاً فلا تصل النوبة إلى القرعة وأما إذا لم يرضوا بذلك فهنا يصير تمشكل الأمر فالمصير يكون إلى القرعة.

إذن القرعة يمكن اجراؤها في حالتين ، الأولى ما إذا أراد كل واحد من الجميع حقه كاملاً ، والثانية يفترض أنهم ابتداءً اتفقوا على القرعة وهذا نحوٌ من الصلح والاتفاق فلا مشكلة في اجراء القرعة بينهما.

السؤال الرابع:- لو فرض أنَّ تقسيم العين أرباعاً مثلاً لم يرتضوه فأضف إليها شيئاً كدرهم أو درهمين أو ديناراً أو دينارين وأنا اتمكن من ذلك أيضاً فهل يجب عليّ ذلك أو لا ونكتة احتمال الوجوب هي من باب أنها مقدمة للإيصال فنقول إنَّ مقدمة الايصال هي هذه ؟

الجواب:- كلا لا يجب ذلك ، وذلك لوجهين:-

الأوّل:- إنَّ غاية ما دل عليه الدليل هو ايصال العين إلى صاحبها أما الاضافة فلا دليل عليها فالذي أوجبه الشرع علينا هو ايصال نفس العين بلا زيادة ولا نقيصة أما اضافة شيء فلا دليل عليه فهو ليس من الواجب حتى نقول من باب مقدّمة الايصال أضف مقداراً.

ثانياً:- إنَّ قاعدة لا ضرر يمكن التمسّك بها لنفي الوجوب فإنَّ الالزام بدفع مقدار من المال نحو من الضرر بناءً على تفسير الضرر بمعناه اللغوي وهو النقص في المال أو غير ذلك وهذا نقص في المال وهو نحو من الضرر وقاعدة لا ضرر تنفي مثل ذلك.

السؤال الخامس:- إذا فرض أنه لم يمكن ارضاؤهم بأيّ شكل من الاشكال قلنا تصل النوبة إلى القرعة ولكن لو فرض أننا كنا نحتمل بدرجة وجيهة أنَّ صاحب الحق هو هذا الشخص أي حصلت قوّة احتمال أنه هو المالك فهل تصل النوبة إلى القرعة أو أنَّ قوة الاحتمال هنا تكون مرجحاً ونأخذ بها من دون أن تصل النوبة إلى القرعة ؟

والجواب:- من الوجيه أن يقال إنَّ قوة الاحتمال وإن لم تكن مرجحة وحجة لكن في خصوص المورد وبعض الموارد يمكن أن يقال بحجية الاحتمال ، ونتمسّك بما عليه سيرة العقلاء فنقول إنَّ العقلاء في مثل هذه الحالة التي يدور فيها المال بين أشخاص وكانت هناك قوّة احتمال عقلائية معتدّ بها فهنا لا يبعد أنهم يأخذون بقوة الاحتمال ويكون طريقاً ، فإذا قبلت بذلك فتكون هذا السيرة العقلائية التي لم يتثبت الردع عنها حجة وبالتالي يثبت الترجيح.

وهذا نظير مسألة تشخيص الأعلم ، فصاحب فلفقهاء يقولون إنَّ الأعلمية تثبت بشهادة أهل الخبرة وأهل الخبرة يقولون إنَّ زيداً هو الأعلم ولكن توجد جماعة أخرى من أهل الخبرة تقول إن عمرواً أعلم فماذا نصنع في مثل هذه الحالة ؟ والجواب:- من الوجيه أن يقال: إنه إذا فرض إنَّ قوّة الاصابة والاحتمال في تلك الشهادة ثابتة إما لأنَّ عدد الشهود كثير مثلاً أو أنهم أتقياء ورعون ، فالمهم أنه توجد قوّة احتمال في ذلك الجانب فلا يبعد أن يقال إنَّ قوة الاحتمال حجة شرعاً في مثل هذه الحالة بعد فرض عدم وجوب الاحتياط على المكلف بالعمل بكلا القولين - يعني يحتاط بين فتاوى زيد وعمرو - فبعد فرض عدم وجوب هذا الاحتياط لأنَّه عسرٌ على المكلّف تكون قوة الاحتمال حجة شرعاً ، بل حتى مع إمكان الاحتياط يمكن أن يقال إنَّ قوّة الاحتمال في مثل هذه الحالات هي مما جرت عليها سيرة العقلاء وحيث لا ردع فتكون ممضاة ، فهنا أيضاً يثبت ذلك.

ومن هذا القبيل: باب الضرر ، ففي باب الضرر الاحتمال يكون منجّزاً ، فإذا فرض الصوم يحتمل أنه يؤذيني أو يحتمل أن القيام في الصلاة يؤذيه فهنا يمكن أن نقول له عامل باحتمالك ، والمستند هو أنَّ خوف الضرر هو طريق عقلائي لتشخيص الضرر وحيث لا ردع فيثبت بذلك الامضاء.

بحث موجز عن القرعة:-

استدل على حجية القرعة بالكتاب مرّة ، وبالسنة أخرى ، وبسيرة العقلاء ثالثة ، أما الاجماع بعد وجود هذه الأمور فمن البعيد أن يكون كاشفاً عن رأي المعصوم عليه السلام ، فلذلك لنجعل الأدلة ثلاثة:-

أما الكتاب:- فقد يستدل بقوله تعالى ﴿ وإن يونس لمن المرسلين إّ ابق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين ﴾[2] ، قال أهل التفسير إنَّ يونس عليه السلام لم يستجب له قومه فدعى عليهم فأُخبِرَ بأنَّ البلاء سوف ينزل عليهم في وقت كذا فخرج قبل نزل البلاء عليهم وحينما وصل إلى البحر رأى سفينة فركب فيها وحينما سارت السفينة في وسط البحر فإما أنه وقف أمامهم حوت أو أنهم خافوا من ثقل السفينة أن تغرق وبالتالي لابد لهم من إلقاء شخص منهم في البحر فاتفقوا على المساهمة التي هي القرعة فخرج السهم باسم يونس عليه السلام.

ومن الواضح أن أقوال المفسّرين ليست حجة ، وهذا قد ذكرناه من باب ذكر أقوال المفسّرين ، ولكن حينما نقرأ الآية الكريمة فهي واضحة في أنَّ النبي يونس عليه السلام اشترك معهم في قرعةٍ ولكن ما هي القضية فهذا لا يهمنا ويكفينا هذا المقدار ولا يهمنا أنَّ سبب النزول صحيح أو باطل فإنَّ هذا لا يؤثر ، فإنَّ نفس الآية تدل على أنه ساهم فكان من المدخضين وهذا يدل على حجية القرعة.