38/06/19


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

38/06/19

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- العام والخاص.

وقبل أن نناقش كلام الشيخ النائيني(قده) والشيخ الخراساني(قده) نلفت النظر إلى هذه القضية الجانبية:- وهي أنه اتضح أنَّ كلمة ( كل ) وما على منوالها يوجد فيها احتمالان ، فيحتمل أنها موضوعة لاستيعاب ما يصلح أن ينطبق عليه المدخول ، ويحتمل أن تكون موضوعة لاستيعاب ما يراد واقعاً ، وهل هناك ثمرة تترتب على ذلك ؟ ومن الواضح أنه في الاحتمال الثاني نحتاج إلى مقدّمات الحكمة فلابد أن نجريها في المدخول ، أما على الاحتمال الأوّل فلا نحتاج إلى مقدّمات الحكمة لأنها موضوعة لاستيعاب ما يصلح أن ينطبق عليه المدخول أما المراد الواقعي من المدخول ما هو فليس مهماً لنا بل ما يصلح ، وهذا فارقٌ نظري وليس عملي وهو أنه على احتمال النائيني والخراساني نحتاج إلى اجراء مقدّمات الحكمة في المدخول ، بينما على الاحتمال الآخر لا نحتاج إلى اجراء مقدّمات الحكمة.

وأنا أريد أن أبيّن فارقاً عملياً:- هو يظهر مثلاً فيما لو جاءنا عامّان بنحو العموم من وجه ، فمثلاً رواية أبي بصير التي تقول:- ( كلّ شيء يطير يطير فلا بأس ببوله وخرئه )[1] وتوجد رواية ثانية تقول ( اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه ) ، فإنَّ هاتين الروايتين تتعارضان في الحيوان الذي يطير لكنه لا يؤكل لحمه كالجوارح ، فهنا ماذا نصنع ؟ إنَّ الثمرة تظهر هنا ، فإنه بناءً على مبنى النائيني والخراساني هل نقدّم الأوّل لأنَّ ظهوره بالوضع لأنَّ ( كل ) دلالتها بالوضع بينما ( اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه ) دلالتها بالإطلاق وما كانت دلالته بالوضع مقدّم على ما كانت دلالته بالإطلاق لأنها أقوى ، فهل نستطيع أن نقول إنَّ دلالة الأوّل أقوى فنقدمه على الثاني ؟ كلا ثم كلا ، وإنما نقدمه على الرأي الذي يقول إنَّ كلمة ( كل ) موضوعة لاستيعاب ما يصلح ، أما إذا بنينا على راي النائيني وقلنا بأنها موضوعة لاستيعاب ما يراد لا نستطيع أن نقدم الدليل الأوّل على الثاني لأنَّ كليهما يحتاجان إلى مقدّمات الحكمة ، فاحتياج الثاني إلى مقدمات الحكمة واضح حيث هو يقول ( اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه )[2] فنقول إنَّ هذا مطلق ، أما الأوّل فهو أيضاً فنحتاج إلى مقدّمات الحكمة أيضاً حتى نثبت المراد من المدخول ، فصار الاثنان بمقدّمات الحكمة ، فلا أقوائية لظهور الدليل الأوّل على ظهور الدليل الثاني ، وإنما يكون ظهور الأوّل أقوى من الثاني فيما إذا لم يكن ظهور الأوّل في العموم بمقدّمات الحكمة كما هو الرأي الآخر المقابل لرأي النائيني والخراساني حيث يقول إنَّ كلمة ( كل ) موضوعة لاستيعاب ما يصلح أن ينطبق عليه المدخول فهنا تصير قوّة لظهور الدليل الأوّل على ظهور الدليل الثاني.

وأشكل السيد الخوئي(قده) على الشيخ النائيني(قده) بإشكالين[3] :-

الاشكال الأوّل:- إنَّ العموم إذا كانت استفادته من كلمة ( كل ) يحتاج إلى اجراء مقدّمات الحكمة في المدخول وأجريناها وأجريت فيه فهي سوف تثبت لنا السعة والعموم وعليه فلا حاجة إلى كلمة ( كل )حينئذٍ ، فإنه سوف لا نستفيد منها شيئاً لأنَّ مقدّمات الحكمة حينما نجريها فهي دائماً تثبت لنا العموم ، فلو قلت ( اعتق رقبة ) فلو أجريت مقدّمات الحكمة في الرقبة فهي أثبتت أنَّ المقصود من الرقبة هي الرقبة الوسيعة ، فالسّعة ثبتت بمقدّمات الحكمة وعليه فكلمة ( كل ) لا حاجة إليها إذن ؟

ونحن نساعد السيد الخوئي(قده) فنقول:- إنه قد يأتي إلى الذهن أيضاً أنَّ كلمة ( كل ) هي تأكيد للسعة والعموم ، فصحيحٌ أنَّ العموم ثبت بمقدّمات الحكمة ولكن حينما يؤتى بكلة ( كل ) فمعنى ذلك التأكيد على السعة العموم.

قلت:- إنَّ التأكيد لا معنى له هنا ، لأنَّ التأكيد فرع العرضية بين المعنيين ، أما إذا كانت هناك طولية بينهما فلا معنى لأن يؤكّد أحدهما الآخر فإنه ليس موجوداً في رتبته حتى يؤكده ، فإنَّ كلمة ( كل ) يأتي معناها بعد أن يثبت معنى المدخول بقرينة الحكمة ، فدور كلمة ( كل ) يأتي بعد ذلك وهما إذا لم يكونا في رتبةٍ واحدة ويأتي الدور لكلمة ( كل ) بعد ذلك فلا معنى للتأكيد ، إنما التأكيد يكون بين المعنيين إذا كانا في رتبة واحدة مثل أن أقول لك ( جئني بجميع الأصدقاء ) فكلمة ( الأصدقاء ) وحدها تفيد العموم ، وكلمة ( جميع ) هي في عرضها فتصير تأكيداً ، أما المفروض هو أن كلمة ( كل ) هنا ليس لها معنىً إلا أن يثبت المراد من المدخول أوّلاً ، يعني سوف تصير دلالة كلمة ( كل ) متأخرة عن تشخيص المراد من المدخول ، فلا معنى حينئذٍ لأن تؤكد كلمة ( كل ) ذلك المعنى الذي تشخّص بمقدّمات الحكمة لأنَّ ذاك رتبته سابقة وهذا رتبته متأخرة فكيف يؤكد أحدهما الآخر فإنَّ ذلك لا معنى له؟!!

وهذا اشكال يسجّل على الشيخ النائيني(قده) وهو أنَّ لازم رأيك أنه لا حاجة إلى كلمة ( كل ) في اللغة العربية وهذا باطل جزماً ، وهل يوجد شخص يقول إنَّ كلمة ( كل ) زائدة فيما لو قيل ( أكرم كل عادل ) ؟!! ، بينما على رأي الشيخ النائيني(قده) سوف تصير كلمة ( كل ) زائدة في اللغة العربية لأنَّ السعة لكلمة ( عادل ) قد ثبتت بمقدّمات الحكمة فلا داعي إذن لكلمة ( كل ).

وجوابه:- إنَّ مقدمات الحكمة لا ترينا إلا الطبيعة من دون قيدٍ بينما كلمة ( كل ) ترينا الأفراد ، فصار المرئي مختلفاً ، فكيف تقول إنّه سوف يصير مدلولهما واحداً فلا حاجة حينئذٍ إلى كلمة ( كل ) ؟!! كلا بل المتكلم مرّة يريد أن يُرِيك الطبيعة ومرّة يريد أن يريك الأفراد ، واللغة العربية لغة مبنيّة على التفنّن في التعابير ، فبعض الألفاظ تُرِي الطبيعة وبعض الألفاظ تُرِي الأفراد ، فعلى هذا الأساس لا يلزم من ذلك لغوية كلمة ( كل ) فإنَّ المدخول بمقدّمات الحكمة يرينا الطبيعة وحينما نذكر كلمة ( كل ) فهي ترينا الأفراد ولا مانع من ذلك ، فإنه لا مانع من أن نستعمل هذا مرّة ونستعمل ذاك مرة ، ونستعمل شيئاً ثالثاً ورابعاً مرّة أخرى فإنَّ اللغة العربية مبنيّة على التفنّن في أساليب التعبير.