38/06/27


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

38/06/27

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: أصالة البراءة – الاستدلال بالكتاب

الوجه الرابع: ان الموصول في الآية المباركة مفعول مطلق لا مفعول به على جميع التقادير بقرينة ان الموصول لو كان مفعولا به للزم ان يتعدى إليه الفعل بالباء لأن مادة التكليف تتعدى بالباء الى المفعول الثاني وبما أن حرف الجر غير موجود في الآية المباركة فيكون المراد من الموصول المفعول المطلق على جميع التقادير سواء كان المراد منه المال أو التكليف أو الحكم الشرعي أو الفعل وحينئذ يكون معنى الآية المباركة لا يكلف الله نفسا إلا كلفة والكلفة تارة تعرض على الحكم الشرعي من الوجوب والتحريم وأخرى تعرض على المال وثالثة على الفعل الخارجي. فيكون الموصول على جميع التقادير مفعول مطلق.

وعلى هذا فلا يلزم محذور اشتمال الآية عل نسبتين متباينتين نسبة الفعل الى المفعول به ونسبة الفعل الى المفعول المطلق.

هكذا ذكر في هذا الوجه

وتوضيح ذلك بأكثر من هذا: انه لا شبهة في أن الموصول في الآية المباركة مستعمل في معناه الموضوع له وهو الشيء المبهم من جميع الجهات وانطباقه على فرده المعين في الخارج بحاجة إلى قرينة تدل على ذلك وفي المقام الموصول في الآية المباركة إما أن ينطبق على الحكم الشرعي كالوجوب أو الحرمة او نحوهما أو ينطبق على المال او ينطبق على الفعل فهو قابل للانطباق على جميع هذه الأمور وكل واحدة منها مصداق للموصول وفرد من أفراده.

واما الإيتاء الوارد في الآية المباركة فهو بمعنى الاقتدار على جميع التقادير سواء كان المراد من الموصول الحكم ام كان المراد منه المال او الفعل فإن كان المراد منه التكليف والحكم الشرعي فهو مما تعرض عليه الكلفة من جهة الإدانة والعقوبة على المخالفة أو الكلفة من جهة امتثاله لأن المكلف معني بامتثال التكليف وهو نحو من الكلفة وإن كان المراد من الموصول المال فعروض الكلفة عليه من جهة الانفاق فيجب عليه الانفاق وإن كان المراد من الموصول الفعل فعروض الكلفة عليه من جهة الاتيان به في الخارج.

ومن هنا لا مانع من أن يراد من الإيتاء معنى الاقتدار بأن يكون المكلف قادرا على امتثال التكليف وقادرا على الانفاق إذا كان الموصول منطبقا على المال وقادرا على الاتيان بالفعل إذا كان الموصول منطبقا على الفعل، وعلى هذا لا يكون الإيتاء مرددا بين الاقتدار والإيصال كما لا يكون المراد منه الإيصال لأن الآية المباركة في مقام بيان الحكم الواقعي لا في مقام بيان حكم الشبهات فإن الإيصال مناسب لبيان حكم الشبهات.

فإذا كان الموصول منطبقا على الحكم الشرعي تعرض عليه الكلفة وهو امتثاله فلا بد ان يكون قادرا على الامتثال وإذا كان منطبقا على المال فلا بد أن يكون المكلف قادرا على الانفاق واما إذا كان الموصول منطبقا على الفعل فلا بد ان يكون المكلف قادرا على الاتيان به.

هذا بحسب مقام الثبوت.

واما في مقام الإثبات فهل يمكن إرادة هذا الإطلاق من الموصول أو لا يمكن؟

والجواب: ان إرادة هذا الإطلاق من الموصول تتوقف على قرينة الحكمة وهي مقدمات الحكمة فإن تمت فلا مانع من إرادة الإطلاق من الموصول بالنسبة الى جميع هذه الأمور من التكليف والمال والفعل إلا أن قرينة السياق تمنع من ذلك فإنها تدل على أن المراد من الموصول في الآية المباركة هو المال لأن الموصول متصف بوصف الإيتاء من الله تعالى لكل عبد وعندئذ لا يكون له إطلاق يشمل الفعل والتكليف.

وعلى هذا فلا يمكن الاستدلال بالآية الكريمة على أصالة البراءة الشرعية فالآية أجنبية عن الدلالة على البراءة الشرعية.

ولو سلم ان الآية دالة على البراءة وأن الموصول في الآية مطلق فيشمل التكليف والمال والفعل فالتكليف إذا كان متصفا بوصف الإيتاء من الله تعالى للعبد فمن المعلوم ان اتصاف التكليف بهذا الوصف يكون في المرتبة السابقة فيكون مفعولا به ولا يصلح لأن يكون مفعولا مطلقا لأن المفعول المطلق من مشتقات الفعل فلا يعقل أن يكون أجنبيا عن الفعل فالموصول المتصف بوصف الإيتاء من الله تعالى للعبد أجنبي عن التكليف فلا يصلح أن يقع مفعولا مطلقا بل هو مفعول به كما لو كان المراد منه المال او الفعل. فعلى تقدير تسليم ان الآية مطلقة فلا مانع من الاستدلال بالآية الكريمة على أصالة البراءة الشرعية وإنما الكلام في مفاد الآية الكريمة فهل مفادها البراءة الشرعية ولكن بنحو قاعدة قبح العقاب بلا بيان بنحو تكون أصالة الاحتياط الشرعية واردة عليها ورافعة لموضوعها كما إذا فرضنا أن مفاد الآية المباركة نفي الكلفة عن التكليف الواقعي غير الواصل الى المكلف فلا شبهة عندئذ أن دليل الاحتياط يدل على إيصال التكليف الواقعي بإيجاب الاحتياط لأن إيجاب الاحتياط طريق الى إثبات الواقع وإيصاله وإحرازه فتكون أصالة الاحتياط الشرعية واردة على البراءة الشرعية كما انها واردة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان لأن الاحتياط الشرعي بيان جزما.

وإن كان مفاد الآية الكريمة نفي الكلفة في مورد الجهل بالأحكام الواقعية والشك فيه ففي مثل ذلك لا يكون دليل إيجاب الاحتياط الشرعي واردا عليه بل هو معارض له لأن دليل إيجاب الاحتياط الشرعي يدل على انه في مورد الجهل بالأحكام الواقعية الشرعية هو مورد لوجوب الاحتياط وهذه الآية تدل على أن هذا المورد موردا لأصالة البراءة الشرعية فعندئذ تقع المعارضة بين أصالة البراءة الشرعية وأصالة الاحتياط.

هذا هو الفرق بين مفاد الآية الكريمة.

ومن هنا يظهر الفرق بين مفاد هذه الآية ومفاد الآية الأولى؛ فإن مفاد هذ الآية نفي الكلفة عن التكليف مباشرة واما مفاد الآية الأولى فهو نفي العقوبة والعذاب على مخالفة التكليف الواقعي.

فالنتيجة ان هذه الآية في مقام الإثبات لا تدل على أصالة البراءة الشرعية ولو سلم دلالتها فمدخولها مردد بين فرضين: الفرض الأول والفرض الثاني وهل الصحيح الأول منهما أو الصحيح الثاني سوف نتكلم فيها في مورد المعارضة بين أصالة الاحتياط واصالة البراءة الشرعية.

هذا تمام كلامنا في هذه الآية المباركة.